As Safir Logo
المصدر:

مسألة.في البحث عن علامات فارقة للمثقف العربي فحولة المثقف في زمن الهزيمة(صور)

المؤلف: الربيعو تركي علي التاريخ: 1997-04-04 رقم العدد:7659

في رأيي أن الكتابة عن فحولة المثقف العربي في زمن تغيب عنه الفحولة ويسود فيه المخصيون والمهرولون، على حد تعبير نزار قباني، في زمن تسقط فيه أقنعة الزيف والفحولة عن وجوه ممن تبجحوا فيها وتبختروا كديك رومي يحلو له الصفير، عن تلك الوجوه التي جعلت من الفحولة عنواناً ورمزاً للثورية والثورة والتي انتكست على عقبيها في زمن الانهيارات الكبرى ووقفت مبهوتة وعاجزة ومشلولة في زمن الانتصار الإسرائيلي نازعة عن وجهها كل الهالات والبراقع وأقنعة الفحولة التي رسمها المتنكرون معلنة أن لا حول لها ولا قوة. إذا كان عليَّ أن أوضح دافعي إلى الكتابة عن فحولة المثقف العربي، فهو ما قرأته مع بداية هذا العام 1997 عن فحولة مثقف عربي معروف وقفت عاجزة ومشلولة أمام واقع الهزيمة وضالة، ولكنها سرعان ما اهتدت إلى الطريق، طريق الفحولة الجنسية الصرف بدلاً من التيه في متاهات الفحولة الثورية، وسوف آتي على ذكرها بالتفصيل لاحقاً لنستخلص منها الدرس أو الدروس ما أمكن؟ لن أتساءل عن مدى تشدق المثقف العربي بفحولته الأسطورية ولا عن إرثه التليد في هذا المجال الذي لما يزل لينهل منه رؤياه وتصوراته ومنطق فحولته الذي تحول على يديه إلى قوة آمرة وفعل تحقق بحيث ما أن يصفق بيديه حتى تحظر شهرزاد لتروي وتسرد له سيرة أجداده الأولين أولئك الذين حبتهم الآلهة بطاقة جنسية توازي طاقة مئة رجل أو أكثر لتمكنهم من افتضاض البكارى ومعاشرة النساء. كذلك لن أتساءل عن سر هذه الفحولة خصوصاً أن الحضارات العظيمة على حد تعبير ميشيل فوكو الذي يموضع حضارتنا العربية الإسلامية بينها تجعل من الفحولة سراً وحقيقة لا يُكشف عليهما إلا من خلال الممارسة. وهذا من وجهة نظر ميشيل فوكو طريق يختلف عن طريق المسيحية التي جعلت من الزهد الجنسي طريقاً إلى اكتشاف الحقيقة، ولم تعترف بمكان للجنس إلا غرفة الأبوين، وبحسب تعبير فوكو في »إرادة المعرفة«(1). وسواء أكانت هذه الفحولة وهماً يضاف إلى مجموع أوهام المثقف أم حقيقة، فإن ما يعنيني منها هو ذلك التحول الذي يطالها والذي يفرض على ليبيدو المثقف إن جاز التعبير أن يأخذ مساراً وهمياً وتعويضاً جنسياً صرف بدلاً من المسار الحقيقي له. غرفة المصادفة الأرضية قبل أن أدلف إلى رواق شقة الحرية في لندن، وهو غير »شقة الحرية« العائدة للشاعر والروائي غازي القصيبي لأروي من خلالها وعلى لسان بطلها أحداث تلك الليلة الألف ليلية، ليلة تضاف إلى ليالي »ألف ليلة وليلة« وخاصة تلك الليالي المضمرة بجنسانية مكشوفة والتي تسهب في الحديث عن دب أو قرد كان يغشى ابنة أحد الأمراء حتى الإغماء، وقد تجعلها أكثر متعة وأكثر لذة، على حد تعبير رولان بارت أو قد تبدو نشازاً عن تلك الليالي بعنجهيتها وغرورها وادعائها. وبذلك تدشن لعهد جديد من الكتابة، بصورة أدق لكتاب جديد يضم بين دفتيه »ألف ليلة وليلة« تسرد لنا سادية وفحولة المثقف العربي والثوري العربي في زمن اللافحولة هذا إن جاز التعبير الزمن الذي يتحول فيه المثقف العربي إلى سارد يسرد لنا خوالي أيامه ومعاشراته معلناً بذلك عن توحده مع شهرزاد وافتراقه عنها في آن، فإذا كانت شهرزدا قد اهتدت إلى السر الذي يؤخر الموت الذي يجسده سيف السياف مسرور، فإن المثقف يفترق عنها، فهو يهتدي إلى سر مغاير، حيث يمارس فحولته في زمن الهزيمة ظاناً بذلك أنه سوف يبعد شبح الموت عنه وعن مجتمعه المتخثر منذ زمن بعيد. وأعود إلى القول والعود أحمد كما كانت تقول العرب إنني قبل أن أدلف إلى فحولة نهايات القرن أجد نفسي أعود القهقهرى إلى تلك الأيام الخوالي من نهاية عقد السبعينيات، إلى رواية الروائي المصري مجيد طوبيا والموسومة ب»غرفة المصادفة الأرضية« التي كتبت وفق ما سماها أحدهم بالقاعدة الذهبية والتي مفادها أن الموقف من المرأة يحدد الموقف من الإنسان ومن المجتمع ومن الوجود بأسره. بطلة الرواية فتاة جامعية محسوبة على اليسار الثوري واسمها »مهجة«، والرواية تحكي قصة مهجة مع ثلاثة ذكور يريدونها عارية، ثلاثة لهم باع طويل في اصطياد الأنثى، تؤازرهم في فنهم هذا عراقة تقاليد لها من العمر آلاف السنين، والثلاثة هم بالتتالي مثقف ثوري متقاعد يعيش في عاصمة عربية (القاهرة) ومدير شركة في القطاع العام للدولة وأديب كاتب يدعى »أديب« لما يزل حبيس تصوراته الجنسانية عن المرأة والعالم (الجنسانية هي ارتباط الجنس بالمعرفة والسلطة والقمع، كما يعرفها ميشيل فوكو). الثلاثة على اختلاف مقاعدهم تجمعهم رؤية شهوانية ومتخلفة عن الأنثى، ولذلك يمكن القول إنهم ثلاثة في واحد. إن الثوري والراديكالي والمثقف وليد (اسمه بالرواية) وأقول المثقف تمييزاً له عن الكاتب أديب البطل الثالث في الرواية، وليد المتخم بمتعه وعواطفه الداعرة والذي يحظى بامتيازات أمبراطور داخل العاصمة التي اغتالت الثوريين كغيرها من العواصم العربية، يرخي العنان لمتعه بعد الاستقالة من الثورية. إنه يعيش في المنفى حيث لا مكان للثورة وحيث على الثوروية أن تغير مسارها باتجاه اللذة الصرفة. إنه يحظى ب»مهجة« صدفة، يدعوها إلى شقة الحرية فتجيبه، وهذا ما يسرها، فشرف اللقاء بهذا الثوري لا يعادله شرف. وفي الشقة تفاجئه بطلبها التحدث معها عن قضايا الشباب والتحرر الوطني ولكنه سرعان ما يفاجئها بقوله: لا يصح على الرجل العاقل أن يخالف امرأة جميلة في أمور تافهة كأمور السياسة أو أن يغضبها من أجل قضايا مملّة كقضايا التحرر الوطني وثورات الشباب والجنس وما شابه؟«. إنه لا يمل ولا يكل في الإعراب عن رغبته بممارسة الجنس معها ولكنها ترفض ذلك باستمرار، وفي المرة الوحيدة التي تستجيب فيها لرغبته سرعان ما تكتشف زيفه. فهي لا تجسد على صعيده إلا لحظة من لحظات ذكوريته المتعجرفة والمتسلطة والتي يفصح عنها وليد بقوله: صرت أقبل كل جسدها. قررت أن أمنحها تجربة لا تنساها لتظل لصيقة بي أكبر فترة ممكنة. لذلك طبقت معها كل ما خبرته في تجاربي السابقة مع النساء من أفانين إعداد المرأة للمطارحة. ثم رحت أتأمل وجهها للتأكد من ثمرة حنكتي، فوجدتها وقد جهزت تماماً وحان قطافها محمّرة الوجنتين، متأججة العينين. وكنت في عنفوان استثارتي، وهرمونات ذكورتي في أوج نشاطها، وقررت أن أهم بها عندما سمعتها تنطق بطلب عجيب، لم يحدث لي ولا لأي رجل من قبل.. سمعتها تقول: »أريد سيجارة.. أحب أن أدخن سيجارة الآن«.. ونهضت والتقطت سيجارة وجلست تدخنها، وهي تراقبني ببرود.. شيء مجنون! هل تظن أن عندها بروداً جنسياً؟«. هذا ما يرويه وليد المثقف الثوري عن شذوذ مهجة وبرودها في مقابل ذكوريته النشطة، ولكن مهجة ترد عليه بالقول »إنني بمجرد أن أحسست بمحاولة إثباتك لشدة رجولتك حتى انسلخت عنك مدركة أنك لا تنوي ممارسة الحب معي بقدر ما تنوي تأكيد مهارتك وتفوقك.. كنت كمن يريد أن يثبت لي أنه خبير نساء.. لذلك لم أكن معك وكنت أنت وحدك.. فقدت الرغبة فيك، وصرت أنت عبئاً من فوقي وصداعاً في رأسي، وعندها طلبت منك السيجارة«(2). نهزم الغرب جنسياً من وليد المثقف والثوري إلى حسين أحمد أمين في مقالته الموسومة ب»نحن والغرب والهزائم في سلوك المثقفين: لا راد لقضائهم في تحديد خياراتنا«(3) والرؤية للأنثى هي نفسها وكذلك الممارسة الجنسية، فالممارسة هي ولوج وسيطرة وساحة لممارسة تفوق، بحسب تعبير ميشيل فوكو. ولكن هذه المرة وفي مرات عديدة تصبح علامة فارقة للمثقف ودلالة على عجزه، فالممارسة تنتهي في أحضان الثوري المتقاعد إلى عجز عن الممارسة، وعند المثقف المعاصر إلى وسيلة للهروب يستقي منها المثقف ومن لاوعيه تعويضاً جنسياً يعوّض به هزيمته أمام الغرب الذي يهدد بالخصاء كما يقول جورج طرابيشي في كتابه »المثقفون العرب والتراث«. هكذا تتحول العلاقة مع الغرب من صراع حضاري إلى منازلة من نوع آخر؛ فالغرب يسيطر علينا حضارياً وثقافياً، ونحن نهزمه جنسياً على صعيد الواقع كما يفعل حسين أحمد أمين أو على صعيد المتخيل الروائي كما يفعل طه حسين في روايته »أديب« وتوفيق الحكيم في »عصفور من الشرق« والطيب صالح في »موسم الهجرة إلى الشمال«. في الحقيقة أن حسين أحمد أمين في شقة الحرية اللندنية يرث الحقيقي والمتخيل في آن لينتقم من الغرب المستعمر من خلال فتاته اللندنية وهو يسبق بكثير تلك النماذج الروائية في »عصفور من الشرق« و»موسم الهجرة إلى الشمال«، النماذج التي ظلت جامدة وببغاوية كما هي حال »محسن« بطل »عصفور من الشرق« مع الشقراء الجميلة الباريسية سوزي، والذي يتوسط طائر الببغاء ليقول لها أحبك. ويغلق الباب على نفسه ويبدأ بالقفز والهياج ويخبط جبهته بكفه عدة مرات، يحس انه عاجز عن الفعل وهو الذي يحركه دافع الفعل، وعندما تدخل صديقته اللندنية بولين التي كانت على موعد معه سرعان ما يهتدي إلى الحل. يقول حسين أحمد أمين: في السابعة وصلت بولين ووجهها متهلل وباسم كالعادة، لم تكن قد سمعت الخبر بعد، وكانت تكره السياسة كراهة التحريم، فإن حادثتها فيها سكتت صابرة. ويبدو أن أول ما دار بخلدها حين سمعت مني الخبر أنه لا أمل في وقت طيب ذلك اليوم، فاستسلمت للأمر الواقع، وخلعت معطفها وجلست تستمع إلى دلالات ما حدث، وهي تعجب كيف يمكن لشخص أن يصفر وجهه وترتعش يده وأن يتأثر كل هذا التأثر لخبر سياسي خارج عن إرادته. وإذا بشيء غير متوقع البتة يحدث؛ كنت أنا أيضاً واثقاً من أني لن أجامعها ذلك المساء، غير أني ما سمعتها تتمتم، يا إلهي، كم أكره هذه السياسة »حتى غمرني شعور، قلت لنفسي صائحاً بالعربية »فليكن« وأشرت إليها أن تأتي لتجلس بجواري، ثم انتقلنا إلى الفراش، وجامعتها تلك الليلة، كما لم أجامع امرأة من قبل، جماع إنسان الغابة لأنثاه، كنت محض حيوان، وزاد من حيوانيتي كونها تنتمي إلى البلد المعتدي على بلدي«. لم تطلب بولين كما فعلت مهجة سيجارة، بل »كانت تصرخ وتضحك في آن واحد«؟! النص بالغ الدلالة ولا يحتاج إلى تعليق، ولكني سأسمح لنفسي بمباركة هذا التفوق على ابنة البلد المعتدي باعتبارها ممثلة الاستعمار! وطوبى لحيوانية المثقف ولفحولته في مسارها الجديد؟ الهوامش والمراجع (1) ميشيل فوكو، إرادة المعرفة (بيروت، مركز الانتماء القومي، 1990)، ص 28. (2) جورج طرابيشي، سقوط التصور الجنسوي للتاريخ، دراسات عربية، ص 157 170، العدد 8، حزيران (يونيو) 1979. (3) حسين أحمد أمين، نحن والغرب والهزائم في سلوك المثقفين، الحياة 15 كانون الثاني (يناير) 97. (4) توفيق الحكيم، عصفور من الشرق، ص 97 98.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة