As Safir Logo
المصدر:

كتب.»الأيام المخمورة«نص مسرحي لسعد الله ونوس مسرحية الحياة وإعادة تشكيل قيمها بلغة شفافة(صورة)

المؤلف: شبانة عمر التاريخ: 1997-04-04 رقم العدد:7659

الكتاب: الأيام المخمورة (مسرحية) الكاتب: سعدالله ونوس. الناشر: دار الأهالي دمشق، أواخر آذار، 1997. بعد بضعة شهور من صدور كتابه »عن الذاكرة والموت«، ها هو سعد الله ونوس يدفع نصاً مسرحياً جديداً بعنوان »الأيام المخمورة«، ليسلط من خلاله أضواء جديدة، أشد سطوعاً مما في النصوص السابقة، على القضية التي تبدو، من منظور ونوس، أكثر إلحاحاً، وهي القضية الاجتماعية، بأبعادها الفلسفية والإنسانية العامة، التي كانت في أساس الكثير من أعمال ونوس، لكنها الآن تحتل الحيز الأول، من دون أن تنعزل عن الأساس الآخر القضية الوطنية، إذ تأتي هذه القضية في موقع أحد العوامل الفاعلة في تحريك القضية الأولى والتأثير في سيرورتها وصيرورتها. التخلف الاجتماعي هنا، في »الأيام المخمورة«، هو المحرك الأول والأساس في كل ما يجري من انهيارات وطنية وأخلاقية. فمن هيمنة الذكورة وخنوع الأنوثة تنبثق الإشكالية الأولى. ومن صراع الذكورة والأنوثة تتولد الإشكالية المدمرة، فتتحطم العائلة ويتشتت أفرادها. تبدأ الإشكالية من وعي الأنوثة على ذاتها المكبوتة والمحجوبة في مملكة الذكورة القاسية التي لا ترى سوى ذاتها الذكورية المتعجرفة والحاكمة. ومن وعي على ذاتها يولد الصراع.. ومن بؤرة الصراع قد تتفجر صراعات تصب في تأجيج الصراع الأساس. وبجرأة واقتحامية واختراق للمحرمات، وقريباً مما رأينا في »طقوس الإشارات والتحولات«، يفقأ ونوس واحداً من الدمامل الكبرى التي تخرّب جسد المجتمع وتنخر روحه. فهو يدفع إلى السطح، وإلى الواجهة، بعدد من الأسئلة الجديرة بالتداول. وهو يحفر في منطقة لم يسبق الحفر فيها، وينبش مستوى من مستويات الحياة السرية في المجتمع العربي لم يُنبش من قبل. وكأنما يؤكد في نصه المسرحي ما عبّر عنه ذات مرة في حوار صحافي حين قال »إن الحياة العامة، التي هي حياة كل يوم، ما هي إلا صورة أو وجه للحياة (.. حيث) الحياة الفعلية تتم وتدور في دهاليز مظلمة وغامضة في دواخل الأفراد، وفي متاهات العلاقات التي تبدو غامضة وسرية أحياناً وغير مفهومة.. هناك، بين هذه الدواخل ارتباطات وعلاقات لها أسماؤها طبعاً مثل الأسرة، والصداقة، والعلاقة، والقرابة، والجيرة. ولكن هذه كلها أسماء لعلاقات سرية وعميقة بين ما يستتر داخل كل فرد وبين المجتمع الذي يحيط به، ابتداءً من المجتمع الصغير إلى المجتمع الأكبر.. الخ« (حوار مع ماري الياس، 1996). هذا الوعي لوجوه الحياة هو ما يكمن وراء العديد من أعمال ونوس، لكن هذا الوعي يتحول هنا إلى مبضع جراح يعمل على إزالة الدمل الكبير الذي يشوّه الجسد والروح، ولا يتورّع عن فتحه والإيغال في ما وراءه تشريحاً وتمزيقاً، وصولاً إلى جذوره وأساساته. إن »الحفيد«، بما يمكن أن يحيل عليه من وعي وارتباك وضياع للهوية تحيل كلها على الجيل الراهن هو الشخص المؤهل، كما في عدد من نصوص ونوس، لكشف السر الدمّل العائلي الذي »يتستر عليه الجميع« فهو يحس أنه لن يستقر في اسمه وهويته إلا إذا كشف الدمَّل وفقأه. وليس عبثاً أن يظل »الحفيد«، بلا اسم، طوال المسرحية، كإشارة ربما إلى عدم كشف الدمّل كاملاً. وعلى رغم أن »الحفيد« ليس شخصية من الشخصيات الأساسية التي تتحرك في صلب العمل وتحركه، فإن دوره القائم على الكشف والتعرية ولملمة الخيوط ينطلق من كونه شخصاً يحمل إرث العائلة وهمومها وإشكالاتها، كما أنه ابن لاثنين من ضحايا هذه الإشكالات هما (ليلى وشامل)، وشاهد على ما آلت إليه جدته (سناء) هذه الشخصية التفجيرية، وشاهد أيضاً على ما آلت إليه خالته (سلمى) وخاله (سرحان) وخاله (عدنان). أما الجد (عبد القادر الطحاوي) فيتركه في أعماله ومصالحه التجارية غير آبه بما آلت إليه شؤون العائلة وأفرادها. زمن الفرنسيين تجري أحداث المسرحية في زمن الفرنسيين في لبنان. لكنها لا تلتفت كثيراً إلى حضور الفرنسيين وتأثيرهم، بل تجعل من هذا الحضور خطاً من الخطوط التي تؤثر في البؤرة المركزية التي تجري فيها الأحداث وتنطلق منها أو تعود إليها. وهذه البؤرة هي بؤرة العائلة المكوّنة من (الأب عبد القادر) و(الأم سناء) والأبناء الأربعة.. وتبدأ القصة من مشهد/ فصل الأرق والتطيّر الذي تظهر فيه سناء مع »المرأة« التي تحاول إقناعها بالالتقاء ب(حبيب الشمالي) الذي يعشقها فتبدو سناء خائفة من هذه الخطوة، فهي بعد ثلاث وعشرين سنة من الزواج، وقد بلغت السابعة والثلاثين من العمر، تخشى أكثر ما تخشى الفضيحة، ولكنها أيضاً تحب أولادها وتشعر بحاجتهم إليها، وخصوصاً صغراهم (ليلى)، أما زوجها فهو كما تقول لها المرأة قد بات بعيداً عنها و»لا يلمس وجودك إلا وقت شهوته أو حاجته« (وهنا نشعر بأن »المرأة« ليست سوى صوت الأنثى الداخلي الذي يدفع سناء إلى أن تعيش ما تبقى لها من سني شبابها مع شخص يحبها ويفجر طاقاتها). وللتعرف إلى شخصية عبد القادر، يقدمه لنا الكاتب في مشهد/ فصل التمدن والرقي، حيث يقيم الأبناء احتفالاً يجري فيه خلع الملابس القديمة (السترة العصملية، القمباز، متيان التخلف..) وتقديم ملابس حديثة من قبل سيد الخياطين في بيروت. ولكن الأب يرفض خلع الطربوش فيجمع بينه وبين الملابس الحديثة رافضاً القبعة/ رمز التمدين وعلامة التمدن. فيعقد المؤلف فصلاً للمفاخرة بين القبعة والطربوش تؤديه فرقة الأراجوز التي تضم، إضافة إليه، الصبية والشاب عازف الهارمونيكا، حيث الصبية ترى أن الطربوش »لباس تركي يقمع الرأس و.. يحجب التفكير«، فيما يرى الأراجوز أن »الأفكار الإسلامية لا يصونها إلا الطربوش.. تحت القبعة تفسد وتبوخ«. وحين تعجز ليلى عن أن تحدث ابنها (الحفيد) عن علاقة والديها في الفراش، تتقدم خالته (سلمى، التي كانت تحب أن تدعى »ساما«، وهي تبالغ في تمدّنها، وتكره التزمت) فتشرح له ما كانت تسمعه وهي تتلصص على والديها، فترى أن في علاقتهما »شيئاً بهيمياً ومبتذلاً« ثم تصف له كل شيء (فصل الفراش الزوجي: الزوج يطلب من زوجته التمنّع والمقاومة ثم التألم والتوسل وإظهار الكراهية ووصفه بالوحش.. كانت تلك الأيام مخمورة، تترنح بالإباحة والشهوة. جاء السيد دي مارتل مفوضاً سامياً.. خطف عقول القوم، فخلعوا ما بقي من التقاليد والقيم القديمة.. إلخ). بعد هذه المقدمات، تأتي صورة من صور الفساد في مشهد نرى فيه (سرحان) مع (عصمت الملقب بالبوري) و(سونيا) يقودانه في طريق الدعارة والحشيش. وبعدها إضاءة على (سلمى) التي قررت أن تتكلم بالفرنسية وألا تستعمل العربية إلا مع الخدم.. فقد التقت الشاب المتمدن الميسور الذي تصبو إليه. ثم ندخل فصل »الارتباك والحب« في بيت الخياطة نورا الذي سيجمع (حبيب الشمالي.. الرجل الوسيم في الخامسة والأربعين من عمره) و(سناء) في مشهد غرامي نلحظ فيه ارتباك سناء التي لم تعرف الحب من قبل، وهو يغريها بأن تحزم أمرها وحقيبتها وتلتحق به، لكنها لا تعده بشيء. وتمهيداً لما سيحدث في الفصول اللاحقة، يأتي فصل »جريمة العصر« لتقديم فرقة الأراجوز في قصة تمثيلية عن »جريمة العصر التي روّعت بلاد الشام«، وهي قصة تُقْدِم فيها صفية الحافي على قتل زوجها رفقي الغازي من أجل الاختلاء بابن أخيه الشاب الذي يجد نفسه ضائعاً بين أطايب الجنة التي منحته إياها صفية وبين حنظل خيانة عمه العجوز. فهي من جهة قصة عشق وغرام، ومن جهة ثانية تحمل قدراً من الخيانة. وبعد أن يقدم الأراجوز القصة، يطلب من جمهور المتفرجين المساعدة في الحكم. وإذا كانت (سناء) سوف تترك بيتها وتلتحق ب(حبيب)، فإن قصتها تختلف عن قصة »جريمة العصر«، ولكنها تلتقي معها أيضاً في جوانب هامة، فكلتا القصتين تنطوي على ما يدعى ب»الخيانة«، هذا المفهوم الذي يُنظر فيه عادة من زاوية محددة هي زاوية القيم السائدة، وليس من زاوية حاجات الإنسان (المرأة تحديداً) والعواطف النبيلة.. إلخ. ولهذا، فبعد أن تهجر سناء بيتها، ينقسم أفراد العائلة في توصيفهم لما جرى وردة فعل كل منهم تجاهه.. حسب وعيه ومصالحه وآثار الفعل عليه، وهذا مما يميّز شخصية عن أخرى. عالم الدعارة كانت (ليلى) هي أول من تلقى الصدمة حين اختارتها أمها لتخبرها بما تقدم عليه، ولهذا كانت ردة فعلها أنها أصيبت بالخرس، فارتبط لسانها وظلت كذلك إلى أن تزوجت من الجندي الطيب (شامل) الذي أحبها برغم عاهتها، وكان أحد الوطنيين ضد فرنسا، وهو صديق عدنان أيضاً. وبينما كانت ردة فعل الزوج/ عبد القادر غضباً وتشهيراً بزوجته، ثم فصلاً لشراكته مع أخيها (وكان زواجه منها جزءاً من صفقة وتمتيناً لشراكة تجار)، كانت ردة فعل سرحان وسلمى الغرق في عالم الدعارة والتهريب، وأما عدنان الدركي، فقد حاول أن يجد السلوى والنسيان مع العاهرة سونيا، ولكنه حين يعرف مكان إقامة أمه يفاجئها بالمسدس راغباً في قتلها، ولا يجرؤ على أن يطلق ويهرب إلى سونيا ونفاجأ به يضع المسدس في فمه ويطلق النار. وفي ما بعد، ترتد سلمى عن حب الفرنسيين إلى حب لبنان والهديل بالدارجة الللبنانية. وحين ننتقل إلى بيت سناء وحبيب، نجدهما قد استنفدا الحب وأخذ حبيب يغار عليها فبنى سوراً عالياً حول البيت، فتحولت الحدائق إلى سجن، وراحت سناء تذوي إحباطاً وخوفاً، بعد أن أفرغها الرجل من كل ما لديها، فلم يعد لديها من أمنية سوى أن تموت وتُدفن في الشام، بلدها الأصلي (لن نتوقف عندما يمكن أن يحيل عليه زواج سناء الشامية من عبد القادر اللبناني، وما تشير إليه نتيجة العلاقة بينه وبينها، وبينه وبين عائلتها ممثلة مع أخيها التاجر، فهذا أمر يتطلب قراءة خاصة). في الفصل الخامس والعشرين (الأخير) تعود فرقة الأراجوز لتقدم ما يمكن اعتباره »خلاصة« العمل، حيث ليلى تقوم بدور الصبية في الفرقة فتطلب من ابنها الشاب (الحفيد) أن لا ينسى يوم 29 أيار 1945.. اليوم الذي استُشهد فيه والده دفاعاً عن البرلمان الذي كان الفرنسيون يسعون إلى احتلاله.. ذلك اليوم الذي غدا فيه يتيماً، وانعقد فيه لسان ليلى مرة ثانية.. وفي النهاية تأتي أسئلة الشاب (الحفيد) عما إذا كانت جدته في حاجة إلى الغفران، ويجيب هو نفسه »لا.. لم أفكر في مسألة الغفران، ولا أعتقد أنها ضرورية«. النزعة الأدبية ينتهي نص المسرحية من دون إدانة صريحة أو غير صريحة لما قامت به سناء، في الوقت الذي نجد فيه جميع شخوص المسرحية، باستثناء ليلى وشامل و(عدنان نسبياً) في موقع الإدانة الكاملة أو الجزئية.. فالحقيقة التي يبحث عنها الحفيد »إبرة ضاعت في مزبلة«، ومن المستحيل العثور على إبرة في مزبلة. هذا كل ما يمكن للعمل الفني، أي عمل فني، أن يقرّره بعد رحلة بحث قاسية وصعبة، حيث يتعذر أن يكون الفن منصة لمحاكمة البشر وسلوكاتهم. قد يتعاطف المؤلف مع بطل من أبطاله في جانب معين فيظهر تعاطفه هنا، ولكنه معني أساساً ببناء الشخصيات بناءً مقنعاً وقوياً يبرز تناقضات الإنسان من خلال بيان رغباته وحاجاته وشهواته وأخطائه وخطاياه. فما من إنسان »كامل الأوصاف«. إن الكثير من القيم يعاد تشكيلها في مسارات الحياة اليومية وليس ضمن أحكام مسبقة. فالحق والواجب والخير والعدل، كلها قيم مجردة، لا تبدو أهميتها إلا حين تكتسب لحماً ودماً وسلوكات، عواطف وأرواحاً ونزوات.. الخ. ومهمة الفن هي رسم النماذج التي تكشف عن هذه القيم، عن مدى حضورها وغيابها. نماذج تكشف عن مصادر العذاب والشقاء بقدر ما تكشف من عناصر الحب والسعادة والفرح.. وهو ما يتطلب جرأة عالية ووعياً معمقاً لمعرفة الإشكاليات الأساسية وكيفية تعرية وتشريح عناصر الخراب والهدم، من جهة، وإبراز عناصر البناء والتقدم من جهة ثانية؛ الأمر الذي يكاد لا يخلو منه عمل من أعمال سعد الله ونوس (الأخيرة خصوصاً). وأخيراً، تجدر الإشارة إلى أمور هامة، أبرزها أمر يتعلق باحتفاظ نص ونوس هذا بنزوعات أدبية تتداخل والنزوعات الأساسية لمسرحة الحياة. صحيح أن الأدب يأتي في روح النص وليس في جسده، إلا أنه يبرز النزعة الأدبية في نصوص سعد الله عموماً.. حتى حين يطغى الحس المسرحي. الأمر الثاني يتمثل في الاهتمام البالغ باللغة، اهتماماً يرقى بها إلى شفافية عالية، وإلى مقدرة كبيرة على التعبير بأقصى درجة من الاقتصاد، حيث يختفي الإنشاء المجاني وتحل لغة شديدة الشعرية، لغة مصوغة بدقة ووعي قلما ترقى إليهما لغة كتّاب العربية بما تمتلكه من جماليات.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة