As Safir Logo
المصدر:

البساطي في أخر أعماله حكايات الشيخوخة والوحدة والموت(صورة)

المؤلف: الحايك رينيه التاريخ: 1997-05-09 رقم العدد:7685

صدرت مؤخراً المجموعة القصصية »ساعة مغرب« للكاتب محمد البساطي عن دار الهلال. وتضم المجموعة سبع عشرة قصة، لا يتعدى طول معظمها صفحات ثلاثاً. إحداها مكتوبة بضمير المخاطب، وهي قصة »سفر«، أما القصص الأخرى فهي إما مكتوبة بصيغة المتكلم وإما بصيغة الغائب. مرة أخرى يؤكد البساطي فرادته وتميزه سواء في المناخات التي يخلقها، أو في قدرته على الحذف وتشذيب العبارة مبقياً على أقل الكلام، الذي برغم الحذف يبدو قوياً بإيحاءاته. يرسم البساطي المشاهد والشخصيات ويوزع الأضواء على بعضها والظلال على بعضها الآخر، مستغرقاً في التفاصيل البصرية التي لها وحدها الحق في أن تمسك بزمام الحبكة، ففي قصة »صبية« امرأة حامل تصل الى قريتها تحمل حقيبة كبيرة وثقيلة وتمشي بحذر. بعد أن تلد، تُلبس أولادها (المجهولي الأب) ثيابهم الجديدة، تمشط شعورهم وتصطحبهم إلى الدكان وتمشي أمامهم مزهوة، كأنها بهذا المشهد الذي تصنعه بتأنٍّ وروية (مشهد مسيرتها مع أولادها) ترد اعتبارها وتعوّض كل ما خسرته في هذه الحياة. عين البساطي هي التي تحبك الجمل، وتبني المشهد »كان على وشك أن يعود بنظراته عندما رآها، كانت هناك على بعد خطوات من الأنفار تتابع حركتهم. لم يعد يخطئها منذ رآها أمام البيت. الجلباب الباهت اللون الممزق عند الكتف، ووردة احتفظت بلونها الأزرق مطبوعة على الصدر، وشعر أسود منكوش، وساقان مترتبان، وبقع بيضاء على خديها الشاحبين«. (ص 12). العين أيضاً تنفذ إلى أعماق شخصياته، وتقول الوحشة والشيخوخة، والموت والوحدة وأشياء كثيرة، ففي قصة »حوالة« يبدأ البساطي السرد على هذا النحو: »كانا عجوزين جداً«. ويصف بعد ذلك البلكونة الخشبية التي مالت مع مرور السنين وتنقل العجوزين بين البلكونة وداخل البيت وفق مواقيت الشمس. علاقتهما بالعالم الخارجي تتلخص بسلة يدليانها من على الشرفة إلى الباعة كل يوم سبت، وبحوالة تصلهما كل آخر شهر من ابنهما الذي سافر منذ سنين. والحوالة هي المناسبة التي تحثهما على ارتداء ملابسهما مرة كل آخر شهر والجلوس في محطة القطارات، يأكلان البوظة ويراقبان مرور القطارات بانتظار قطار الساعة الرابعة الذي سيستقلانه الى بيتهما، ليعاودا عيشهما السابق. يكفي أن نرى وصفه لأبطال معظم قصصه لنعرف عمق وحدتهم »لي مقعد في الحديقة.. أراه عندما أصل الى منتصف الحديقة.. الحديقة في هذا الوقت تكثر بها النساء والأطفال. لا ألتفت إليهم..« (ص 39). ويكتب في موضع آخر »وتأتي أيام يسري فيها البرد خفيفاً، وتزدحم الحديقة، غير أنهم دائماً ما يكونون بعيداً عن مقعدي، يتجمعون في المساحات المكشوفة الخالية من الظلال وأجد مقعدي تغطيه أوراق الشجر الصفراء«. في قصة »مبارزة« مثلاً يظهر البساطي عبر وصفه أيضاً حسية بطلي قصته، يظهرهما بجسديهما الممتلئين وبصدريهما الضخمين، وبشراهتهما: »أمسك كل منهم رغيفين في يده محشوين بقطع اللحم والكفتة، ومياه السلاطة تنساب من بين أصابعهم« (ص 111). ثم بإقبالهما على الجوزة التي توّج فيها الجمرات: »والجوزة تكاد تنفجر تحت وطأة أنفاسه، وأحجاره المشتعلة تتدحرج بين قدميه«. كأن البساطي إذ يحدد زمناً لقصصه يختاره انطلاقاً من قوة الضوء، أو انسحابه، ووفق حدة أشعة الشمس، وهذا التحديد سيكون بمثابة مؤشر في الغالب على احتدام المشاعر أو انسيابها، أو كآبتها أو عزلتها ففي قصة »أبا الحاج« نجد هذه العبارة تماماً في بدايات القصة »كانت الشمس حارقة بلا نسمة« وهذا قد يتناسب مع حيرة وارتباك الحاج إزاء الصبية الصغيرة التي تتعرى أمام ناظريه وتستحم في مياه الترعة. وفي قصة »ساعة مغرب« التي هي قصة سرية تحدث بين أربعة صبيان وامرأة أرمل، والتي تبدو فيها الأصوات أيضاً خافتة وناعمة تتناسب والسرية التي أحاط بها الصبيان علاقتهم بتلك المرأة »العتمة توشك أن تخفي معالم الأشياء« (ص 27). في قصة »فخ« حيث سيكون الصبي المختبئ مع رفاقه شاهداً على علاقة أمه الأرمل برجل غريب، تبدأ بالعبارات التالية: »بعد الطعام ثقل علينا النعاس فنمنا (...) ثم رأينا ضوءاً يدخل الحجرة«. (ص 34). وقصة »من النحاس« تبدأ أيضاً على هذا النحو »خرج الأولاد من الحارة الضيقة المعتمة الى الشارع الواسع«. وعلى رغم أن البساطي يصعد الى عدم إطلاق أسماء على شخصياته بشكل عام فإنها تبقى حالات متميزة وفريدة (أنظر دراسة صبري حافظ) لها خصوصيتها التي يبرزها أسلوب البساطي الذي يقرب في أحايين كثيرة من الشعر بقدرته على الايجاز والايحاء، من دون أن يغفل تلك التفاصيل التي هي أشد ما تكون دلالة على حياة الشخصية وأبعادها النفسية.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة