As Safir Logo
المصدر:

حوار.جورج طرابيشي حول مشروع الجابري ونظرية العقل صحيح أننا أمم ديانات:لكننا ساهمنا في صنع الفلسفة اليونانية(صورة)

المؤلف: شبانة عمر التاريخ: 1997-04-19 رقم العدد:7671

ليس في تاريخ الفكر العربي سوى القليل جدا من مشاريع »نقد النقد«، فمنذ »تهافت التهافت«الذي رد به ابن رشد على كتاب أبي حامد الغزالي »تهافت الفلاسفة« ينقطع نقد النقد مسافة زمنية طويلة. ولا نجد ما يجدر ذكره اكثر من الحملة السلفية على كتاب طه حسين »في الشعر الجاهلي« وكتاب علي عبد الرازق »الاسلام واصول الحكم« في العقد الثاني من القرن العشرين هذا. الآن، وفي مشروعه »نظرية العقل«، يستأنف الناقد والباحث والمفكر العربي السوري جورج طرابيشي مسيرة نقد النقد، من خلال عمله الذي صدر الجزء الاول منه »نقد نقد العقل العربي«، الذي يسعى من خلاله، لا الى نقد عمل محمد عابد الجابري، او نقضه فحسب، بل يسعى ايضا وأساسا الى تفكيك مشروع الجابري ومرجعياته واشكالياته، وكذلك فهو يطمح الى اعادة بناء اشكاليات جديدة غير تلك الاشكاليات التي تمثل الأس في مشروع الجابري.. هذه الاشكاليات (الجابرية) التي تشكل بحسب طرابيشي ما يدعى بحسب غاستون باشلار »عقبة ايبستمولوجية« او معرفية، تأسر العقل العربي وتحرمه من التقدم. مشروع طرابيشي هذا، ضخم وشامل وعميق. ولعله ليس الأول في مجال مراجعة التراث مراجعة علمية عقلانية وموضوعية، لكنه الاكثر طموحا الى امتلاك هذه السمات. حول اختيار مشروع الجابري منطلقا، وحول منطلقات مشروعه هو، وآفاق وأهداف هذا المشروع، كان هذ ا الحوار: قوة وحضور الجابري في قوة الإشكاليات التي أسر في داخلها التفكير العربي الراهن { لنبدأ بسؤال حول مشروعك كتابك الذي هو من وجهة نظري ليس نقدا للجابري وفكره فقط، بل، واساسا، لكثير من مناهج التفكير والتأريخ للفكر والفلسفة.. فلماذا يجري ربطه، على هذا النحو، بالجابري، الأمر الذي يبدو ان فيه تواضعا، ومن ثم تحجيما للمشروع؟ الربط بالجابري لسببين، الاول هو موقع الجابري الحالي من الثقافة العربية، فهو، بملء معنى الكلمة، استاذ تفكير لشريحة واسعة من الانتلجنسيا العربية، ليس فقط في المسألة التراثية، بل أيضا في شتى مجالات الفكر والثقافة، وحتى في السياسة. وهذا المرجع، بات يشكل وان كان في قولي شيء من التطرف نوعا من المنظومة الشمسية، بمعنى ان ثم شرائح كاملة من الانتلجنسيات العربية اليوم تدور في اطار هذه المنظومة، في فلك هذه المنظومة. فقوة حضور الجابري في الساحة الثقافية العربية تعود الى قوة الاشكالات التي اسر داخلها التفكير العربي الراهن. اشكاليات جعلت الدائرين في فلكها، حتى عندما يتصدون لمعارضتها، يحاولون طرح الاسئلة التي تتمخض عنها هذه الاشكاليات، من دون ان يتمكنوا من تفكيك الاشكالية ذاتها، ومن اعادة طرح السؤال. لقد صدرت ردات فعل كثيرة قبل دراستي، لا اقيّمها كلها، مثل دراسات الطيب تيزيني وطه عبد الرحمن وكتابه الممتاز الذي لم يكن قد صدر حين انهيت كتابة دراستي، وسوف اشير الى كل ذلك في الاجزاء التالية. اذاً، في الاطار الذي كتبت به كتابي، ابتداءً من اوائل الثمانينيات (وقد استمر الاعداد له وكتابته ثماني سنوات)، كان واضحا ان كل المثقفين الذين كتبوا ينتقدون الجابري كانوا يقومون بتفنيد اجوبته، في حين انني، منذ البداية، لم اقع في فخ الاشكاليات، ولم اسع الى اجابات عن الاشكاليات التي طرحها، بل حاولت ولا ادري ان كنت نجحت تفكيك الاشكاليات ذاتها، واعادة طرح السؤال، والوصول الى اجابة مختلفة جذريا عن اجاباته. هذا من الناحية الاولى المنظومة المرجعية التي بات يمثلها الجابري، والتي تجعل منه عقبة ابستمولوجية في الدراسات المعرفية، فاذا لم نستطع تجاوز هذه العقبة نكون كمن يصعد جبلا ثم يقف عاجزا عن رؤية وتسلق القمم الاخرى، وليس في الفكر قمة.. انه سلسلة قمم، ولا معنى لعلمنا اذا لم نستشرف القمة المقبلة من موقعنا في القمة التي وصلناها. الجابري بدا وكأنه القمة النهائية، وهذا مخالف لجدية الفكر وقوانينه، ففي الفكر، ليس بيننا عملاق. كلنا اقزام، يركب بعضنا على اكتاف بعض، لنستشرف الاعالي والآفاق. ولكي يواصل الفكر العربي تقدمه صار لا بد من تفكيك هذه المنظومة. النقطة الثانية في الرد على (لماذا الجابري مع ان كتابي كما اشرت يرد على جملة طروحات اساسية في الفكر وتأريخ الفكر والانثروبولوجيا الفكرية)، اقول لأن الجابري في مشروعه (نقد/ تكوين العقل العربي) يعيد انتاج هذه الطروحات، عن وعي او عن غير وعي، على سبيل موقفه عن الفلسفة اليونانية ومن تطور الحضارة الغربية، ويكرر، حرفيا، اشكالات سائدة، ونوعا من الايديولوجيا السائدة في الساحة الغربية، ويعيد طرح مقولات الاستشراق اليوناني، والدراسات اليونانية بحرفها. بل اكثر من ذلك، فهو في نقده يكرر مواقف باحثين هم في الحقيقة رجال دين من الرهبان الذين كرسوا جهودا لدراسة شطر من الفكر اليوناني واصدروا عليه احكاما تخدم في المقام الاول رؤيتهم الدينية. فالجابري، من دون ان يعرف في اغلب الظن، قد اعاد انتاج هذه المواقف في كتابه. ومن خلال الجابري كان الوصول لتفكيك او نقد هذه الطروحات السائدة، والتي تقع تحت وطأة مركزيتين: المركزية الاوروبية ثم المركزية المسيحية في النظر الى تاريخ الفلسفة. شواهد مزورة { إذاً انت، كما يبدو من حديثك، ومن قراءة الجزء الاول من مشروعك، تقوم بنقض، لا بنقد، مشروع الجابري... أفضّل كلمة النقد على النقض، لأنها، اولا، اكثر تواضعا واكثر علمية واقل هجائية. ثم عندما اقول »نقض« الجابري، فلن يكون عملي الا تهديما لما بناه الجابري. وانا لا اريد هذا الهدم الا من اجل بناء جديد. ما احاوله في كتابي ليس محض قراءة تفكيكية للجابري، بل فيها اعادة بناء لكثير من الطروحات والاشكاليات. وهذا ما يجعل كتابي ممتدا في اجزاء. إذ لو كنت أريد »النقض« لكان في امكاني احصاء اخطاء الجابري وشواهده المغلوطة والمزورة والمزيفة (لو احصيت خمسمئة شاهد فقط) واصدار كتاب ينهي الجدل والجابري معا. لكن ما اردته هو النقد اي اعادة بناء الاشكاليات، لأني اعتقد ان الحقل الذي حرثه الجابري هو في مركز الاشياء. ومن هنا، كان لا بد من أن احرث في المكان نفسه الذي حرث فيه. فهو استاذ تفكير بالفعل. { إذا كنت تعتبر الجابري استاذ تفكير وتنقضه في آن، فهو مزوِّر ومزيِّف.. الخ، فما الذي بقي منه، ما الذي سيبقى من مشروعه كله، ومن كتبه؟ ما سيبقى من الجابري هو كتبه الاكثر تواضعا والأقل ادعاء من كتابه »نقد العقل العربي«. ستبقى كتبه ودراساته الجزئية المحدودة في موضوعاتها والتي التزم فيها بدقة منهجية اكبر. مشكلة الجابري انه كلما وسّع افق رؤيته، ثلم منهجه واضطر الى ملئه بالشواهد المزورة او »الملوية«، وسأعطيك امثلة مما اكتبه الآن. فالجابري يتابع مقولة لأحمد أمين عن عصر التدوين، ليست ايديولوجية وتصادر سلفا على ما تقوله وحسب، بل انها خاطئة من اساسها، وقد اريد منها اضفاء نوع من المشروعية على ما كُتب ودوّن، في حين ان كل هذا هو من صنع العقل وليس مادة جاهزة تنتظر التدوين.. فمصطلح عصر التدوين هو من انتاج اهل الحديث الذين أرادوا حتى عندما كذبوا على الرسول كما يقول ابراهيم فوزي ان يوحوا بأن هذا الذي وضعوه على لسان الرسول كان موجودا في العقول وفي الذاكرات.. والتدوين ليس من صنع المحدثين الاوائل، بل المتأخرين، ومنهم (الذهبي) الذي يستشهد به الجابري من دون ان ينتبه الى انه ابن القرن السابع الهجري وليس من عصر التدوين الذي يعود الى القرن الثاني للهجرة. ومرجع الجابري (المسكوت عنه) هو أحمد أمين. وقد أقام الجابري الدنيا واقعدها انطلاقا من نص (الذهبي)، بأن عصر التدوين لم يدوّن كل شيء لأنه اهمل الشيعة والنص الذي يتداولونه.. وان هذا يدل على ايديولوجيا من صنعوا عصر التدوين، في حين ان اربعة، من بين اربعة عشر مدونا ذكرهم النص، هم من الشيعة، وهذا من الفضائح العلمية، فهو يعتبر ان لا وجود للشيعة في عصر التدوين ويستشهد بنص ينقض ما ذهب اليه. اعطيك ايضا مثالين صغيرين آخرين. فالجابري يذهب الى ما ذهب اليه (الأب اندريه فيستوجير) من »هرمسة« اخوان الصفاء ليقول انهم ضد العقل والمنطق فيأتي بشاهد ينص على ان الانسان ليس في حاجة الى (المنطق) ليتفاهم مع الانسان، ويعتبر الجابري هذا الشاهد معارضة للعقل. وبالرجوع الى رسائل اخوان الصفاء، وجدت انهم يخصصون تسع رسائل لتوكيد اهمية المنطق في الوصول الى المعرفة والتفاهم.. ويطالبون من (يدخل ناديهم) بالبدء من المنطق لأنه (أم العلوم) ومدخلها. وشاهد الجابري هو من الرسائل المتأخرة، وهو في باب عدم ضرورة الكلام، أي امكان التواصل بين العقول النيرة والنفوس الشفافة لا يعتمد على الكلام فقط، بل يمكن ان تتخاطب بوسائل اخرى. هذه فضيحة معرفية أخرى. أمارس تحطيم وتفتيت الكذبة التاريخية لإعادة بناء الحقيقة المثال الثاني، وهو ما أتعرض له في الجزء الثاني من كتابي (قيد العمل)، هو موقف الجابري من الغزالي. فهو يحمل عليه حملة حنبلية، ويتهمه بأنه قتل الفلسفة في (تهافت..) وكفّرهم في ثلاث مسائل، (وبدّعهم) في سبع عشرة مسألة. اولا، انا سأدافع عن الغزالي بوصفه آخر انتفاضة في ما يسمى بالعقل المكوّن في الثقافة العربية الاسلامية. وأدافع عن الغزالي لأنه اعاد احتضان الفلسفة بعد ان طردها من الباب، فأدخلها من المنطق ومن نافذة التصوف، حتى قال عنه ابن عربي (.. صاحبنا ابو حامد ابتلع الفلاسفة ثم لم يستطع ان يتقيأهم). الحملة على الغزالي كانت باعتباره صاحب مبدأ »التجويز«، وهذا في الحقيقة مبدأ الاشعري. طبعا الغزالي قال بالتجويز بالنسبة الى القدرة الالهية، وليس الى القدرة البشرية ونواميس الطبيعة. والتسليم بالقدرة الالهية ليس خاصا بالاشاعرة، بل هو موجود في علم الكلام والتفسير والفقه. والشاهد الذي يورده الجابري من الغزالي فهو الذي يتساءل فيه الغزالي قائلا ما معناه (اذا تركت في منزلك كتابا، فهل يمكن ان تعود وتجده كلبا؟) ويضيف (أعوذ بالله، فسنة الله لا تبديل لها..). ماذا يفعل الجابري بهذا الشاهد؟ انه يجعله وكأن الغزالي، في تجويزه لقدرة الله، يجعل من الممكن ان يتحول الكتاب كلبا! وبهذا فالجابري يقلب الغزالي و»يشرشحه«. قراءته استشراقية { بعيدا عن الجابري ونقده، دعنا نتحدث عن منطلقات مشروعك وأهدافه، كمشروع متكامل؟ نقطة الانطلاق في هذا المشورع هي تفكيك /هدم /محو آثار المركزية الاثنية الاوروبية في الثقافة العربية المعاصرة وفي رؤيتنا لتاريخنا ولتاريخ الحضارات الاخرى، ولموقعنا وموقع الحضارة العربية الاسلامية من الحضارات الاخرى. ذلك ان ما حدث في تاريخ الفلسفة، او في التأريخ لتاريخ الفلسفة، هو محاولة لاختراع ماض مثالي لاوروبا التي حققت قفزة الحداثة. وقد انجز الاوروبيون، في ذلك، عملية مصادرة وتغريب للفكر اليوناني، وانتزاعه من نقطة تمركزه في الحوض الشرقي للبحر الابيض المتوسط وأخذه آلاف الكيلومترات الى اوروبا التي لم تسهم في نهر الفلسفة والثقافة اليونانية، في حينه، بقطرة واحدة. وبانتزاع الفلسفة اليونانية، المكتوبة باللغة اليونانية، من هذه المنطقة/ موطنها الاول، فقد اسقطوا على هذا الموطن اسم »اللاعقلانية«. قالوا انه حوض للديانات، لا للفلسفة ولا للعقل. وما حدث بهذه المصادرة للتراث اليوناني، انهم ارادوا طبعنا بطابع الروح والغيبيات.. واحتكروا لانفسهم، (ليس في الحاضر الذي هو من حقهم بعد انجازهم لحداثتهم) في الماضي ايضا، كونهم شعب العقل بالفطرة وبالوراثة. وهذا أساء الينا حين ادخل الينا اننا أمة ديانات وحسب. ونحن أمم ديانات فعلا، ولكننا أيضا ساهمنا في صنع الفلسفة اليونانية. بل ان العقل اليوناني، الذي يعتقد الجابري انه عقل اوروبي بالفطرة، هو عقل متوسطي، ومن شرق المتوسط تحديدا. وحتى من وجهة نظر جغرافية، فالمسافة التي تفصل الشاطئ السوري والفلسطيني والمصري (وخصوصا آسيا الصغرى) لا يبعد سوى اقل من مئة كيلومتر عن مركز الحضارة اليونانية/ الجزر اليونانية. ما احاول قوله، ضد على قراءة الجابري الاستشراقية التي تتصور العقل العربي نقيضا للعقل اليوناني. { يأخذ عليك بعض نقاد كتابك انه يمثل مواجهة استشراقية الجابري ومركزية اوروبا بمركزية عربية؟ ما هي المركزية الاثنية؟ انها افتعال واختلاق واقع لا وجود له. اما عندما اقول ان اوروبا متقدمة منذ القرن الخامس عشر ومتفوقة، بقرون واجيال، على الحضارات الاخرى، فأنا اقرر حقيقة واقعة. واما حين اقول ان العرب سادة العالم.. اكون مارست المركزية المقلوبة. انا قلت ان الفسلفة العربية انتجت فلاسفة كبارا كابن سينا وابن رشد، وهذا حقيقة. ما امارسه اذاً ليس تأسيس مركزية مضادة، بل تحطيم وتفتيت لمركزية قائمة.. اي لكذبة تاريخية، واعادة بناء للحقيقة التاريخية، في أي معنى؟ اذا قلت اننا لم نصنع الحضارة والفلسفة اليونانية، بل نحن ساهمنا في صنعها، مع العلم بأن تسعين في المئة من فلاسفة اليونان ما كانوا (إثنيا) من اليونان، بل من الحوض الشرقي للمتوسط. اليونانية كانت لغة ثقافة عارمة، مثلها مثل العربية في الحضارة العربية الاسلامية، واللاتينية في الحضارة القروسطية. هل نقول ان كل من كتب ومارس الثقافة في ظل الحضارة العربية هو عربي (عرقيا)؟ انه عربي باللغة فقط، فالحضارة العربية الاسلامية مثلها مثل الثقافة اليونانية هي ثقافة مجموعة من الشعب. آباء الكنيسة كلهم كتبوا باليونانية، وكلهم شرقيون (من مصر الى آسيا الصغرى). ولا ننسى ان التراث اليوناني قد اعيد انتاجه، ليس في اثينا، بل في الاسكندرية حصرا، ثم في انطاكية، ثم في فرغاموس في آسيا الصغرى. ويأتي من يقول اننا كنا غرباء عن العقل والثقافة والفلسفة... الخ. ومن جانب آخر، انا لم اقل على طريق القوميين السوريين اننا نحن من صنع العالم، ولكننا شركاء اساسيون في صنع الحضارة المتوسطية، والعقل المتوسطي القديم الذي عبّر عن نفسه باللغة اليونانية بوصفها لغة ثقافة لا لغة »قومية« فاليونانيون انفسهم ما كانوا يتكلمون لغة واحدة، وكان يصعب التفاهم بينهم. لقد اخترعت اللغة اليونانية الفصيحة، التي بها كتبت الثقافة، في الاسكندرية، في العصر الهلنستي، ثم جرى تعميمها. المنهج المعرفي { ثمة ظاهرة في كتابك تثير سؤالا حول محاولات تأصيل الكثير من الاسماء والمسائل الفكرية والفلسفية، واعادتها الى أصول عربية وشرقية؟ لا، انا اعتبر ان بؤر الحضارات نهرية، حيثما وجدت انهار كبرى، وجدت حضارات كبرى. ولكن المجال التداولي للثقافة العربية المعاصرة، وحتى القديمة، محصور اكثر بمرجعيته في هذه المنطقة، من دون ان نهضم حق الحضارات الأخرى لا سيما الصينية والهندية، وحتى الفارسية كانت مشدود الأنظار الى الحضارة المتوسطية برغم كونها ليست دولة متوسطية أكثر من انشدادها الى الصينية والهندية اللتين تجمعها بهما حدود مشتركة. أرفض مفهوم الفينيقية وأعتبر أن لا وجود لشيء اسمه الفينيقيون { ولكن، ما تسمي حصرك لجذور الحضارات في حوض المتوسط، الذي يلتقي، الى حد بعيد، مع افكار القوميين السوريين حول سوريا الطبيعية، ومع طروحات جديدة بدأت تعيد كل شيء الى سوريا؟ لكل انسان الحق في طرح ما يراه صحيحا. واحيانا قد تتقارب الطروحات او تتقاطع وتتفارق. انا لم اقصد ايا من التقارب او التفارق، لأن موضوعي ومنهجي يختلفان جذريا. انا جئت الى تاريخ الحضارات والعقل من خلال المنهج المعرفي الدقيق، وما كانت تهمني الايديولوجيا، في حين ان الطروحات التي تشير اليها قد تقول الاشياء نفسها احيانا، ولكن من موقع ايديولوجي خالص. هذه نقطة اساسية، فأي معرفة يمكن في نهاية المطاف توظيفها ايديولوجيا، فهل علينا ان نمتنع عن ممارسة المعرفة، حتى لا تستغل ايديولوجياً؟ النقطة الثانية، انني على العكس من الكثير من هذه الايديولوجيا، أرفض على سبيل المثال مفهوم »الفينيقية«، واعتبر ان لا وجود لشيء اسمه الفينيقيون، وانه اسم اطلقه اليونانيون على الكنعانيين. ثالثا، انا لا انسى المشاركة المصرية والليبية وآسيا الصغرى وحتى اليونان وجنوب ايطاليا، ولا احدّ المنطقة كما يحدّها القوميون السوريون. فنحن واليونان القدامى شركاء. { هل تعتقد ان هذه المنطقة تحتضن اصول الفلسفات والعلوم المختلفة؟ لا، أنا لا اقول ذلك، بل اقول ان ما جرى هو استبعادنا من هذه الاصول. وانا أريد اعادة حضورنا فيها، في مواجهة ما تريده المركزية الاوروبية من احتكار للعقل، مع ان اوروبا القديمة كما ذكرت لم تساهم في تلك الحضارة ولو بذرة واحدة. اريد القول اننا حضارة عقل وليس ديانات وغيبيات. وعندما استعمل كلمة (عربي) اعيدها الى استخدام شبنغلر (بالمعنى السامي الذي لم يكن معروفا آنذاك)، اي الى جملة حضارات، من دون الصدور عن أي نزعة عرقية. وانا لا اخشى أي شبهة، لأن ما اقدم يرتكز على مادة علمية، ووثائق يونانية قديمة. { لنتوقف عند ما يبدو في خلفية مشروعك من ادوات الفكر الماركسي والقومي، ونرى اين تقع بين مشاريع مراجعة تراث الفكر؟ انا قد اعترض، جزئيا فقط، على هذا التوصيف. لقد مررت بمرحلة قومية، ثم مرحلة ماركسية، واعتقد بأنني تجاوزتهما، من دون ان انكر وجود رسابة من الماركسية، واخرى من القومية، في تكويني الفكري. ولا نستطيع ان ننكر ما قدمه الفكر الماركسي ممثلا في مفهوم الطبقة. ولا ننكر ان تركيز الفكر القومي على اللغة قد اوجد اساسا ابستمولوجيا لدراسة التاريخ. فاللغة عقل (لوغوس). ولا ندري اصلها ان كان ساميا ام يونانيا. في خلفية هذا المشروع ثمة امل، حلم، بتجديد النهضة. انا اعتبر ان النضة لم تنجز مهمتها، وقفت عاجزة عن أدائها، انها (النهضة) ازدوجت في شكل عدواني/ استعماري. واضطرارها الى هذه الازدواجية جعلها تدافع عما تنقله من الآخر. وبالتالي لم تستطع ممارسة المهمة التاريخية المتوقعة منها. والمصيبة ان الوريث لها كان »عقل الثورة«. وهذا اراد ان يحل بالايديولوجيا ما لم تتمكن من حله نظرية المعرفة، فحاول ان يحرق المراحل. ولكن العقل الثوري لم يحرق الا نفسه. ونحن مع سقوط الايديولوجيات السائدة، وصعود أخرى اكثر تخلفا من الأولى نحتاج الى تجديد النهضة، بالاستناد الى معطيات الحداثة الراهنة/ منهجيا، والى تراث الحضارة العربية الاسلامية معرفيا. { في أي معنى تتحدث عن تجديد النهضة؟ تجديد النهضة في المعنى الذي ذهب اليه ابن خلدون، في معنى »نشأة مستأنفة« او الولادة الثانية. فليس في تلك النهضة ما نحاكيه سوى الرغبة في النهضة. هذه الرغبة يجب ان تتجدد فينا كالعنقاء. وهذا في عصر يشيح فيه بعض الاطراف عن النهضة والتقدم. وعلينا نحن ان نعيد الاعتبار، معرفيا ابستمولوجيا، وليس فقط ايديولوجيا، الى مفهوم التقدم. أن نعيد الى الرغبة في التقدم والنهوض حيويتها. { هل يمكن ان نحدد مفهوم التقدم، وكيفية الوصول اليه؟ اعتقد ان المرحلة الراهنة ليست مرحلة تحديد مفاهيم، بل الدفاع عن التقدم بحد ذاته. ولنكن ديموقراطيين ونترك لكل فريق تحديد مفهومه. ولكن فكرة وضرورة التقدم هما الأهم الآن. يمكن ان اقول بالتقدم، واحيل على تلك اللحظة التي اقلعت فيها اوروبا، في القرن الخامس عشر والسادس عشر، في اتجاه الحداثة. فلأول مرة في تاريخ البشر كان في الامكان رؤية المستقبل مرسوما امامنا. ففي حين كانت كل حضارة تعيش ايقاعها الخاص، ضمن انفتاحها على الحضارات، من دون ان تبصر اي مستقبل، بل ان بعض ابناء الحضارات يضع المستقبل في الماضي، كالسلفيين. ما حدث في اوروبا القرن السادس عشر هو ان المستقبل ارتسم امام البشرية. فلم يعد من خيار امام الآخرين الا التقدم كما تقدمت اوروبا. ليس في معنى المحاكاة (او حذو الفعل بالفعل)، بل ان تخترع تقدمها الخاص. هذا ما حدث لليابانيين والكنديين والنمور والتنانين الآسيوية.. الخ. لدينا افق للتقدم، ولا نملك الا ان نتقدم، اذا اردنا ان لا يصيبنا زلزال فتنشق الأرض وتبتلعنا، وينشق جدار التاريخ ويقذفنا خارجه ف(ننقرض).. وليس حجمنا بالطبع ضمانة لبقائنا. بل ان كثرة عددنا يمكن ان تكون عامل تدمير لنا، اذا لم يتم توظيفها.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة