الكرسي الرسولي والحرب اللبنانية: أهداف السياسة وتنفيذها منذ تأسيس العلاقات الدبلوماسية مع الكرسي الرسولي في سنة 1947، اعتبر البابوات المتعاقبون لبنان مثالا ونموذجا للتعايش بين المسيحيين والمسلمين. بعد المحمع الفاتيكاني الثاني، بدأ الكرسي الرسولي حوارا مع الطوائف الاسلامية حول العالم. وكان من المفترض بلبنان ان يكون المكان المثالي لتطبيق المبادئ التي تم تبنيها خلال المجمع، ولا سيما التعددية واحترام حقوق الانسان، تطبيقا عمليا. اراد الكرسي الرسولي ان يُظهر للعرب والمسلمين، على حد سواء، ان البابوية مؤسسة عالمية، وهي لا تريد ان ترتهن بمنطقة جغرافية او حضارية معينة. إنقاذ لبنان من أجل إنقاذ المسيحيين منذ بداية الحرب اللبنانية سنة 1975، اتبع الكرسي الرسولي سياسة مبنية على دعم وحدة أراضي لبنان والمحافظة على صيغة التعايش، مع اجراء بعض الاصلاحات الضرورية، ما يعني ان الفاتيكان كان يعلم انه يجب تعديل ميثاق 1943 كي يلائم متغيرات المجتمع اللبناني. اضف الى هذا ان البابا بولس السادس والبابا يوحنا بولس الثاني شددا في خطبهما وتصاريحهما على دعمهما الكامل للسلطات الشرعية المتمثلة برئيس الجمهورية. ولقد كرر الكرسي الرسولي اقتناعه بأن اللبنانيين وحدهم قادرون على حل مشاكلهم، معبرا عن استعداده لاستعمال نفوذه لدى الحكومات الصديقة في سبيل حقن الدماء. شكلت الحرب في لبنان تحديا للكرسي الرسولي؛ اذ كان عليه ان يعمل على مستويات ثلاثة من النزاعات المتداخلة: النزاع المسيحي المسيحي، النزاع اللبناني اللبناني والنزاع اللبناني الفلسطيني، وان القوى الاخرى التي حاولت التوسط وايجاد حل للنزاع قد واجهت التحدي نفسه نوعا ما. إلا ان المشكلة بالنسبة الى الكرسي الرسولي تعقدت بفعل الخلاف العميق الذي نشأ بين الكرسي الرسولي وبعض الاطراف في الطائفة المارونية. كانت قناعة الموارنة الرئيسة ان المسيحيين اللبنانيين قد تمت التضحية بهم على مذبح الحوار المسيحي الاسلامي، ولم يبدُ لهم ان الفاتيكان يقوم بالخطوات الضرورية لتهدئة مخاوف الاقليات المسيحية في الشرق، كي يفسح في المجال امام الموارنة لان يدخلوا في حوار مع نظرائهم من المسلمين. وقد رد مسؤول فاتيكاني على هذا بقوله: »ان الكرسي الرسولي لا يضحي بأحد. كل انسان له قيمته، وبخاصة في ما يتعلق بالكنيسة المارونية او الكنائس الاخرى في لبنان (الارمنية، الروم الكاثوليك، الروم الارثوذكس، الخ) وحتى في ما يتعلق بغير المسيحيين«. ظن السياسيون الموارنة في لبنان انهم يمكنهم الاعتماد على دعم الكرسي الرسولي الكامل، ومن دون تردد، في صراعهم ضد الفلسطينيين وحلفائهم المسلمين. الا ان مصلحة المسيحية في الشرق الاوسط بعامة، هي التي كانت تملي على الكرسي الرسولي موقفه من المسيحيين اللبنانيين. وكانت تلك المصلحة تعني انقاذ لبنان ككيان مستقل كي يتم انقاذ المسيحيين. وتفسر هذه السياسة معارضة البابا المستمرة للتقسيم او اية مخططات اخرى مقترحة للبنان (الفدرالية، الكانتونات، الخ). لو قسم لبنان الى كيانات اثنية دينية صغيرة فإن خلق دويلة مسيحية ستكون له مضاعفات سلبية على المجموعات المسيحية الاخرى الموجودة في البلاد العربية والاسلامية. ان الموقف المتطرف الذي وقفه بعض رجال الدين الموارنة خلال الحرب دفع بمسؤولي الفاتيكان الى ان يتكلموا عن الموارنة في لبنان بالقول: »ان المشكلة مع المسيحيين في لبنان هي ان الصراع من اجل البقاء عندهم قد حل محل القيم الدينية. فتحول الدين الى مفهوم اثني«. لقد شبه الاب رينيه شاموسّي العلاقات بين الكرسي الرسولي والمسيحيين اللبنانيين باستراتيجية موسكو تجاه الاحزاب الشيوعية في الشرق الاوسط: العلاقات بين الدول اهم بكثير من مصير الاحزاب الشيوعية في المنطقة. ان الفرق، كما يراه الباحث اليسوعي، هو ان الاتحاد السوفياتي »يعطي أتباعه تبريرا لتصرفه، فيما الفاتيكان يثني على صيغة التعايش، لكنه يبقى صامتا حول المشاكل الحسية التي تعترض المسيحيين«. وقد انعكست الخلافات بين الكرسي الرسولي وبعض المسيحيين اللبنانيين في عدة مناسبات، خلال الحرب اللبنانية، ونعرض تاليا لبعضها. الخلافات مع »الجبهة اللبنانية« استنكر البابا بولس السادس في رسالة بعث بها بتاريخ اول آب/ اغسطس 1976 الى مؤتمر القربان المقدس المنعقد في فيلادلفيا »الصيغة الاساسية للسلام« في لبنان. واعلن البابا في رسالته ان الذين قاسوا من الحرب، اضافة الى الشعب اللبناني، كانوا »اللاجئين من فلسطين المقهورين الذين ينتظرون منذ ثلاثين سنة للحصول على الوطن«. واخيرا اطلق البابا نداءً لمساعدة المحاصرين في مخيم تل الزعتر، طالبا من منظمات الغوث الكاثوليكية ان تتعاون لهذا الغرض. اثارت رسالة البابا بولس السادس الى مؤتمر فيلادلفيا رد فعل سلبيا من قبل كميل شمعون رئيس الجمهورية الاسبق وعضو الجبهة اللبنانية الذي اتهم البابا بأنه »يملك قلباً غالباً ما يدمي على جرحى تل الزعتر ولم يدمِ مرة على اللبنانيين الذين يسقطون يوميا«. وقد رد الحبر الاعظم على تصريح الزعيم الماروني في 15 آب 1976 عندما قال: »بدلا من ان نلجأ الى الاستنكار والادانة العلنية، اخترنا ان نتبع العمل الصامت والدؤوب لصالح العدالة والوفاق بين الجميع، من دون استثناء اية جهة، حتى لو قاسى الجانب المسيحي الأضرار والمجازر«. وكرر البابا بولس السادس ان البابوية لن تغير ابدا هدفها المعلن بوضع جهودها التوفيقية فوق المصالح الفئوية في الحرب. كما اشار الى ان الكرسي الرسولي لن يغير دوره كوسيط وعامل على التوافق المتوازن بين اللبنانيين والفلسطينيين. هناك حادثة اخرى شكلت مصدرا للخلاف بين الكرسي الرسولي والموارنة، هي القرار الذي اتخذته الميليشيات المسيحية بطلب المساعدة الاسرائيلية. ان موقف الفاتيكان من العلاقات الاسرائيلية المارونية قد توضح في مقالة مهمة كتبها الصحافي اللبناني سليم اللوزي، يقول فيها إن فرنسا والكرسي الرسولي كانا معارضين تماما للاتصال الاسرائيلي الماروني بسبب النتائج السلبية التي يمكن ان يتركها على العلاقات المسيحية الاسلامية. ان فقدان الثقة العميق الذي طبع العلاقات بين البابوية والجبهة اللبنانية قد ازداد بيانا في الهجوم العنيف الذي شنه الاب جان اوكانيه على الكرسي الرسولي في افتتاحية نشرتها سنة 1978 صحيفة »لوريفاي« التي أسسها رئيس الجمهورية امين الجميل. كان سبب نشر افتتاحية الباحث اليسوعي خطأ ارتكبته وكالة الصحافة الفرنسية في نقلها خبر ترحيب البابا بالمطران شكر الله في اللقاء التقليدي العام في الفاتيكان في 11 نيسان/ ابريل 1978. كتب اوكانيه، انه لم يكن على علم بأن الكرسي الرسولي قد اعتمد المقولة التي تعتبر ان »سوريا ولبنان شعب واحد... ايجب ان نفسر هذه الكلمات على انها الخطوط العريضة لحل فاتيكاني لمشكلة الشرق الاوسط؟ (ام تراه حل طرف آخر؟) اي: اتحاد فدرالي سوري لبناني فلسطيني؟«. وقد ذهب اوكانيه الى ابعد من ذلك، وتساءل عن الجهة التي توصل المعلومات الى البابا. انه ليس بالتأكيد القاصد الرسولي في بيروت. فهل يكون اذاً ما يسمى »اللوبي العربي« في الفاتيكان؟. وختم الاب مقالته بالقول: »ان البابا معصوم عن الخطأ عندما يتكلم بمقتضى سلطته وليس عندما يتكلم في السياسة«. في رد على اتهامات الاب اوكانيه، شدد الاب جوزيف فاندريس، مراسل صحيفة »لوفيغارو« في روما، قائلا انه لا يمكن اتهام دبلوماسية الكرسي الرسولي باية مخططات تجاه لبنان. ان هذه (الدبلوماسية) »مستوحاة مباشرة من البابا بولس السادس ويقوم بتنفيذها رجال قادرون وشجعان«، مثل الكاردينال اغوستينو كازارولي والكاردينال باولو برتولي: كيف يمكن الشك في دبلوماسية الكرسي الرسولي »في حين انها، منذ ثلاث سنوات حتى الآن، تقوم بكل شيء على المستوى العالمي ومع سفراء اصدقاء للبنان والمعتمدين لدى الكرسي الرسولي، لدعم استقلال لبنان الكامل؟«. المساعي المشتركة مع فرنسا والولايات المتحدة منذ اندلاع الحرب اللبنانية، كان الكرسي الرسولي في اتصال دائم مع فرنسا والولايات المتحدة وسوريا لايجاد حل قابل للتطبيق للنزاع في لبنان. وفي سنة 1976، بناءً على طلب من الفاتيكان، قام وزير الخارجية الفرنسية بزيارة واشنطن. وبعد اجتماع مع وزير الخارجية الاميركي، هنري كيسنجر، تم الاتفاق على اعطاء سوريا دورا اكبر في لبنان، شرط ان لا يتخطى وجودها »حزام اسرائيل الأمني« في الجنوب. كما ان كيسنجر طلب من الكرسي الرسولي الضغط على القيادة المسيحية في لبنان كي تعطي الخيار السوري فرصة للنجاح. يذكر السياسي الكتائبي كريم بقرادوني، في كتابه حول أحداث لبنان بين 1976 1982، مناسبتين مهمتين، كان الكرسي الرسولي فاعلا فيهما بشكل خاص. المناسبة الاولى كانت عندما اخبر الرئيس السابق الياس سركيس كريم بقرادوني انه يعتقد ان »فرنسا بالتنسيق مع الفاتيكان يمكنها ان تعلّم المسيحيين (في لبنان) بعض الحكمة وتنبههم الى الا يكونوا عملاء لاسرائيل«. اما المناسبة الثانية، فتتعلق بتقرير دبلوماسي بعث به السفير اللبناني لدى الكرسي الرسولي انطوان فتال الى الرئيس الياس سركيس عن اللقاء الذي جرى في حزيران 1980 بين البابا يوحنا بولس الثاني والرئيس كارتر. وقد سأل وزير خارجية الفاتيكان الكاردينال كازارولي نظيره الاميركي ادموند موسكي اذا كانت الولايات المتحدة تقدر ان تمارس ضغوطا على سوريا كي تنهي النزاع في لبنان، فأجاب موسكي ان سوريا ما دامت »لم تختر، بعد، بين الشرق والغرب فإننا نجد انفسنا مضطرين الى التعامل مع السوريين بلباقة«. بعثة الكاردينال برتولي أمام التوقعات المتضاربة لم يكن اختيار البابا بولس السادس الكاردينال برتولي رئيسا لبعثة تقصي الحقائق مجرد صدفة. اذ ان برتولي من المخضرمين في دبلوماسية الفاتيكان، وله معرفة ممتازة بلبنان حصّلها خلال توليه السفارة البابوية في بيروت عامي 1959 و1960. كما توافرت له معرفة مباشرة بالسياسة اللبنانية، عندما توجه في مهمة الى لبنان خلال الحرب الاهلية سنة 1958. ان مهمة الكاردينال برتولي التي دامت من 9 الى 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 1975 استوحت من رسالة بعث بها البابا بولس السادس الى الرئيس اللبناني سليمان فرنجية، يحث فيها جميع الافرقاء في لبنان على ان يلقوا اسلحتهم نهائيا ويحلوا خلافاتهم بتفاهم وحوار اخويين متبادلين. ظهرت في رسالة البابا نقطة مهمة، هي ان الكرسي الرسولي، بالرغم من اعترافه بشرعية الحقوق الفلسطينية، لا يقبل اي عبث بالسيادة اللبنانية. وان لبنان، آخر معقل للمسيحية في الشرق، لا يجب ان ينحدر الى مستنقع ثوري. لقد ركزت مهمة الكاردينال برتولي على اقامة حوار بين الاطراف المتنازعة بغية ايجاد صيغة لإحياء التعايش المسيحي الاسلامي. وكان على الموفد البابوي مواجهة المزاعم والمزاعم المضادة لكل طرف من الاطراف. ذلك ان اللبنانيين كانت لديهم توقعات مختلفة تجاه مهمة برتولي. ظن الساسة الموارنة ان البابا بولس السادس سوف يدعم عبر موفده قتالهم من اجل البقاء ضد التحالف »الاسلامي اليساري«، فإذا طريقة المعاملة بالتساوي التي قرر الكرسي الرسولي اعتمادها في لبنان توتر علاقاته بالطائفة المارونية، مما حدّ من هامش تحركه في رمال السياسة اللبنانية المتحركة. في المقابل، ظن الساسة المسلمون وحلفاؤهم اليساريون ان برتولي قد جاء »لنزع السلاح من ايدي المسيحيين« ولاقناعهم بالتخلي عن تهديدهم بتقسيم لبنان. وقد نسب رينيه شاموسي تغير موقف بعض الاوساط المارونية الى قوة اقناع الموفد البابوي: »فيما الوضع يشير على الارض بشكل متزايد الى تفتت البلد، يصر بعضهم (الموارنة) على ان التقسيم غير وارد«. وقد صرح الكاردينال برتولي بوضوح عن هدف الكرسي الرسولي المعلن بانقاذ لبنان ككيان ذي سيادة، وذلك للحفاظ على وجود آمن للمسيحيين. الا ان تحقيق هذا الهدف كان صعبا جدا نظرا الى الهوة العميقة بين نظرة السياسيين الموارنة ونظرة الكرسي الرسولي بالنسبة الى مستقبل لبنان. اضف الى هذا ان الموقف الذي اتخذه الكرسي الرسولي بربط النزاع في لبنان بحل النزاع الاسرائيلي الفلسطيني، قد تضارب مع اهداف الجبهة اللبنانية المعلنة بعزل المشكلة اللبنانية عن الحل الشامل للقضية الفلسطينية. حاول الكاردينال برتولي الحصول من محدثيه المسلمين على بعض الايضاحات المحددة بالنسبة الى موقفهم من الوجود الفلسطيني في لبنان. وكانت الجبهة اللبنانية قد اتهمت المسلمين بالاختباء وراء منظمة التحرير الفلسطينية لترجيح كفتهم في السعي وراء مزيد من السلطة في الجسم السياسي اللبناني. تم اللقاء بين عرفات والموفد البابوي في 15 تشرين الثاني/ نوفمبر في كنيسة الآباء الكبوشيين في بيروت الغربية. ومن المهم ان نذكر ان هذا الاجتماع كان اول اجتماع يعقد على مستوى عال بين ممثل للكرسي الرسولي ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية، فكان بمثابة اعتراف شبه رسمي من قبل الكرسي الرسولي بالحركة الفدائية الفلسطينية. شدد عرفات على ان منظمته »تلتزم بسيادة لبنان واستقلاله«، وان الفلسطينيين قد تبنوا في صراعهم مع اسرائيل النموذج اللبناني للتعايش التعددي الطوائف. اخيرا شكر الزعيم الفلسطيني البابا »على كل مواقفه التي اتخذها لصالح الشعب الفلسطيني«. اراد المبعوث البابوي ان يضع الحرب اللبنانية في بعدها الحقيقي. بالفعل، منذ بداية الحرب صورت بعض وسائل الاعلام الغربية الحرب على انها معركة بين المسيحيين والمسلمين، بين المحظوظين والمحرومين. لقد عبّر الكرسي الرسولي عن وجهة نظره في افتتاحية نشرتها صحيفة »لوسيرفاتوري ديلا دومينيكا« بتوقيع الناطق باسم الفاتيكان البروفسور فدريكو السندريني: »الدين هو، فقط، ذريعة لهذه الحرب الاهلية. صُورت لنا الحرب على انها المرحلة الاخيرة من صراع طبقي بين يسار مسلم فقير شعبي ومحروم ويمين مسيحي صاحب امتيازات يعبر عن مصالحه حزب الكتائب. ان هذه المقولة شديدة التبسيط والسهولة لتكون حقيقية، لانه ليس كل المسلمين في لبنان ينتمون الى الطبقات الشعبية الفقيرة والمقهورة اقتصاديا، ولا كل المسيحيين من القاهرين واصحاب الامتيازات«. ومهما يكن، كتب دبلوماسي لبناني في معرض تقويمه لاثر مهمة برتولي ان جهود وساطة المبعوث البابوي »كانت عمليا بدون اثر. ان المشكلة في لبنان تتطلب اكثر من مهمة مساع حميدة. ان الكرسي الرسولي الذي يتمتع بتأثير عالمي كبير كان بامكانه تغيير مجرى الاحداث في لبنان لو اراد ذلك«. ان ما يغفله هذا التقويم هو ان الكاردينال برتولي لم يأت الى لبنان »لتغيير مجرى الاحداث«. لقد اراد الكرسي الرسولي ان يجمع عبر مبعوثه معلومات مباشرة عن الوضع في لبنان، كما اراد ان يستعمل مساعيه الحميدة للتخفيف من التشدد الذي اعتمدته بعض الفئات المسيحية، ويرعى حوارا بينها وبين المسلمين. كما ان الكرسي الرسولي اراد استعمال نفوذه لدى الفلسطينيين لمساعدة اللبنانيين على حل مشاكلهم من دون تدخل خارجي في شؤونهم. المونسنيور بريني يؤيد الإصلاحات الدستورية طغت الاعتبارات الرعوية والانسانية على البعثة البابوية الثانية الى لبنان (2516 نيسان/ ابريل 1976) التي ترأسها امين سر التجمع من اجل الكنائس الشرقية المونسنيور ماريو بريني. وكان سبق للمونسنيور بريني ان عاش في لبنان لمدة خمس سنوات (1947 1952). وصل المونسنيور بريني الى بيروت عشية عيد الفصح، وتزامنت زيارته مع الاستعدادات لانتخاب رئيس الجمهورية، والتقى خلالها المبعوث الاميركي دين براون وقابل كبار الزعماء السياسيين اللبنانيين ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات. وكما في البعثة البابوية السابقة، شدد المبعوث، بعد كل لقاء، على معارضة الكرسي الرسولي للتقسيم، وعلى اهمية التعايش الاسلامي المسيحي. وبعد يومين من عودة بريني الى الفاتيكان، نشرت صحيفة ال»اوبسرفاتوري رومانو« مقابلة معه، جاء فيها قوله: »وحدهم اللبنانيون يمكنهم اعادة التعايش في اطار الصيغة الاصلية التي استوحت العرف، شرط ان تعدَّل تلك الصيغة لتلائم متطلبات الظروف الحاضرة«، مشيرا الى ان الكرسي الرسولي قد اعترف بمطالبة المسلمين بالاصلاحات الدستورية في الدولة اللبنانية. (*) أستاذ جامعي. غداً: الخلافات مع »الجبهة اللبنانية«