ظل الحرب الباردة في أعقاب الحرب العالمية الثانية، أخذت الحرب الباردة بين المعسكرين الشيوعي والرأسمالي تلقي بظلالها على كثير من المنظمات العالمية، ومن ضمنها العمالية والنقابية. فقد أدت هذه الحرب الى تقسيم منظمة الاتحاد النقابي العالمي الى أربع منظمات، حيث خرج منها اتحاد جديد اتخذ من بروكسل مقراً له، هو الاتحاد الدولي للنقابات الحرة، ثم تلاه اتحاد آخر اتخذ اسم الاتحاد المسيحي ثم الاتحاد العالمي للعمل. بينما ظل الاتحاد النقابي العالمي محافظا على هويته كمنظمة دولية تدور في فلك المعسكر الاشتراكي، وتتخذ براغ مقرا لها. هذا الانقسام العالمي انعكس على الحركات النقابية الوطنية، ومنها الحركة النقابية اللبنانية، التي توزعت عضويتها بين الاتحاد النقابي العالمي والاتحاد الدولي للنقابات الحرة. فالاتحاد الوطني لنقابات العمال والمستخدمين، والذي كان من مؤسسي الاتحاد النقابي العالمي حافظ على عضويته فيه، والياس الهبر هو حاليا أحد نواب رئيس الاتحاد، الى جانب نائب ثان عربي هو رئيس اتحاد نقابات العمال في سوريا عز الدين ناصر. والى جانب الاتحاد الوطني، هناك مجموعة اتحادات أخرى حليفة له، ارتبطت بالاتحاد النقابي العالمي، من خلال الاتحاد الوطني، وتحضر مؤتمراته كمندوبين مستشارين. وبالمقابل هناك حوالى 10 اتحادات لبنانية هي أعضاء في الاتحاد الدولي للنقابات الحرة، ويوجد بينها نوع من التنسيق على مستوى العلاقة بهذا الاتحاد، كاتحاد النقابات المتحدة وجامعة النقابات. وكان للصراع الذي استمر طويلاً داخل الحركة النقابية العالمية، أثر بارز في مسيرة الحركة النقابية اللبنانية، لفترة محددة، انتهت بقيام الاتحاد العمالي العام. فبين الستينيات والسبعينيات، وبعد أزمة مصرف انترا، استطاعت الحركة النقابية اللبنانية أن توحّد نفسها، بمعزل عن المؤثرات الخارجية، وبدأ يتبلور هذا التوحيد من منتصف الستينيات، حيث أطّر الاتحاد العمالي العام النقابات اللبنانية، بمجمل اتجاهاتها، وبات يتألف من اتحادات عمالية، بينها من هو عضو في الاتحاد العالمي للنقابات، ومن هو عضو في الاتحاد الدولي للنقابات الحرة، الى جانب اتحادات خارج هذين التيارين. وتؤكد المصادر النقابية، التي عاصرت تلك الفترة، أن الحركة النقابية اللبنانية تجاوزت الانشقاق الحاصل عالميا، واستطاعت أن توحّد نفسها على قاعدة البرنامج والعلاقات المشتركة، وبالتالي لم تكن التناقضات الخارجية ذات تأثير مباشر على الحركة النقابية، أو على الأقل، تجاوزت هذا التأثير ابتداءً من 1965، وشكل الاتحاد العمالي العام الجسم الموحد للحركة النقابية، كونه لم يكن عضوا، لا في الاتحاد النقابي العالمي، ولا في الاتحاد الدولي للنقابات الحرة، في الوقت الذي أعطى فيه أعضاءه حرية الانتسابات الخارجية. وهكذا، يمكن رسم خريطة سريعة لشبكة علاقات واسعة، تربط الحركة النقابية اللبنانية بالحركة النقابية العالمية؛ فللاتحاد الوطني شبكة من العلاقات الدولية، عبر الاتحاد النقابي العالمي، تصل الى 125 دولة. كما ان الاتحاد العمالي العام له علاقات واسعة مع اتحادات نقابية دولية، عبر الاتحاد الدولي للنقابات الحرة، والاتحاد النقابي العالمي، أبرزها مع النقابات الفرنسية، والايطالية والانكليزية والألمانية والأميركية والاسبانية والبرتغالية والاسكندنافية ودول أوروبا الشرقية والعربية والهند. ويرى العديد من النقابيين، ان هذه الشبكة من العلاقات مهمة جدا، وأعطت الاتحاد العمالي العام، كممثل شرعي للحركة النقابية اللبنانية، مصداقية دولية، كونه منظمة مستقلة، رفضت دائما أن تكون منظمة تابعة للدولة خلال تاريخها. وتنبع أهمية هذه العلاقات الدولية من توجهات وشعارات جديدة، بدأت تطرحها الحركات النقابية العالمية وتنظيماتها الدولية والوطنية، لمواجهة العولمة الاقتصادية ومفاعيلها السلبية على حقوق العمال ومكتسباتهم، بعد سقوط النظام الشيوعي، وتغير التوصيفات التي على أساسها تم الفرز في ظل الحرب الباردة. منظمة العمل الدولية وللحركة النقابية اللبنانية علاقات دولية أخرى، في إطار عضويته في منظمة العمل الدولية، إنما يتم تمثيل لبنان على قاعدة تمثيل جميع أطراف الانتاج: العمال وأصحاب العمل والحكومة. وقد وافق لبنان على عدد من الاتفاقيات الدولية، في إطار هذه العلاقة، إلا أن الحكومة لم تبرم أياً منها، كالاتفاقية رقم 87، التي يتناقض مع مضمونها قانون العمل اللبناني المعمول به حاليا. العلاقات العربية قبل تأليف الاتحاد العمالي العام، كانت الحركة النقابية اللبنانية ممثلة في الاتحاد الدولي لنقابات العمال العرب بواسطة ثلاثة اتحادات، هي اتحاد نقابات العمال والمستخدمين في الجنوب واتحاد النقابات المستقلة (التي أصبحت اتحاد نقابات البحر) واتحاد نقابات العمال في الشمال. بعد قيام الاتحاد العمالي العام، ودخوله الى الاتحاد الدولي، باتت جميع الاتحادات اللبنانية ممثلة فيه. ومنذ إنشائه في أوائل الخمسينيات، لعب الاتحاد الدولي دورا هاما في حياة الحركات النقابية القطرية، من خلال دعم مواقفها، والدفاع عن حرياتها، خصوصا في المرحلة الذهبية لنهوض حركة التحرر العربي، حيث استطاع أن يدمج النضال الاقتصادي والاجتماعي بالنضال التحرري، وأن يلعب دور المنسق بين الاتحادات القطرية والمنظمات النقابية العالمية والدولية. إلا أن الحركة النقابية العربية وقعت تحت التأثيرات المباشرة للسياسات الرسمية للحكومات، الأمر الذي أدى الى إضعاف دور الاتحاد الدولي. وبرغم ذلك، استطاع ان يحمي العديد من الحركات النقابية العربية، ويقدم إليها الدعم ضد عمليات التضييق والتدخل الرسمي في شؤونها. النقابات والسلطات إن أي نقابي، يساريا كان أو يمينيا، أ مستقلاً، يرفض أن يصنف الحركة النقابية اللبنانية بأنها حركة ذات انتماءات حزبية أو دينية أو طائفية، بالمعنى الضيق للكلمة. ويورد هؤلاء واقعة تاريخية مشهورة في حياة الحركة النقابية اللبنانية، عندما اجتمع في أوائل الستينيات 24 عضوا يمثلون مجلسي نقابة عمال المطابع، التي كانت برئاسة الشيوعيين، ونقابة عمال الطباعة والتجليد برئاسة الكتائب، ووقعوا عريضة لتوحيد النقابتين في نقابة واحدة، وأُرسل كتاب الى وزارة العمل بهذا الشأن فرفضته. وهناك الكثير من الشواهد التاريخية، التي تؤكد إصرار الحكومات اللبنانية على محاولة وضع اليد على الحركة النقابية، الأمر الذي كان يترجَم بحركات انشقاقية وعمليات تفتيت. لقد استطاع النقابيون اللبنانيون ان يبعدوا عن الحركة الكأس المرة التي مرت على لبنان، أي كأس الانقسام الطائفي، حتى في ظل الخلافات السياسية الكبيرة. وخلال الحرب، ظلت الحركة موحدة في ظل برنامج يدعو الى تحرير الأرض، ووحدة الشعب والمؤسسات وبسط سلطة الدولة والدفاع عن مصالح العمال. ومنذ 1946، والحركة النقابية تخطو خطواتها الأولى، كانت السلطة تعمل على تفكيك وحدتها؛ فنقابة السائقين حوّلتها الى نقابتين، ثم الى 7 نقابات، والمطابع كانت تقتصر على اثنتين، ثم أربع، ثم ست نقابات، وعندما شكل الاتحاد العمالي العام إطارا توحيديا حقيقيا، لجأت السلطة الى ضرب وحدته، في سنوات 1948، 1954، 1962، 1970، 1976، 1993. وهذا ما يدفع النقابيين الى القول إن أي انشقاق شهدته الحركة النقابية اللبنانية، لم يأتِ نتيجة انتماءات خارجية، إنما نتيجة لتدخل السلطة، عبر احتواء النقابات أو تفكيكها أو مصادرة قرارها.