As Safir Logo
المصدر:

ذكرى.مائة عام على ولادة الكاتب اللبناني جورج قدوم الشاعر الطبيب الفيلسوف المتصوف العروبي الذي طوى المهجر سيرته ونبوغه

المؤلف: صقر يوسف التاريخ: 1997-04-04 رقم العدد:7659

طبيب نفساني، وفيلسوف روحاني، طبّه كهنوت، وفلسفته عمل. شعاره في الحياة: »رايتي الشمس، وطني الكون، ديني الحب، أسرتي البشرية«. قدّس المرأة مؤمناً بأن أسرار الألوهة متجسمة في قلبها. ومَن لا يحب المرأة لا يعرف كيف يحب الله. حول هذه الأفكار تمحورت عقيدة الدكتور جورج قدوم ابن »الكفر« القرية اللبنانية المتواضعة في وسط بلاد جبيل والكفر قرية ترتفع عن سطح البحر 450 متراً، عدد منازلها لا يزيد عن الخمسين منزلاً، وسكانها الأربعمئة نسمة هم من الطائفة المارونية. فيها بناء لدير قديم على اسم القديس جاورجيوس، يرجع تاريخه إلى القرن الخامس عشر، كان مقراً للبطريرك دانيال الشاماتي. في هذه القرية الصغيرة أبصر الدكتور قدوم النور في العاشر من آذار 1897، وتحت سنديانتها العتيقة تلقى دروسه الأولى، ومنها انتقل إلى مدرسة الفرير في مدينة جبيل، فأحرز الشهادة الثانوية، ومن ثم التحق بالجامعة اليسوعية في بيروت بهدف دراسة الطب، فأمضى فيها نحواً من سنتين، اضطر بعدها إلى التوقف والغياب عن الأنظار لاجئاً إلى جبل الدروز، بسبب الملاحقات التي تعرض لها، وقيل إن حكماً بالإعدام صدر بحقه آنذاك. وكان في أثناء دراسته قد انتسب إلى حركة اللامركزية وهي حركة سياسية مناهضة للعثمانيين، انجذب إليها العديد من الشبان الأحرار الذين استهوتهم القضية العربية واستشهد البعض منهم. وفي أعقاب العام 1917 التحق بالملك فيصل الأول وعمل معه في العقبة ومعان والطفيلة والكرك (من أعمال الأردن) ولبث في خدمته حتى دخول الجيش العربي دمشق، والمناداة به ملكاً على سوريا. قصتان وفي معلومات جديدة عن حياته الخاصة، رواها لي الأب فيليب الحاج صعيبي (رئيس الرسالة المارونية في الأكوادور) نقلاً عن المهندس هندل قدوم (ابن جورج قدوم) الذي كتب مقالة عن والده سنة 1988 (بعد مرور 30 عاماً على وفاته) جاء فيها: »ان والده كان متكتماً في شؤونه الخاصة، ولكن هناك قصتان كتبهما باللغة الإسبانية والبرتغالية وهما: »ما حدث لأدوناي« و»عماد الألم« روى فيهما سيرة حياته الشخصية«. وقال: »بعد نهاية الحرب العالمية الأولى عاد أبي إلى قرية »الكفر« فوجد أن والده وأخاه الأصغر سليماً وشقيقاته الثلاث هاجروا جميعهم الى الأكوادور بعد أن رهنوا كل ممتلكاتهم التي استولى عليها صاحب »الرهينة« ظلماً.. وإذ لم يجد واحداً من أنسبائه ممن تربطه بهم روابط المحبة والقربى، قرر الهجرة من لبنان، من دون أن يحدد الوجهة التي هاجر إليها، ولكن المرجح، بل من المؤكد، أنه هاجر إلى فرنسا وانتسب إلى جامعة ليون الطبية. فأمضى فيها عامين على وجه التقريب، تخرّج بعدهما طبيباً. والدليل على ذلك يضيف هندل أنه لما وصل إلى الأكوادور في العام 1924 كان يتقن الفرنسية كتابة ومحادثة علاوة على اللغة العربية، وفوق ذلك كان متضلعاً بالطب النفسي والايحائي والتنويم المغناطيسي«. وحين وصل الدكتور قدوم إلى غواياكيل كانت صحته منحرفة وضعيفة، فأشار عليه الأطباء بترك هذه المدينة الساحلية والإقامة في المناطق الجبلية للراحة، وتحديداً في مدينة امباتو، فيما رحل والداه الى البرازيل حيث قضيا فيها حياتهما. وفي امباتو تحسنت صحة الدكتور قدوم، فأقدم على الزواج من خوانا عواد برسيونا (من حصرون أصلاً) وأنجبا أولادهما الخمسة: فيوليتا، خورخي، أزيكي، هندل، واغنر (الذي توفي 1977) ونانسي. وفي أثناء إقامته في »أمباتو« كرّس قسماً من أوقاته للرسم، والتصوير الزيتي، والكتابة؛ وكان من هواة الموسيقى والعزف على الكمان، في تلك المدينة ترجم لأول مرة »الأجنحة المتكسرة« لجبران خليل جبران، و»حواء الجديدة« لنقولا حداد. وفي العام 1936 قصد العاصمة »كيبتو« حيث المجال أوسع وسكن فيها مع عائلته، وهناك في »كيبتو« أنشأ مجلة تصوفية دعاها »أنا هو« (Yo Soy) وكانت ترسل إلى الخارج. وفي العام 1943 أسس مع بعض الأدباء نادياً أدبياً سماه: المركز الثقافي العربي، وكانت لسان حاله مجلة »الواحة« (Oasis) التي صدر منها 16 جزءاً فقط. كتب وفي العام 1940 نشر كتابه الأول: »السلطات« تحت اسم مستعار: الساحر خيفا (Mago Jefa) وهو مأخوذ من حروف اسمه الأولى (Jorge Elias Francis Kaddoum). ثم أتبعه بكتاب »مفاتيح الملكوت الداخلي« في العام 1941، وأصدر كتاب »ادوناي« (Adonay) في العام 1942 وأصدر كتاب »عليقة حوريب« (La zaza de Horeb) في العام 1943، وأصدر كتاب »عيش المعيش« (Revovir lo vivido) في العام 1945. وفي العام 1946 وكانت شهرته قد ذاعت وشاعت في مختلف بلدان أميركا الجنوبية، استدعي الى التشيلي لإلقاء بعض المحاضرات والأحاديث، فاغتنم فرصة وجوده في تلك البلاد لنشر كتابه التاسع: »شعب ألف ليلة وليلة«. وطابت له الإقامة في تشيلي لأن الناس فيها يقبلون على قراءة كتبه أكثر من الأكوادور. ومنذ ذلك الوقت حتى وفاته عام 1958 عاش الدكتور متنقلاً من بلد الى آخر، محيطاً تنقلاته بإطار من السرية التامة، حفاظاً على الهدوء والانضباط العام. وقد حدث مرة أنه أخبر سهواً عن الفندق الذي سينزل فيه لدى زيارته ليونس ايرس، حتى فوجئ بعدد كبير من المرضى آتين إليه على أسرّتهم وكراسيهم، فاكتظت بهم صالات الفندق وأروقته وساحاته، ما اضطر الادارة الى دعوة رجال الأمن والطلب الى الدكتور قدوم مغادرة المكان فوراً.. وكان الدكتور قدوم يعالج مرضاه من دون أن يتقاضى أي بدل. وكان يشفي أمراضاً مستعصية بوصفات غريبة، كأن يمشي المريض المصاب بالربو مثلاً حافياً على العشب قُبيل الصباح، كما كانت له وصفات لشفاء القرع ووجع الرأس، ولغيرها من الأمراض، مستخدماً الوسائل الايحائية والنفسية. كان الدكتور قدوم طويل القامة، رشيقها بالرغم من كونه بديناً، يمشي بمهابة ووقار، أنيقاً في لباسه، ثاقباً في نظره. يتكلم بتؤدة وبصوت خافت ومفهوم، يجيد من اللغات: الفرنسية والبرتغالية والإسبانية علاوة على العربية، وهو محدث لبق وبليغ في آن معاً. يمزج الجد مراراً بالمزاح اللطيف حتى الضحك. والغريب في أمر هذا الطبيب أنه لم يمارس مهنة الطب التي تعلمها، بل مارس العمل التجاري، علماً بأنه لم يُخلق لهذا النوع من العمل. كان يشعر بأنه وجد كي يكون فيلسوفاً يؤدي للعالم رسالة روحية. إن طب الأرواح والنفوس هو أفضل من طب الأجسام والأبدان، وأيقن أن الإنسان يحيا بروحه وليس بجسده. ويُروى عنه على سبيل النكتة أن ربحه الصافي في التجارة بلغ عشرة ريالات فقط في مدة ثماني سنوات. وجلّ ما توفق أنه ابتنى بيتاً خاصاً له، ولكنه لم يهنأ طويلاً بهذا البيت، إذ انقض عليه الزلزال ودمره، إلا أن فرحه بنجاة أسرته التي كانت متغيبة عنه خفف من حزنه عليه. وقد بعث له في المناسبة وليم صعب صاحب مجلة »البيدر« بالأبيات التالية: ما دُهشت اليوم لما قيل لي بيت قدوم تداعى وانحنى إنما الأمر الذي أدهشني أن يعافى الأدب كما عنى أي أخي بالروح والآداب ما قام للشاعر من صخر بنا لا تخف من هدم بيتٍ زائلٍ غير بيت الشعر لن يبقى لنا فرد عليه الدكتور قدوم بقوله: دغدغ الزلزال بيتي فانحنى هكذا نبني بيوتاً للفنا فلذا بالحب أبني منزلي جاعلاً من كل قلب مسكنا فأنا من أزلٍ في أبدٍ كل شيءٍ زائل إلاّ أنا هذه الأنا الآتية من الأزل والذاهبة في الأبد، تذكر بالأنا التي تحدث عنها حكماء الهند والسهروردي والحلاج والبسطامي ورابعة العدوية والجنيد وابن عربي وغيرهم من الشعراء الصوفيين الذين رددوا كثيراً في شعرهم ونثرهم كلمات الحب والوجد والفناء. إن جميع مؤلفات الدكتور قدوم طغت عليها النزعة الصوفية التي تستمد موضوعاتها من الشرق من مذهب روحاني، انتمى إليه وبلغ فيه رتبة المعلم، وهذا المذهب يطلق عليه مذهب الهيكليين، فطارت شهرته في افق العلوم والفلسفة، وخطب ودَّه كبار المفكرين في الأميركيتين، وزاد في شهرته أن تحول من الطب الجسماني الى الطب الروحاني وراح يعالج مرضاه بوسائل الإيحاء والتأثير، وبقوة المنطق والارادة، فعُرف بالطبيب الفيلسوف الزاهد المتصوف القريب من الله، والمتّحد به تربطه به علاقة حميمة، يحاوره في أي وقت، ومتى شاء، في أي زمان ومكان. وهو يؤكد دائماً، وفي أي مناسبة، أنه موجود في حضرته تعالى، فلا هو يقدر على الابتعاد عنه، ولا هو بدوره يمكنه الافلات منه، وهو هنا يذكرنا بالحلاج (858 922) القائل: »سبحاني.. ما أعظم شاني«. ليس في جبتي سوى الله..أنا الحق. كما يذكرنا بالسيد المسيح القائل: »أنا هو الحق والنور والحياة«. حوار مع الله وفي أحد حواراته التي »أجراها« مع الله جل جلاله طرح الدكتور قدوم على سيد المخلوقات السؤال التالي ونلاحظ هنا الأسلوب الذي اعتمده، وهو أسلوب جبران خليل جبران في كتابه النبي. قال: هل لك يا أبتاه أن تحدثني بشيء جديد أنقله إلى الناس؟ أنا أكره الحديث والتحدث، أنا أحب العمل. الكلام للإنسان، وأنا لست إنساناً. أذكر ذلك لتوفر على نفسك المر الخيبة. كانت لغتي ولا تزال واحدة لا تتغير ولا تتبدل، ويمكنكم سماع صوتي وكلمتي في كل ثانية. كلمتي في الطبيعة، وصوتي هو العناصر. كلمتي هي الأشجار، والأحياء والربيع والصيف والشتاء والخريف، والبحر والحقل والجبال والسهول والصحراء والغابات، وصوتي هو المطر والثلج والبرق والرعد والعاصفة والصاعقة والهزات الأرضية والنسيم وعجيج الأمواج وأغنية الساقية، وألوان الغسق الخلابة، وظلام الليل وبزوغ الفجر، هذا هو صوتي وهذه هي كلمتي وكلكم الى الآن لم تفهموا لغتي ولن تفهموها أبداً. وعندما سأله: هل من شريعة أو طرق جديدة لإصلاح البشرية؟ أجاب: أنا أعرَف بكم منكم، أنتم تطلبون شريعة تخالفونها، ترغبون في طرق جديدة، وعندما أدلكم عليها ترغبون عنها، لتهيموا على وجوهكم، تبغون إلهاً، وعندما يعطى لكم تخترعون غيره، وهذا مرض مزمن فيكم. تضرّع اليهود لكي يذهب موسى ويفتش عني، وقبل أن يلقاني سكبوا لأنفسهم عجلاً ذهبياً ورفعوه على مذابحهم وعبدوه. إلى الآن ما زلتم كما كنتم وكلماتي تذهب سدى. جاثون على ركبكم وتقبلون الأرض، وكم نبّهتكم إلى أن التقبيل ينشر الأمراض بينكم لما عليها من الجراثيم والميكروبات، فلم تنتهبوا، وذلك كله لكي تخدعوني، كأني لم أر، وكأنني نسيت ما فعلتم بابني. طبّلتم له وزمّرتم يوم أحد الشعانين لتصلبوه يوم الجمعة. الأديان والسؤال الذي توجه به إلى الله كان عن الأديان وما رأيه فيها. وقال: الأديان؟ وأية علاقة لي بالأديان. ومتى أرسلت لكم ديناً؟ تخترعون الأديان ومن ثم تلصقونها بي كما ألصقتم بي خلق الشيطان. الدين هو حالة روحية، أما أنتم فقد جعلتم منه صناعة وتجارة ذات فروع عديدة، ألّفتم منها سياساتكم وأحزابكم وأوطانكم وشعوبكم وفلسفاتكم وآمالكم وشهواتكم، ثم تشهرون الحروب وتعلقون المشانق وتفصلون الرؤوس دفاعاً عن الدين، وباسم الدين. أنا لا أعترف بأي دين من الأديان. لقد أقمتم جيشاً من القديسين للشفاعات تتبرّعون لهم بالنذور التي لا تثمّن وتميتون إخوانكم جوعاً وعرياً، وهكذا أرى أنطونيوس الذي لم يعرف العشق قط شفيعاً للعاشقين، وكريستوف الذي لم يحلم بسيارة شفيعاً للسيارات، ويعقوب الذي لم يصفع أحداً عمره بطوله شفيعاً للحرب، وشليطا شفيعاً للدواب والحيوانات، وشينا الذي عاش لصاً ثم تاب عند موته شفيعاً للصوص. وبدون تفويض مسجل مني تقيمون أنفسكم محامين عني وعنهم فيسفك بعضكم دماء البعض الآخر. هذه أديانكم تدل عليكم. شعره وللدكتور قدوم مقالات متفرقة في معظم المجلات التي أنشأها شخصياً وبلغت ثلاثاً. وله عدد من القصائد العربية تشكل ديواناً لا تزال تحتاج إلى مَن يجمعها من بطون الصحف المهجرية، ومن نماذج شعره هذه الأبيات التي عارض فيها قصيدة الشاعر المهجري نعمة قازان التي مطلعها: يا صاحب العيد ماتت فكرة العيد وصار عيدك تقليداً بتقليد لم يبق من طعمة الميلاد وا أسفي غير الهدايا وغير الكاس والعود إشارة إلى أن فكرة عيد الميلاد أفرغت من مضمونها ومعناها، فرد عليها الدكتور قدوم بقوله: يا صاحب العيد ما شاركت في العيد إذ صرت والعيد من بعض التقاليد ما »بيت لحم« سوى الإنسان لو علموا ومذود المرء قلب عجّ بالدود حللت فينا لتجديد الحياة بنا فالروح بالله تجديد بتجديد »المجد في الله« نودي في السماء بها والناس في الأرض قالوا غير موجودِ صاح الملاك (على الأرض السلام) لكي يسود سلمك بين العبد والسيدِ واليوم دقت طبول الحرب قائلة السلم في الأرض مرهون بتجنيدِ إن كنت في القلب لم تولد فوا أسفي يظل عيشك تقليداً بتقليدِ ولكي لا يظل عيشنا تقليداً بتقليد لا بد من أن نضطلع بالرسالة التي حملها الدكتور جورج قدوم من الشرق إلى الغرب، رسالة الحب الحقيقية التي ظل براً بها حتى النفس الأخير من حياته. يوسف صقر

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة