As Safir Logo
المصدر:

دور الكرسي الرسولي في الحرب اللبنانية(2)تصاعد الخلافات مع»الجبهة اللبنانية«

المؤلف: عيراني جورج التاريخ: 1997-05-10 رقم العدد:7686

إن انتخاب البابا يوحنا بولس (16 تشرين الاول 1976) بعث الآمال بين اللبنانيين وتوقعوا ان يكون البابا الجديد، بسبب اصله البولوني، اكثر تفهماً لمحنة بلادهم. في خطاب مهم ألقي امام الجمعية العمومية للامم المتحدة بتاريخ 2 تشرين الاول 1979، اعلن البابا ان الحرب اللبنانية المستمرة قد ارتبطت ب »تسوية عادلة للمسألة الفلسطينية«، كما عبر عن رغبته في المحافظة على صيغة التعايش في لبنان »مع التعديلات التي يتطلبها تطور الوضع«. رأس الوفد البابوي الثالث الى لبنان الكاردينال باولو برتولي، وكانت هذه هي المرة الثانية التي يوفد فيها الدبلوماسي الفاتيكاني المخضرم الى لبنان ما يبرهن على انسجام الدبلوماسية البابوية واستمراريتها. والواقع ان برتولي جاء الى لبنان في مهمة توفيقية وكان يبغي تحقيق ثلاثة اهداف: 1 ان يوحّد الطائفة المارونية ويوفّق بين اطرافها. 2 ان يجد قاسما مشتركا بين الأطراف في لبنان لإحياء صيغة التعايش بين المسلمين والمسيحيين. 3 ان يوجد موقفا لبنانياً موحدا من امكانية اقامة دائمة للفلسطينيين في لبنان. اتخذ قرار الكرسي الرسولي ارسال موفد الى لبنان بالتنسيق مع الدول الكبرى وبموافقتها. وقد وقع خلال زيارة برتولي (6 19 كانون الاول 1978) حادث مهم يدل على الطبيعة الحساسة للمهمة البابوية. فقد رفض زعيمان يساريان في بيروت الغربية هما عاصم قانصوه، رئيس منظمة حزب البعث العربي في لبنان وابراهيم قليلات زعيم »المرابطون« الاجتماع بالكاردينال برتولي. وأصر الزعيمان على انه كان على برتولي ان يزور مقر قيادة الاحزاب اليسارية كونه قد زار سابقا مقر قيادة حزب الكتائب وحلفائه. كما ان عاصم قانصوه اتهم برتولي بتأييد التفسيرات التي قدمتها الجبهة اللبنانية. من المهم ان نذكر في هذا الاطار ان العلاقات بين سوريا والجبهة اللبنانية قد وصلت سنة 1987 الى ادنى حد لها منذ بدء النزاع. ويمكن تفسير موقف رئيس منظمة حزب البعث على انه اشارة الى عدم رضى دمشق عن المبادرة البابوية. في تصريحه الاخير قبل مغادرته بيروت، سلّم الكاردينال برتولي بوجود ضغوط خارجية يحتاج اللبنانيون الى المساعدة لتخطيها. واخيرا كان هناك فرق مهم آخر بين زيارة برتولي وزيارته الثانية، اذ لم يلتق الموفد البابوي ياسر عرفات او اي ممثل فلسطيني آخر. وقد اعتبر هذا الامر تنازلا للجبهة اللبنانية التي اتهمت منظمة التحرير الفلسطينية بكونها سببا رئيسا للمحنة اللبنانية. ويبقى ان تشعبات المعضلة اللبنانية والخلافات التي تعمقت الى درجة كبيرة بين الزعماء اللبنانيين منذ 1975 قد جعلت من كل محاولة للوفاق عملا مستحيلا. كما ان العوامل الاقليمية قد اصبحت اكثر وضوحا وارتباطا بأي حل للحرب اللبنانية. لقد لاقت فكرة توطين بعض الفلسطينيين الذين في لبنان بدلا من الضفة الغربية بعض الدعم في بعض الأوساط الأميركية والإسرائيلية. لقد شل هذا الاحتمال وحدة اللبنانيين، بغض النظر عن انتماءاتهم الحزبية، ولم يستطع الكرسي الرسولي بمفرده ان يهدئ من مخاوفهم، من دون تقديم ضمانات رئيسة من القوى الاقليمية والدولية. كازارولي يتوسط بين القوات والمردة يمكن اعتبار مهمة امين سر دولة الفاتيكان (29 آذار و2 نيسان 1980) تتويجا للاهتمام البابوي بلبنان. استعمل الكاردينال كازارولي مساعيه الحميدة لتضييق الشرخ داخل الطائفة المارونية. في الحقيقة، كان الصراع بين القوات اللبنانية التابعة لبشير الجميل وقوات المردة في شمال لبنان قد وصل الى حد سفك الدماء، مما ضاعف الاحقاد بين الطرفين. الا ان رأس دبلوماسيي الكرسي الرسولي لم ينجح في مسعاه لمصالحة الموارنة واللبنانيين عموماً. من جهة اخرى، اظهر لقاء المبعوث مع زعيمي الجبهة اللبنانية كميل شمعون وبيار الجمل الخلافات بينهما وبين الكرسي الرسولي. فخلال محادثاته مع الزعيمين المارونيين جرى تسليم كازارولي مذكرة تدعو الكرسي الرسولي الى »ان يضطلع بدور اكبر على الصعيد الدولي وعلى صعيد الامم المتحدة كي ينقذ لبنان«. وتطلب المذكرة ايضا من البابوية ان تستعمل نفوذها لإقناع الحكومة اللبنانية بأن تفصل المشكلة اللبنانية عن النزاع العربي الاسرائيلي. وقد شددت المذكرة ايضا على ان »الوجود الفلسطيني المسلح لم يكن مساعدا على تحقيق الوفاق وتثبيت الامن«. لم يكن تفكير الجبهة اللبنانية منسجما مع الرسالة التي حاول الكرسي الرسولي ايصالها طيلة الحرب اللبنانية. ففي خطاب مهم في القصر الجمهوري خلال مأدبة غداء في 31 آذار 1980 جمعت قادة لبنان الروحيين، اكد ان اهتمام الكرسي الرسولي بلبنان لا يمنع الفاتيكان من ان »يفتح قلبه لمشاكل الشعوب الاخرى في هذه المنطقة المضطربة« والتي يريد الكرسي الرسولي »ان يقدم لها مساعدته المتواضعة النابعة من دليل ايجابي على حسن النية«. إن الصعوبات التي واجهها كل من الكاردينال كازارولي ومن قبله الكاردينال برتولي في محاولاتهما للتوفيق بين قوى الطائفة المارونية كانت متعددة الجوانب. وكان القادة الروحيون خسروا جزءا كبيرا من تأثيرهم داخل طوائفهم. ان البطريرك الماروني، رمز وحدة طائفته، كان هو نفسه غير قادر على ضبط العداوات التي نمت بفعل اسباب شخصية وسياسية بين الرئيس فرنجية والجبهة اللبنانية. أصبح الوضع بالنسبة للكرسي الرسولي مصدر قلق كبير، اذ كيف يستطيع الفاتيكان ان يدعو الى حوار مع المسلمين فيما يتنازع المسيحيون بعضهم مع بعض ويلجأون الى العنف لحل خلافاتهم؟ من ناحية ثانية، ان انبعاث الاصولية الاسلامية في المنطقة وتنامي قوة الطائفة الاسلامية في لبنان لم يهدئ من المخاوف المزمنة، لكن المبررة، لدى الاقلية المسيحية. الغزو الإسرائيلي والخلاف مع بشير الجميّل في أعقاب الغزو الاسرائيلي للبنان، صيف 1982، اصدر الكرسي الرسولي عدة تصريحات تدعو المجتمع الدولي الى ان يبذل كل ما في وسعه لإيقاف هدر الدماء. وارسل البابا الام تيريزا الى لبنان في مهمة انسانية غايتها تقديم المساعدات التي يحتاج اليها الضحايا المدنيون. كما ان البابا يوحنا بولس الثاني أبلغ في اليوم التالي للغزو (7 حزيران 1982) الى الرئيس رونالد ريغن، الذي كان يقوم بزيارة رسمية الى الفاتيكان، ان المشكلة في لبنان »تستحق اهتمام العالم لأن اخطار زيادة التوتر في الشرق الاوسط التي تنطوي عليها من شأنها ان تؤدي الى مضاعفات كبيرة على السلام العالمي«. لم يخفف الغزو الاسرائيلي من التوتر بين الكرسي الرسولي والطائفة المارونية في لبنان. ذلك ان انتخاب بشير الجميل رئيسا للجمهورية ولقاء البابا يوحنا بولس الثاني ياسر عرفات شكّلا تحديا لمهارة الكرسي الرسولي الدبلوماسية. وقبيل انتخابه، كتب بشير الجميل في صحيفة »العمل« لسان حزب الكتائب اللبنانية »يجب ان يفهم الفاتيكان ان المسيحيين في لبنان ليسوا حقل تجارب للحوار المسيحي الاسلامي في العالم. ان مهمة لبنان كجسر بين الغرب والعالم العربي قد انتهت«. في هذه الكلمات القليلة لخّص الزعيم الماروني سبب الخلافات بين الكرسي الرسولي والجبهة اللبنانية منذ بدأت الحرب سنة 1975: ليس للمسيحيين في لبنان سوى خيار اللجوء الى السلاح والدفاع عن انفسهم كي يحافظوا على وجودهم في محيط اسلامي. والحوار مع المسلمين مستحيل، الا اذا كان من موقع قوة. إلا ان بشير الجميل، في خطابه الأخير كرئيس منتخب، خفف من حدة تصريحاته السابقة قائلا ان الطائفة المارونية لا تزال تحتفظ »باحترام وتعلق عميق بالكرسي الرسولي«، كما عبّر ايضا عن الامل في ان تتمكن طائفته من »الاعتماد دائما على الدعم الابوي الذي بذله في سبيلها الفاتيكان«. لخص موقف الكرسي الرسولي من الرئيس المنتخب حادثان مهمان وقعا قبيل انتخاب بشير الجميل، وبعده. ففي رسالة سرية الى وزارة الخارجية اللبنانية ركّز دبلوماسي لبناني في روما على السرعة التي قامت بها سلطات الفاتيكان بنقل المبعوث البابوي في بيروت المونسنيور كارلو فورنو واستبداله بالمونسنيور لوتشيانو انجيلوني. ان رغبة الكرسي الرسولي في التصرف بسرعة بدت اكثر وضوحا مع تزايد نفوذ خط بشير الجميل بين المسيحيين. فشعر ان المونسنيور كارلو فورنو قد اصبح »عبئاً سياسياً«. أما الحدث الثاني فحصل بعد انتخاب بشير الجميل رئيسا، اذ ارسل البابا يوحنا بولس الثاني برقية تهنئة شخصية الى الرئيس اللبناني الجديد. الا ان امانة سر الفاتيكان امتنعت عن نشر نص البرقية في صحيفة ال »اوبسرفاتوري رومانو« الناطقة بلسان الفاتيكان. وقد خمّن الدبلوماسي اللبناني في التقرير السري المشار اليه سابقا ان الكرسي الرسولي كان ينتظر رؤساء الدول العربية لتوجّه تهاني لبشير الجميل قبل نشر تهنئته، وان الموقف الصامت الذي اتخذه الكرسي الرسولي قد نبع من رغبته في عدم تدمير جسوره الممدودة مع الطوائف الاسلامية في لبنان. لقاء مع عرفات عشية صبرا وشاتيلا في 15 ايلول 1982، استقبل البابا يوحنا بولس الثاني ياسر عرفات. وقد سبّب هذا اللقاء الذي أتى بعد يوم واحد من اغتيال بشير الجميل مزيدا من التدهور في علاقات الكرسي الرسولي مع عدة شخصيات في الطائفة المارونية. قال احد المعلقين البارزين وهو الشيخ نجيب الدحداح ان لقاء عرفات بالبابا كان »مؤامرة ضد البابا يوحنا بولس الثاني دبّرها مؤيدون للفلسطينيين في هيئة الكنيسة الرومانية«. ذهب الدبلوماسي نفسه الى التأكيد ان اتباع عرفات »هم الذين قتلوا بشير الجميل«. فرد مسؤول فاتيكاني على هذه الاتهامات بالقول: »ليس يتحمل البابا مسؤوليات الزعماء اللبنانيين الذين قبلوا بالوجود الفلسطيني في لبنان وسمحوا للفدائيين بحمل السلاح... لماذا ينتقدون البابا الذي يمثل المسيح على الاض، وعليه واجب الترحيب بالجميع؟«. بعد يوم من الاجتماع بين البابا يوحنا بولس الثاني وعرفات، قام افراد من الميليشيات المسيحية التي تدعمها اسرائيل بمذبحة ضد المدنيين الفلسطينيين في مخيمي صبرا وشاتيلا (16 18 ايلول 1982). وقد كان من بين الميليشيات عناصر سكان الدامور البلدة الساحلية المسيحية التي سبق ان شهدت مذبحة نظمها الفلسطينيون والعناصر الاخرى المشتركة في الحرب اللبنانية. لقد تجلت ردة فعل البابا يوحنا بولس الثاني بقوله »ليس هناك كلمات كافية لإدانة مثل هذه الجرائم التي ينفر منها الضمير الانساني والمسيحي«. إن هذه الحادثة في الحرب اللبنانية هي التجسيد الدرامي الاكبر لدرجة حقد بعض الاوساط المسيحية على الفلسطينيين. ان منظمة التحرير الفلسطينية في محاولتها خلق دولة ضمن دولة في لبنان قد أبعدت عنها قطاعات واسعة من اللبنانيين، على ان حمام الدم في المخيمين الفلسطينيين نبّه البابوية الى انه يجب ان يعمل شيء اكثر راديكالية لتطوير نوع من التفاهم بين اللبنانيين انفسهم وبينهم وبين الفلسطينيين. الا ان موقفا اكثر راديكالية يمكن ان يؤدي بالكرسي الرسولي الى الانحياز الى طرف من الاطراف، الامر الذي اعتبر دائما ضد مصالح الكنيسة الكاثوليكية البعيدة الأمد. حادثة الأب بولس نعمان أعاد الغزو الاسرائيلي للبنان خلط الاوراق على الساحة اللبنانية. والواقع ان عدة حوادث مأساوية حصلت بين 1982 و1984 استحوذت على اهتمام الكرسي الرسولي. ان تزايد التجزئة والانقسامات داخل المجموعة المسيحية في لبنان التي عانت المذابح والتهجير من المناطق التي يسيطر عليها الدروز في جبال الشوف (1983) هي ذات اهمية اساسية بالنسبة الى دراستنا هذه. اضف الى هذا ان الانقسام بين بعض زعماء الطائفة المارونية والكرسي الرسولي قد تعمق ليشمل السفير البابوي المونسنيور لوتشيانو انجيلوني. أصبح المونسنيور انجيلوني بين 1983 و1984 هدفا لنقد لاذع من قبل زعماء الموارنة الاكثر تطرفا، وكان تفسير السفير البابوي ان الزعامة المسيحية قد شعرت بالغبن الشديد لتخلي اسرائيل والولايات المتحدة واوروبا. وفي دفاع عن موقفه صرح المونسنيور انجيلوني ان »الكرسي الرسولي لا يستطيع ان يتبنى او يتخذ مواقف سياسية بل يمكنه فقط تقديم الاقتراحات والطروحات«. إن الحادث المتعلق بالاباتي بولس نعمان يشكل مثالا على الفجوة بين نظرة الفاتيكان ونظرة السياسيين ونظرة الموارنة الى الوضع. قام الاباتي بولس نعمان، وهو شخصية مهمة في الطائفة المارونية ومؤيد قوي للسياسة الاسرائيلية في جنوب لبنان، بتأييد اتفاق 17 ايار 1983 المعقود بين الحكومتين اللبنانية والاسرائيلية. وفي تشرين الثاني 1983 امر المونسنيور انجيلوني الاباتي نعمان بالتوقف عن حضور اجتماعات الجبهة اللبنانية وأعلمه ان البطريرك الماروني هو الناطق الوحيد باسم الطائفة المارونية. وكان البطريرك، الذي كان يومئذ في الفاتيكان، قد عبّر عن اعتقاده بأن السياسة التي اتبعتها القوات اللبنانية هي التي ادت الى المذابح بحق المسيحيين والى تهجيرهم من الشوف. وكان موقف البطريرك متوافقا تماما مع موقف السفير البابوي. والأهم من هذا ان موقف الاباتي نعمان كان متعارضا تماما مع سياسة الرئيس امين الجميل المؤيدة للوفاق والتقارب مع سوريا. والواقع انه منذ تسلّم الرئيس امين الجميل السلطة سنة 1982 قام بثلاث زيارات للفاتيكان قابل خلالها البابا يوحنا بولس الثاني طالبا منه دعم اعماله في لبنان. إن سوء التفاهم بين الكرسي الرسولي والاباتي نعمان دفع بالبابا الى اتخاذ مبادرتين مهمتين: الاولى ارساله في اوائل آذار 1984 وفدا برئاسة المونسنيور ماريو بريني ليؤكد موقف الكرسي الرسولي المؤيد لسيادة لبنان ووحدة اراضيه واهتمام البابوية بالمسيحيين في لبنان والشرق الاوسط. اما المبادرة البابوية الثانية فكانت استدعاء الاباتي نعمان الى الفاتيكان. خلال زيارة الاباتي نعمان الاولى الى الفاتيكان في كانون الاول 1983، أبلغ اليه وجوب التقيّد بدعوة الفاتيكان الى الاعتدال، وهذا ما تجاهله نعمان مؤكدا صوابية مواقفه السياسية والدينية. وفي المرة الثانية (نيسان 1984) دعي الاباتي نعمان الى اجتماع مع البابا حضره بطاركة لبنان الكاثوليك الاربعة وهم: الكاردينال مار انطونيوس بطرس خريش (ماروني)، البطريرك مكسيموس الخامس حكيم (روم كاثوليك)، البطريرك انطون الثاني حايك (سريان كاثوليك) والبطريرك جان بيار الرابع عشر كسباريان (ارمن كاثوليك). بدأ البابا يوحنا بولس الثاني الاجتماع بالتعبير عن الحاجة الى ايجاد خطة سريعة ل »الحد من تعقيد المعضلة اللبنانية« التي تؤثر كثيرا على اهتمامات الكرسي الرسولي. كانت العلاقات بين لبنان واسرائيل البند الثاني على جدول الاعمال وحصل نقاش حاد بين بطريرك الكاثوليك والبطريرك الماروني. وعبّر البطريرك خريش عن تخوّفه من السياسة التي يتبعها الاباتي نعمان والذي كانت ميوله تجاه اسرائيل منذ بدء الحرب متعارضة مع سياسة البطريركية المارونية، فيما تولى بطريرك الروم الكاثوليك مكسيموس الخامس حكيم الدفاع عن الاباتي نعمان. احتدمت المشادة الكلامية بين البطريركين، ما اوجب تدخل البابا يوحنا بولس الثاني لتهدئة الخواطر. في هذا الوقت كرر امين سر دولة الفاتيكان الكاردينال كازارولي، الذي كان حاضرا الاجتماع، ذكر مخاوف الفاتيكان من الموقف المؤيد لإسرائيل الذي يقفه بعض المسيحيين في لبنان ومن عدم اطاعة المسيحيين للسلطة الدينية. كما عبّر كازارولي ايضا عن قلقه من ان اسرائيل تقوم باستغلال هذا الوضع لإضعاف الثقة بالفاتيكان وبالولايات المتحدة على حد سواء. ثلاث رسائل بابوية (1984) هذه الحادثة المؤلمة بالعلاقة بين الكاثوليك اللبنانيين والفاتيكان، دفعت البابا يوحنا بولس الثاني الى اصدار ثلاث رسائل مهمة في ربيع 1984. لقد وجهت الرسالة الاولى الى البطريرك الماروني والثانية الى اللبنانيين والثالثة كانت رسالة راعوية وجهت الى كل اساقفة الكنيسة الكاثوليكية. كانت هذه الرسالة الاخيرة فريدة من نوعها لأنها كانت المرة الاولى يخاطب بها حبر أعظم في سدة البابوية الاساقفة حول موضوع لا يتعلق بأمور العقيدة او النظام بل بموضوع يتعلق ببلد لبنان والقضية التي يمثلها. كرر البابا يوحنا بولس الثاني الموضوع الذي طالما تكلم عنه الكرسي الرسولي منذ اندلاع الحرب اللبنانية سنة 1975. »على لبنان سنة 1984 ان يبدأ تحدي الاصلاح الاخلاقي والاعداد لبناء مجتمع امين لتراثه الحضاري العريق وواضح بالنسبة الى مستقبله«. ان اللبنانيين مدعوون للمحافظة على مثال التعايش المسيحي الاسلامي الذي ساد لبنان قبل النزاع. وكتب البابا في رسالته الى الاساقفة حول لبنان: »إننا لا ننساهم (المسيحيين) بل اكثر من ذلك نعول عليهم وعلى وجودهم في لبنان ديموقراطي منفتح على الآخرين في حوار مع الحضارات والديانات (...) ان المسيحية في لبنان هي شرط لوجود الأقليات المسيحية في الشرق الاوسط: ان البابا والكنيسة في العالم يعيان هذا الامر«. وبشكل من الاشكال كان البابا يقول للبنانيين ان عليهم ان يفكروا ويتصرفوا اولا كمسيحيين وان يقلقوا من ثم على مشاكلهم الوطنية. اما بخصوص دور المسيحيين في مجتمع اسلامي (ذميّ) او يهودي فيمكن اعتبار نداء البابا رسالة رمزية مترفعة. أضف الى هذا ان هذه الدعوة الى المسيحيين للدفاع عن قيمهم الدينية لم تشكل موقفا عدائيا من اللبنانيين غير المسيحيين. على العكس، فقد جاء في رسالة البابا يوحنا بولس الثاني الى الاساقفة: »دعونا نصلي لإخواننا واخواتنا اللبنانيين غير المسيحيين الذين ساهموا مع مواطنيهم المؤمنين بالمسيح في كتابة تاريخ لبنان، ارض اللقاء والحوار«. إن التغيير الاهم الذي يمكن ملاحظته بعد رسائل البابا الثلاث هو ان الزعامة المارونية في لبنان أوقفت انتقاداتها للكرسي الرسولي ولممثليه. فهم المسيحيون في لبنان اخيرا انه في مناخ سياسي يميزه تفكك الدولة الكلي وتزايد قوة الجماعات الاصولية الاسلامية، أصبح الفاتيكان آخر منارة امل لهم في المنطقة. * استاذ جامعي

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة