As Safir Logo
المصدر:

مسرح.»بيت الدمية«لإبسن تعرض في لندن بإخراج بايج منحرف وحزين ودمث الأخلاق(صورة)

المؤلف: الخوري ميخائيل التاريخ: 1997-03-14 رقم العدد:7642

مع عرض مسرحية »بيت الدمية« لهنريك إبسن في لندن، من إخراج انطوني بايج، وصدور سيرة جديدة له من وضع روبرت فيرغسون، بعد سيرة سابقة من ثلاثة مجلدات وضعها مايكل ماير قبل ربع قرن، نتناول سيرة ذلك المسرحي الكبير وعرض مسرحيته، من خلال مقالة لبيتر كامب في »الصنداي تايمز«. وحده استطاع أن ينسف المسرح القديم وأن يؤسس لمسرح حديث قائم على الحوار الطبيعي، على الواقعية، على استخدام الرمز لإخفاء النور عن العمل، بحيث إن الصورة الظاهرة تنم عن وضع نفسي أعمق لشخص يعاني وضعاً مأسوياً، وأن يقدم للمشاهدين، بالإضافة الى ذلك، محتوى مسرحياً يتناول الموضوعات الاجتماعية كما في »بيت الدمية« و»الأشباح« و»البطة البرية«، ولا يستثني موضوعات الحب والدعارة والأمراض الجنسية والقتل الرحيم أي تجنيب المصاب مرضاً عضالاً لا يشفى من أوجاعه المؤلمة، من غير أن يبتعد عن الموضوعات الرمزية كما في »الباني المتفوق«. وإلى جانب ذلك كان هنريك إبسن لا يتردد في توجيه التعنيف الشديد لمن يتساهلون باللياقات والتقاليد الاجتماعية. لقد كان يعتبر أن عليه أن يكون معارضاً، ولكنه في الوقت نفسه يقبل الميداليات والتنويهات من السلطة. حيال هذا التناقض شعر مؤيدوه بالارتباك أمام التصرفات المحافظة من جهة والمواقف المعارضة من جهة أخرى. ويفسر كاتب سيرته روبرت فيرغسون هذا التناقض بالتناقض الكبير في أحداث حياته في سنواته الأولى ثم في سنوات النضوج. المتناقض والمعارض ولد سنة 1828 لوالد تاجر ناجح، لكنه أصيب بالإفلاس وابنه لا يزال طفلاً. فأدمن الوالد على الشراب، وهو الفقير الذليل. وفي سن الثامنة عشرة هرب الابن من هذا المناخ بأن قصد قرية صغيرة تبعد عن مسقط رأسه نحو 160 كلم حيث تبنى طفلاً غير شرعي من خادمة تكبره بعشر سنوات. نفقات الاهتمام بطفله كانت عبئاً عليه حتى كاد يواجه عقوبة السجن والأشغال الشاقة. مثل هذه الأفكار ظلت تطارده في وقت لاحق وخلفّت أثراً ظاهراً في مسرحية »الأشباح«. ومثل نورا في مسرحية »بيت الدمية« ترك هنريك حياته السابقة خلفه وقطع علاقاته بوالديه ورفاق شبابه وقصد عاصمة النروج سنة 1850، واستطاع أن يكسب الشهرة بمسرحياته التي تناول فيها موضوعات تاريخية عن شعوب الشمال، ثم قصد إيطاليا سنة 1864 بمنحة سفر، ولم يعد إلى النروج، قبل 27 سنة تجول خلالها في روما ودرسدن وميونيخ ناعياً على أبناء بلاده بخلهم، في حين أن دعمهم المالي له في الخارج ساعده على إنتاج روائعه المسرحية، ونال جوائز من الدولة وهو المعارض للسلطة. ولم تتوقف تناقضاته عند هذا الحد. ففي الوقت الذي كانت حياته اليومية رتيبة محددة، كان هنريك مجدداً في المسرح، يشجب فساد الرأسمالية في »دعائم المجتمع« لكنه لا يرفض جمع الأسهم المالية، ويكشف عن النفاق الجنسي في حين كان التغزل بالإناث يتزايد. كذلك بقي معارضاً حتى في لحظاته الأخيرة، حين كان على فراش الموت، وقالت الممرضة، رداً على سؤال، إن حالته الصحية أفضل من قبل، فبادر إلى القول باقتضاب: »كلا«. ثم أسلم الروح. بيت الدمية عند مشاهدة الرواية المسرحية ذات الإخراج الممتاز في عروضها الأخيرة أشياء مثيرة بحيث يكون المشاهد معها، أشبه بمن يشهد النحات وهو يتم التمثال للعرض بإضافة التفاصيل الدقيقة وتهذيب أطرافه. وهو كذلك حين يشاهد »بيت الدمية« لهنريك إبسن من إنتاج بايج وكأنه في محترف فنان. ذلك لا يعود إلى التمرين مدى أسابيع ولا إلى العرض بضع مرات؛ ذلك لا ينطبق على المسرحيات الصعبة أو المعقدة. ثم إن الإخراج لا يمكن أن يكون نهائياً من حيث الجودة. إذ ينبغي لكل عرض أن يكون أفضل من سابقه، فثمة مجال متواصل للتحسن؛ وهذا هو سر الانجذاب إلى المسرح. في هذه المسرحية تظهر طبيعة نورا غير مكتملة ككائن بشري؛ وهي كما مثلتها جانيت ماك تير امرأة طفلة، لعوب، ميالة إلى السذاجة المحبَّبة؛ على أن وراء هذه الظاهرة الطفولية مخلوقة جريحة، والدتها توفيت وهي صغيرة؛ أبوها المقاول أدخل في روعها الخوف الشديد، فكبرت ولا هدف لها إلا أن تسر الآخرين بحيث أصبح ذلك طبيعة ثانية فيها. لقد كانت حياتها ثمناً لذلك، لسرور والدها ومتعة زوجها. هنا يرى المشاهد أنها ابنة صغيرة تفعل ما تفعل لتبيّن للعالم ما تستطيع أن تفعله؛ هي تؤكد بأقوالها ان المطلوب منها هو تأمين السعادة الخادعة التي تزيل الإحباط عند الرجل وتجعله الآمر الناهي. المشكلة في ذلك هي أن العيش في مثل هذا الجو يعرض المرء للمبالغة بالحماية. نورا، كما تمثلها جانيت، كائن بشري غير مكتمل، لأنها تفتقر إلى الرؤية العامة الشاملة، ولا تستطيع أن تدافع عن نفسها بسبب افتقارها إلى الحكمة الدنيوية. نص إبسن أبرز هذا الجانب من نورا، في حين أن تمثيل هذا الجانب جاء مؤلماً بوضوحه، لا سابقة له. إن نورا التي تصرفت ببطولة وأظهرت حقيقتها لم تدرك حقيقة ما أنزلته بالدكتور رانك المصاب بمرض قاتل. معرفتها كانت نصف معرفة؛ إحساسها كان نصف إحساس؛ وهذا خطر جداً بالنسبة إلى الشخص الراشد. أما عدم اكتمال تورنالد فمن نوع آخر؛ هو النوع المألوف. أوين ثيل هو الذي مثل دوره بإتقان لا نظير له باعتباره ذلك الاختصاصي المتوسط السن الذي عرف في الغالب شباباً طموحاً وهادئاً. تورفالد لا يعرف أنه في وضع غير مأمون، لكن أوين يعرف ذلك. وهذا بله روحي وتطمين لمن هو بحاجة إلى الاطمئنان. وحين يجد المشاهد تورفالد متعجرفاً يدرك أنه بحاجة إلى الاهتمام به. وذلك، كسعادة زوجته المطيعة، والشاهد على وضعه. وإذا ما قال لنورا إنه يستطيع أن يتحول إلى رجل آخر فهو بذلك يكشف عن حساسية وكرامة تجعلان رحيلها أشد تأثيراً فيه. هكذا يدفع تورفالد ثمن عدم اكتماله. ويمثل جون كارليل دور الدكتور رانك بصورة دقيقة؛ هو شخص منحرف جنسياً، حزين، دمث الأخلاق، يتباهى بحزنه، ويحتفظ، على رغم ذلك، بكرامته المهشمة. غير أن المسرحية تصبح هنا بحاجة إلى شيء من العقل. نورا تتحمس وتخاف، من غير أن تصبح عادية وسخيفة حتى في أحرج الظروف. هنا تصبح السيطرة على الجسم والصوت أمراً أساسياً. لكنها تفقد سيطرتها حين ترقص رقصتها اليائسة، رقصة النهاية. نورا تشعر بأنها في حكم المنتهية. وفي المشهد الأخير يصبح الصوت عالياً جداً لا ينسجم مع تفكير نورا الناضجة وكأن ذلك الطائر الغريد تحول إلى صقر. إعداد: ميخائيل الخوري

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة