As Safir Logo
المصدر:

البعد السياسي للزيارة

المؤلف: السماك محمد التاريخ: 1997-05-10 رقم العدد:7686

في صيف عام 1978ولأول مرة منذ 455 عاما انتخب مجلس الكرادلة في الفاتيكان الكاردينال البولندي كارول فوجتيلا ليكون أول بولندي يعتلي السدة البابوية. مع ارتفاع الدخان الأبيض من مدخنة المجمع الفاتيكاني اتخذ الكاردينال فوجتيلا اسما جديدا له هو البابا يوحنا بولس الثاني. خلف البابا الجديد، البابا يوحنا بولس الذي توفي بعد ثلاثين يوما فقط من تسلمه منصبه خلفا للبابا الأسبق بولس السادس. كان هذا البابا واقعيا مؤمنا بسياسة الانفتاح على الاتحاد السوفياتي رغم عقيدته الشيوعية الإلحادية، غير أن البابا يوحنا بولس الثاني كانت له وجهة نظر أخرى. في العام الأول لانتخابه وبعد زيارة رسمية للمكسيك قام البابا الجديد بأول زيارة لمسقط رأسه في بولندا. كانت بلاده ترزح كغيرها من دول أوروبا الشرقية تحت السيطرة الشيوعية. في عام 1982 كان ثاني اثنين مع الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان في لقاء سري تقرر فيه تنسيق الجهود الأميركية والفاتيكانية لاسقاط النظام الشيوعي في بولندا. يكشف كتاب جديد صدر العام الماضي عنوانه »قداسة البابا يوحنا بولس الثاني والتاريخ السري لعصرنا« للمؤرخ كارل برنشتاين ان البابا اجتمع الى وليم كيسي مدير وكالة المخابرات المركزية الأميركية والى السفير الأميركي فارنون والترز لوضع أسس المخطط المشترك. وهكذا سقطت »أمبراطورية الشيطان« كما كان الرئيس ريغان يسمي الاتحاد السوفياتي. وبسقوطها انتهت الحرب الباردة ودخل العالم مرحلة جديدة تتسم بمحاولات الولايات المتحدة احتكار الزعامة وتجريد حلفائها من أي دور رئيسي، متخلية حتى عن المبادئ الأخلاقية وعن القيم الروحية التي كانت الحافز وراء الشراكة البابوية في عملية إسقاط الشيوعية. ولقد تعرض البابا يوحنا بولس الثاني في عام 1981 لمحاولة اغتيال على يد عميل تركي يدعى علي آغا كان يعمل لحساب جهاز المخابرات البلغاري التابع لل»كي. جي. بي« ونجا منها بأعجوبة بعد أن أصيب في بطنه. كان التحالف الأميركي البابوي جبهة من اثنتين وجد الاتحاد السوفياتي نفسه مضطرا لخوضهما في وقت واحد. أما الجبهة الثانية فهي جبهة التحالف الأميركي الاسلامي في أفغانستان. لقد أغدق الأميركيون على المجاهدين الأفغان أحدث أنواع الأسلحة الخفيفة بما فيها صواريخ ستينغر التي تطلق من الكتف. وحثوا حلفاءهم من الأغنياء المسلمين على تمويل الثورة الأفغانية حتى تمكنت تلك الثورة من تحويل أفغانستان الى فيتنام سوفياتية. السقوط الشيوعي في كابول تكامل مع السقوط الشيوعي في وارسو. وهكذا بدأت حبات السبحة السوفياتية منذ عام 1989 تفرط الواحدة بعد الأخرى حتى جاء غورباتشوف الذي استقبله البابا في الفاتيكان في عام 1989 وأكمل المهمة من داخل أسوار الكرملين نفسه!! كان البابا أسقفاً على مدينة كراكوف في جنوب بولندا. وهي مدينة مجاورة للمعسكر الألماني أوشفيتز وتقع كاتدرائيتها التي يقيم فيها الأسقف فوق مرتفع يطل على نهر غزير المياه صيفا وشتاء. عندما دخل العثمانيون في العصور الوسطى هذه المنطقة أثناء حصار فينا، عسكروا في الضفة الجنوبية للنهر. وكانت كراكوف تقع في الضفة الشمالية. وكان البولنديون المقاومون للهجوم العثماني يراقبون التحركات العسكرية من وراء أسوار المدينة المرتفعة. وكانوا في كل مرة يسجلون تحركات عسكرية مريبة يبادرون الى النفخ في الأبواق لتحذير الناس ولاستنفار قواهم العسكرية. استمر هذا التقليد حتى اليوم. فمساء كل يوم ومع غروب الشمس (عندما كان الجنود العثمانيون يتجمعون لأداء صلاة المغرب مما يوحي بأنهم يستعدون للقتال) يعتلي سور المدينة المطل على النهر مجموعة من حملة الأبواق الذين ينفخون مذكرين (وليس محذرين). ورغم فولكلورية هذا المشهد حاليا، فإنه يغذي ذاكرة تاريخية حافلة بقصص المجابهات والصدامات مع الاسلام. الأسقف فوجتيلا هو ابن هذه البيئة. ولكنه بعد المقاومة الاسلامية الأفغانية ضد الشيوعية والدور الذي قامت به لإسقاط أمبراطورية الشيطان بدأ ينظر الى الأمور من زاوية مختلفة. في مقارباته للإسلام وجد البابا جوامع مشتركة عديدة أشار إليها مرارا. منها الإيمان بالله الواحد. ومنها الإيمان باليوم الآخر وبالثواب والعقاب. ومنها التراث الإبراهيمي. ومنها بتولة مريم. ومنها المعجزات الخارقة للسيد المسيح. ومنها الدعوة الى فضائل الأخلاق واعتبارها جزءا متمما للعبادة. سلك الانفتاح على الاسلام عدة ممرات. منها الممر السعودي عبر »رابطة العالم الاسلامي« حيث عقدت لقاءات حوارية في الفاتيكان نفسه. ومنها الممر الليبي عبر »جمعية الدعوة الاسلامية العالمية« حيث عقدت لقاءات مماثلة في الفاتيكان وفي طرابلس الغرب. ومنها الممر الأكاديمي العلمي من خلال سلسلة من الدراسات والأبحاث والندوات والمؤتمرات التي تبرز المزيد من الجوانب الايجابية والمصالح الروحية المشتركة في عالم تطغى عليه العلمانية والمادية والإلحادية. وقد وجد الفاتيكان في الاسلام شريكا للدفاع عن الايمان وعضدا للوقوف في وجه موجات التفلت المتتالية من الضوابط الأخلاقية على صعيد الفرد والجماعة. وقد تحالف البابا مرة ثانية مع الاسلام ولكن هذه المرة ضد الولايات المتحدة نفسها. ففي المؤتمر الدولي حول الأسرة والسكان الذي عقد في القاهرة في أيلول 1995 وجد الفاتيكان في الاسلام حليفا استراتيجيا. فقد قدمت الى المؤتمر وثيقة تقع في 113 صفحة تدعو دول العالم المشتركة في المؤتمر وعددها 185 دولة الى تخصيص مبلغ 17 مليار دولار حتى العام 2000 لإنفاقها على مخطط دولي لوقف زيادة عدد سكان الكرة الأرضية. كانت مواد الوثيقة قد أقرت مسبقا بنسبة 90 بالمئة، فقرة واحدة منها هي الفقرة الثامنة في الصفحة الخامسة والعشرين كانت موضع معارضة الاسلام والفاتيكان. وهي فقرة أعدتها الولايات المتحدة وتمسكت بها تقول فيها: »إن الاجهاض الآمن والشرعي هو حق لكل امرأة«. معارضة الفاتيكان والاسلام قامت على أساس أنه ليس من حق الانسان أن يكون شريكا للله في تقرير من يُخلق ومَن لا يُخلق. ولذلك وقفا معا ولمدة تسعة أيام من المناقشات الحادة مع الولايات المتحدة ضد هذه الفقرة حتى تم إسقاطها. التحالف الفاتيكاني غير المباشر مع الاسلام أسقط العقيدة الشيوعية وأمبراطوريتها. والتحالف الفاتيكاني المباشر مع الاسلام أسقط المبدأ اللاديني الذي كانت الولايات المتحدة تحاول فرضه على 185 دولة في العالم. غير أن مسالك وممرات هذا التعاون الاسلامي الفاتيكاني كانت تصطدم بعقبة كأداء هي المشكلة اللبنانية في بعدها الطائفي البغيض. فالفاتيكان كان ينظر الى مأساة لبنان على أنها مأساة العيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين. وكان، بالتالي يخشى من أن يؤدي انهيار الصيغة اللبنانية الى انهيار حلمه الطموح بإقامة تفاهم مسيحي إسلامي عالمي. في عام 1987 كنت مدعواً لإلقاء محاضرة في مالطا حول الاسلام والتعددية. صودف في الوقت نفسه قيام البابا يوحنا بولس الثاني بزيارة رسمية للجزيرة. كانت تلك أول زيارة في التاريخ يقوم بها بابا الى هذه الدولة المتوسطية الصغيرة. وبترتيب مع أسقف العاصمة فاليتا نظم لقاء لتحية البابا في كاتدرائية القديس يوحنا التاريخية التي تقع في قلب المدينة. كان المدعوون قلة مختارة من شخصيات أكاديمية ودبلوماسية من أديان مختلفة. وكان أسقف فاليتا يقرأ اسم كل شخص أمام البابا واسم بلده، ثم يتقدم الشخص المعني ليصافح البابا ويتابع تحركه الى المقعد المخصص له. وعندما وصل دوري، وقرأ الأسقف اسمي مقرونا بلبنان، استوقفني البابا وأمسك بيدي بكلتا يديه وقال لي: »مِن لبنان؟ مسكين لبنان. ماذا تفعلون في لبنان؟«. أجبت البابا على الفور: »نعم يا سيدي من لبنان. وأنتم ماذا تفعلون من أجل لبنان؟«. أذكر جيدا كيف أن وجه البابا امتقع باللون الأحمر وهو يقول لي: »إسمع يا بني.. ليس هذا الوقت المناسب للكلام. ولكن سترى أننا نفعل كل شيء من أجل لبنان«. لفتت هذه المبادرة من البابا أنظار سائر المدعوين، وأشارت إليها الصحف المحلية في وقتها. بعد سنوات عدة، وفي نهاية عام 1994 كان لي شرف تمثيل دار الفتوى في المؤتمر الرعوي السينودس حول لبنان الذي عقد في الفاتيكان بمبادرة من البابا وبرئاسته الشخصية. استمر المؤتمر شهرا كاملاً، قضيت منها ثلاثة أسابيع مشاركا في المؤتمر بصفة مراقب مما هيأ لي فرصا يومية للقاء البابا والتعرف عليه عن قرب وتمتين العلاقة معه. في اليوم التالي لافتتاح المؤتمر تقدمت من البابا وكان يحيط به عدد من الكرادلة بمن فيهم البطريرك نصر الله بطرس صفير وقلت له: هل تذكر لقاء مالطا؟ سألني: ماذا عن مالطا؟ فقلت: هل تذكر اللبناني الذي استوقفته في كاتدرائية القديس يوحنا؟ فجأة لمعت عينا البابا وأمسك بيدي بكلتا يديه كما فعل في مالطا وقال: هذا أنت؟ أنا أذكر الحديث تماما. لم أنس حرفاً منه. ولكن لم أعد أذكر مع من جرى. إنني مسرور لوجودك هنا. واننا نعلق أهمية كبيرة على المشاركة الاسلامية في مؤتمر السينودس. قلت للبابا: الآن، ومن خلال هذا المؤتمر حصلت على جواب على السؤال الذي طرحته عليك في مالطا. إنني أشكرك على اهتمامك بلبنان وعلى محبتك الصادقة لأبنائه جميعا. وتتابعت اللقاءات اليومية قبل الظهر وبعده، قبل بدء الجلسات وبعدها. وأذكر أنه في يوم جمعة وأثناء إحدى الجلسات الصباحية أرسلتُ ورقة بتوقيعي الى الأمين العام للمؤتمر الكاردينال »سكوت« أبلغه فيها أنني وزميليّ المسلمين الدكتور سعود المولى ممثل المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى والدكتور عباس الحلبي ممثل الطائفة الدرزية لن نتابع الجلسة لأننا سنتوجه لأداء الصلاة في مسجد روما. عندما قرأ الكاردينال »سكوت« ورقتي أشار إليَّ مبتسما وهو على المنصة ان: »نعم«. ثم مرّر الورقة إلى البابا نفسه فقرأها وأعادها إليه وهو يهمس في أذنه كلمات غير مسموعة. وقبل أن نغادر قاعة الاجتماع أبلغ الكاردينال »سكوت« المؤتمرين بصوت مرتفع بمضمون الورقة وأعلن باسم البابا ان المؤتمر يتمنى على الأخوة المسلمين المشاركين أن يدعوا الله أثناء صلاتهم لنجاح المؤتمر لما فيه خير لبنان ووحدة أبنائه. كانت تلك مبادرة تتعدى شكلية المجاملة لصدورها عن البابا نفسه رمز ورأس الكنيسة الكاثوليكية. وعندما يدعو البابا المسلمين للصلاة الى الله من أجل نجاح مؤتمر مسيحي يعقد في الفاتيكان وبرئاسته وبحضور أكثر من مئة وخمسين كاردينالا ومطرانا وأسقفا فإن لذلك معنى لا يمكن إلا أن يؤخذ بكل أبعاده ومعانيه الرمزية والواقعية. تكرر ذلك عندما دعانا البابا لتناول العشاء الى مائدته. لقد سبق للبابا ان دعا شخصيات إسلامية رسمية الى مائدته، ولكن تميزت دعوتنا بأنها كانت المرة الأولى التي يدعى فيها مسلمون الى المائدة الشخصية للبابا وفي بيته الخاص في الطابق الثالث من مبنى الفاتيكان المطل على ساحة القديس بطرس. أثناء العشاء تعمد البابا عدم تقديم الخمر، علما بأن الخمر هو جزء من المائدة المسيحية خصوصا وان تحويل الماء الى خمر هو واحد من معجزات المسيح. لقد كان تأثرنا عميقا بهذه المبادرة تصدر عن المرجع المسيحي الأول في العالم لثلاثة لبنانيين ليسوا مرجعيات إسلامية دينية بل ممثلين مدنيين لهذه المرجعيات. ربما يكون الوقت لا يزال مبكرا للكشف عن الأحاديث السياسية والدينية التي جرت أثناء العشاء وبعده في مكتبة البابا الخاصة في بيته، ولكن أثناء هذا اللقاء الودي قدمت للبابا كتابي »موقع الاسلام في صراع الحضارات«، وقدم لي الكاردينال ارينزي كتاب البابا الذي أثار اهتماما واسعا في العالم المسيحي والعلماني على حد سواء، وعنوانه »اجتياز عتبة الأمل« وقد ترجم الكتاب الذي كتبه البابا (وهو أستاذ للفلسفة سابقا) باللغة البولندية الى عشرين لغة. في اليوم التالي سلمت الكاردينال أرينزي المقرّب شخصيا من البابا والمسؤول عن الحوار بين الأديان، نص دراسة بعنوان: »متى يعلن البابا انتهاء الحروب الصليبية«؟ أشرت في هذه الدراسة الى وثيقة فاتيكانية رسمية أعدها الأب جوزف كوك والأستاذ لويس غارده وقدم لها الكاردينال ماريللا المسؤول (السابق) عن أمانة شؤون غير المسيحيين في الفاتيكان. والوثيقة موجهة أساسا الى المسيحيين »الذين يلتقون المسلمين ويتمنون العيش في حوار دائم ومفتوح معهم«. تقول هذه الوثيقة: ».. يجب أن نعترف. وبكل شجاعة وصدق، أن المسلمين لم يلاقوا من العالم المسيحي إلا القليل من التعاطف والود. وقليلون هم الذين أولوهم العناية الكافية، بالرغم من أن الرهبان والراهبات أظهروا اهتماما أكبر في مجالات التعليم والمساعدة والرعاية، ولكن جهودهم بقيت جزئية أمام اتساع الاحتياجات، كما أن الغربيين، المستشرقين منهم والعلماء المتخصصين بالاسلاميات، أظهروا تعاطفا وتفهما لكل ما يتعلق بأهداف دراساتهم، ولكن تفهمهم للإنسان وتعاطفهم معه كان أقل.. وهذا ما يأخذه المسلمون عليهم في أيامنا هذه، مع شيء من اللوم والعتاب. وحتى اليوم، وفي أكثر الأحيان، عرف المسلمون العالم الغربي من خلال الأنظمة الاستعمارية، وباختصار، يجب أن نعي بكل موضوعية ان المسيحيين لم يحققوا بعد، كمجموعة، الشرط الأول والأهم الذي يؤهلهم لأن يكونوا موجودين وحاضرين في عالم المسلمين كما هو، وعلى حقيقته.. وعلى هذا الأساس فإن الحوار لن يكون ممكنا طالما أن مثل هذا الجهد لم يبذل بعد«. وتقول الوثيقة أيضا: »لقد ساد بين المسلمين والمسيحيين ماض مؤلم سيطر عليه الاقتتال والعداوة، في ما عدا بعض أجزاء العالم الاسلامي التي بقيت جغرافيا بعيدة عن الغرب المسيحي، لدرجة أن المجموعتين انطوتا على نفسيهما وبقي كل منهما محافظا على موقفه، ومثل هذا الوضع لا يشجع على الحوار إطلاقا، ويجب أن نعمل على تجاوزه، وعلينا نحن المسيحيين أن نبدأ الخطوة الأولى دون أن نحاول معرفة ما إذا كان هذا منطقيا في نظر الحكمة الانسانية. فلنتجه إذاً، بزخم الفضائل الإلهية نحو الحياة والمستقبل، ونعطي هذا التوجه كل ما يتطلبه من وقت ومواظبة«. يشكل هذا النقد الذاتي الصادر عن أكبر مرجعية دينية كاثوليكية في العالم مدخلا الى موقف أكثر شجاعة يرسي قاعدة لتفاهم إسلامي مع الفاتيكان وبالتالي مع الغرب لتضميد الجراح بدلاً من فتح جراحات جديدة في جسم مثخن يعاني منذ 900 عام من المجابهات العسكرية والسياسية والعقائدية ومن المجابهات المضادة التي أثبتت عدم جدواها. ان البابا الحالي يوحنا بولس الثاني هو أكثر باباوات روما استعدادا لاتخاذ مثل هذه الخطوة الجريئة، فمنذ وصوله الى كرسي البابوية في صيف 1978 وهو يقوم بمبادرة تلو المبادرة في إطار إعادة رسم خريطة العلاقات الدولية على قواعد روحية وأخلاقية جديدة. صحيح أن البابا لا يملك »فرقا عسكرية« كما تهكم ستالين في الخمسينيات من هذا القرن، إلا أنه يملك قوة روحية ومعنوية كبيرة تبدو آثارها واضحة من خلال نتائج الجولات التي يقوم بها في العالم (800 ألف كيلومتر حتى عام 1995) رغم تقدمه في السن ورغم اعتلال صحته منذ محاولة اغتياله في عام 1981. في القرن الثالث قبل الميلاد قال أرخميدس مكتشف الرافعة: »اعطني مكانا أقف عليه فأحرّك الأرض«. إذا استطاع البابا يوحنا بولس الثاني أن يجد في مسيرة العلاقات بين الاسلام والغرب المسيحي مكانا يقف عليه، فإنه يستطيع وقد وهن العظم منه أن يتكئ على عصاه ليحرك الأرضية التي تقوم عليها هذه العلاقات بمبادرة جريئة تنصف الاسلام والمسيحية الشرقية معا وترفع عن كاهلهما الظلم الذي نزل بهما طوال القرون التسعة الماضية!!.. من هنا أهمية زيارة البابا الى لبنان. في الأساس تبدو الزيارة وكأنها تحقيق لنشوة روحانية طالما سعى البابا إليها. فهو لم يخف مشاعر الألم والمرارة عندما تأجلت زيارته اثر حادث التفجير الاجرامي الذي استهدف كنيسة سيدة النجاة في الكسليك في عام 1993. ورغم ذلك بقي على حماسه الشديد وكأن القيام بالزيارة نسك عبادي يحرص على أدائه. وكان في كل مرة يلتقي فيها رئيس مجلس الوزراء رفيق الحريري في الفاتيكان يؤكد تصميمه على الزيارة، قبل مؤتمر السينودس من أجل لبنان وبعده. وقد دفعته مبادراته التكريمية للرئيس الحريري الى خرق البروتوكول الفاتيكاني مرات عدة ليعرب عن تقديره له شخصيا وللانجازات الوطنية الانمائية الهامة التي يحققها، ولينقل من خلاله الى اللبنانيين عموما، وإلى المسلمين خصوصا، مشاعر الود والتقدير والاحترام. ويعرف البابا ان الرئيس الحريري شخصيا هو الذي تولى إقناع المرجعيات الاسلامية في لبنان بأهمية وبجدوى المشاركة الاسلامية في مؤتمر السينودس وذلك تأكيد للبُعد الوطني للمؤتمر الى جانب بُعده الروحي الكنسي. وفي خلفية التفكير الفاتيكاني ان الوفاق الوطني بين المسلمين والمسيحيين يشكل جسر العبور الى الوفاق الوطني بين المسلمين والمسيحيين في الدول العربية الأخرى. ولذلك يعتبر البابا لبنان رسالة وليس مجرد دولة. رسالة عيش مشترك بين أديان ومذاهب مختلفة تشع على الدول المتعددة الأديان والإثنيات في العالم كله. هذه الخلفية كانت وراء مبادرة البابا عقد مؤتمر سينودس خاص بلبنان. وكانت وراء حرصه على المشاركة الاسلامية في المؤتمر. وهي تقف كذلك وراء تعطشه الشديد للقيام بزيارة لبنان ليعلن من بيروت وثيقة الارشاد الرسولي التي ينتظر أن تكرس بمضمونها هذه المشاعر النبيلة. وتأكيدا لذلك تضمنت ترتيبات زيارة البابا أمرين بناء على طلبه شخصيا: الأمر الأول هو اللقاء مع المرجعيات الدينية الاسلامية في لبنان، وسيتم اللقاء في القصر الجمهوري باعتبار القصر هو بيت اللبنانيين جميعا. أما الأمر الثاني فهو دعوة مجموعة من الشباب المسلم لحضور لقاء البابا مع الشباب المسيحي في كاتدرائية حريصا حيث سيذيع البابا وثيقة الارشاد الرسولي. إن في العالم دولاً ومنظمات ومفكرين كثيرين يؤمنون بأهمية لبنان الرسالة. ولكن لا أحد ينافس البابا يوحنا بولس الثاني في إيمانه بهذه الرسالة وفي سعيه الدؤوب من أجل تعزيز صدقيتها باعتبار أن الحفاظ عليها هو بمثابة نسك ديني وأمانة في عنق الانسانية كلها. صحيح ان البابا يوحنا بولس الثاني مهتم جدا بالعيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين، ولكنه مهتم وبالقدر نفسه بالعيش المشترك بين المسيحيين من كنائس مختلفة. فالبابا يدرك أن في لبنان 14 كنيسة مختلفة. وان نجاح التعايش بين هذه الكنائس ضروري ليس فقط لذاته إنما هو ضروري للبنان وللتفاهم الاسلامي المسيحي. ولذلك حرص البابا على مشاركة ممثلين عن الكنائس اللبنانية في مؤتمر السينودس فكان هناك ممثلون عن الأرثوذكس والسريان والكلدان والإنجيليين والأرمن والأقباط. لم يشأ البابا أن يكون المؤتمر كاثوليكيا تحديدا، ولا حتى مسيحيا بالمطلق. بل أراده مؤتمرا وطنيا جامعا، وهو ما سيعكسه في وثيقة الارشاد الرسولي التي سيذيعها في اليوم الأول من زيارته. يشكل هذا النهج البابوي ظاهرة في حد ذاتها. فالفاتيكان لا يعرف بابا مهتما بالتفاهم الاسلامي المسيحي كالبابا يوحنا بولس الثاني. ولا يعرف بابا منفتحا على الاسلام بسعة انفتاحه. وعندما أحالت بلدية روما الى البابا الطلب الذي تلقته من سفارات الدول الاسلامية في إيطاليا لبناء مسجد ومركز إسلامي، رد البابا ناصحا بلدية روما بالموافقة دون تردد. وبالفعل فقد قدمت البلدية الأرض (حوالى 20 ألف متر مربع) هدية لبناء المسجد والمركز الثقافي الاسلامي الذي أنجز بمساهمات من دول إسلامية عدة وبتمويل أساسي من المملكة السعودية. وعندما تناولنا العشاء الى مائدة البابا كان حريصا على أن يجعلنا ندرك أن موقفه من بناء مسجد روما يعكس صفاء نواياه تجاه المسلمين وحرصه على أن تسمو العلاقات المسيحية الاسلامية الى مستوى المعاملة بالمثل. لا يجهل البابا أن الذاكرة التاريخية عند المسلمين وعند المسيحيين الأوروبيين ملأى بالصور السلبية والمنفّرة. ولكن أمله كبير في إمكانية تصحيحها وتجاوزها. فالأمر عنده قوة معنوية كبرى. وهو يخالف الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت الذي قال في القرن السابع عشر: »أنا أفكر، إذن أنا موجود«. ويقول البابا في كتابه »اجتياز عتبة الأمل« ان هذه النظرية قلبت فلسفة توما الأكويني (من القرن الثالث عشر) رأسا على عقب؛ ذلك أن الوجود يأتي قبل التفكير، ويقول الباب: »إن الوجود هو الذي يجعل التفكير ممكنا«. ويرى البابا انه لو أن ديكارت قال »أنا موجود إذن أنا أفكر« لاختلف تاريخ العالم في الثلاثمئة سنة الماضية اختلافا جذريا. والآن أيضا يمكن أن نقول إن تاريخ العلاقات الاسلامية المسيحية يمكن أن يختلف اختلافا جذريا لو أن البابا يوحنا بولس الثاني يعلن مبادرة تاريخية جريئة تؤدي إلى طي ملف الحروب الصليبية.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة