As Safir Logo
المصدر:

سلالم الشرق(ترجمة منيرة مصطفى,راجعه بسام حجار)

المؤلف: معلوف امين التاريخ: 1997-03-11 رقم العدد:7639

درج قول بات مأثورا لدى القارئ العربي، وان كان القول مترجما، بدوره، عن تشابه لفظي بين عبارتين باللاتينية، مفاده ان كل ترجمة خيانة. وهذا ان صح في بعض الاحيان فهو لا يصح في بعضها الآخر. اذ يعمد مترجمون الى جعل الترجمة رجما على ما يستفاد من اصل العبارة. نقرأ في لسان العرب، مادة ر.ج.م. ما يعني ان الرجم هو القتل وقد ورد في القرآن الرجم القتل في غير موضع من كتاب الله، وانما قيل للقتل رجم لانهم كانوا اذا قتلوا رجلا رموه بالحجارة حتى يقتلوه. ثم قيل لكل قتل رجم ومنه رجم الثيبين اذا زنيا. والرجم اللعن ايضا، والابعاء والطرد والهجران والظن. واذا قيل صار فلان مرجما اي صار لا يوقف على حقيقة امره، فهو يقذف بالغيب والظن. ومنها الرجم بالغيب اي الظن والتحزر والتخمين والقول بالحدس، والكلام المرجم هو ما يصدر عن غير يقين. اما ترجم الكلام، بحسب ابن جني، فهو اذا فسره بلسان آخر. اذا فسره بلسان اذا. اما اذا فسره بغير لسان تحذف تاء الترجمة لتصبح رجما. والرجم كما لا يخفى على القارئ، هو وصف الجنايات، التي لا تحصى بالعربية، على اعمال شعرية وروائية وسواها كان الاحرى ان تبقى في لغتها الاصلية، لان بقاءها على الاصل ارأف بنا، نحن القراء، اذا كنا لا نجيد لغة اخرى. ارأف بنا، وارأف بالكاتب الذي يرغم، اثر فعلة الترجمة، على وسم نص لم يكتبه باسمه وشهرته. فالقارئ، من امثالنا، يتلقى العمل مترجما لانه لا يملك وسيلة لبلوغ الاصل. ولكن لا بأس، كل ترجمة هي اصل آخر، هي نص آخر. والمغايرة مرة واحدة تكفي، اما ان تكون المغايرة مشفوعة بعدم كفاية فأمر يجعل القارئ ابعد مرتين عن النص. وعندئذ نسأل: ما جدوى ان نقرأ الكاتب المرجم بلغة رجمه، والاحرى ان لا نقرأ؟ الدرجة صفر مثل هذه الجناية وقعت على الكاتب اللبناني باللغة الفرنسية امين معلوف، والرجمة هي روايته الصادرة مؤخرا بعنوان »اساكل المشرق« او موانئ او ثغور المشرق، في طبعتها العربية عن دار بترا، دمشق وبترجمة منيرة مصطفى. لا نزعم هنا اننا نبدي شغفا استثنائيا بأدب امين معلوف بالفرنسية لاننا لم نهتد بعد الى »اسلوبه« او »انشائه« اذا اردنا، والاغلب ان ذلك يعود الى فقدانه الاسلوب ما يجعل الكتابة لديه اقرب الى الدرجة صفر من الكتابة. والمستهجن ان يتدنى النص العربي بترجمته الى ما دون ذلك، اي الى ما دون الدرجة صفر من الكتابة. واذا كنا نخشى اطلاق الاحكام المسبقة والمبرمة على جهد نعلم انه كبير يبذله كل عامل في هذا الحقل، اي حقل الترجمة، فاننا نتوقف بداية عند ملاحظة قد تنصف المترجم اذا اودى به مصيره الى التعامل مع نص بالفرنسية لكاتب غير فرنسي الاصل، خصوصا اذا كان كاتبا لبنانيا. هنا تصبح الترجمة مزدوجة منذ البداية. فإذا كان التعبير، كل تعبير ترجمة، فإن التعبير بلغة هي غير لغة اللسان ترجمة مضاعفة، ثم يأتي النقل من لغة هي ليست الاصل في لسان الكاتب (الفرنسية) الى لغة يفترض انها الاصل (بوصفها كفاية ثقافية وذهنية)، اي العربية، والى حساسية (ثقافية وانفعالية) يفترض انها الخلفية للنص المكتوب بالفرنسية (»صخرة طانيوس« مثلا). اذا حين يكتب امين معلوف فهو يكتب في الاصل نصا مترجما، وهذه مشكلة لا تعنيه هو وحده، بل تطول عددا لا يحصى من الكتاب باللغة الفرنسية من المهاجرين الذين اختاروا الفرنسية لغة للتعبير، وقد تكون تجربة الكاتب التشيكي الاصل ميلان كونديرا خير مثال على ذلك في روايتيه الاخيرتين اللتين كتبهما مباشرة بالفرنسية »الخلود« و»الهوينا«. قصور بداية اذا، نحسب ان المشكلة قائمة في مثل هذه النصوص بالذات والروائية منها خصوصا، غير ان مشكلة اخرى تضاف إليها في حال قصور الترجمة العربية عن التوغل في دقائق صعوباتها ومفارقاتها اللغوية والمعنوية. وقد يكون النص العربي الذي انشأته منيرة مصطفى لرواية امين معلوف الاخير واحدا من مئات الاعمال المشابهة، غير اننا هنا نتوقف عنده للمثال وليس الحصر. وهاجسنا الا نغفل الجهد المبذول لما بذل فالاجر الواحد حق لمن اخطأ الاجرين. اينبغي ان نبدأ من العنوان؟ »سلالم الشرق«؟ Les ژchelles du levant لا تعني الترجمة الحرفية هنا في اداء المعنى. واذا كانت الكلمة المولدة عندنا »الاسكلة« لEchelle، ليست شائعة نسبة الى اصل الكلمة اللاتيني، فإن جمعها على »اساكل« كما يقتضي العنوان ليست بديهية هي ايضا وقد تشكل على فهم اي قارئ. غير ان المقصود منها، وهذا ما يولده الشرح على الغلاف الاخير (وقد ترجم كما هو على غلاف الطبعة العربية)، الموانئ التي اصبحت مدنا ولعبت دور صلة الوصل مع العالم الخارجي. واذا اطلق على توزعها الجغرافي اسم Echelles فليس لانها سلالم بل لانها معابر وثغور. لذا نقترح تصويبا ترجمتها ب»ثغور المشرق«، لان levant هو المشرق وOrient هو الشرق، وهذا غير ذاك من حيث الرقعة الجغرافية وان الاخير يشتمل على الاول. خصوصا ان المقصود منها القسطنطينية والاسكندرية وازمير واضنه وبيروت... لن نتمكن بالطبع ان نتناول نص الترجمة بأكمله فإن من شأن ذلك ان يجعلنا نتوقف عند كل فقرة، واحيانا عند كل سطر، والاحرى في مثل هذه الحال ان نعاود الترجمة كليا. لذا لن نتناول هنا، وعلى سبيل الاشارة لا التفصيل، سوى الصفحات التمهيدية التي سبقت الفصل الاول، من صفحة 7 الى صفحة 18 من نص الترجمة العربية تقابلها الصفحات من 9 الى 22 من نص الاصل الفرنسي. * الفقرة الاولى، ص9، من النص الفرنسي: Cette histoire ne mصappartient pas. elle raconte la bie d'un autre. Avec ses propres mots, que jصai seulement agencژs quand ils mصont paru manquer de clartژ ou de cohژrence. Avec ses propres vژritژs, qui valent ce que valent toutes les vژritژs. Mصaurait- il menti quelquefois? (....) وتترجم منيرة مصطفى على النحو التالي: هنات لا تحمل هذه الرواية شيئا مني، بل تروي حياة انسان آخر، بكلماته الخاصة التي قمت بترتيبها اذ بدت لي مفتقرة الى الوضوح او الترابط، وحقائقه الخاصة التي ترفع شأن من يعلي من قيمة كل الحقائق. ألم يكذب في بعض الاحيان؟ اذا كانت الهنات، وهي ليست هينات، في السطور الاولى من الفقرة لا يمكن وصفها بالدقة فإن »من يعلي من قيمة كل الحقائق« في السطر ما قبل الاخير هي »القناعات التي (هي) كغيرها من القناعات« او »الحقائق«، لا بأس، ولكن لا اثر في النص لمن »يعلي« او »يخفض«. بعد سطور تطالعنا العبارة: »لم يكذب فيما رواه عن لقاءاته وضلالاته ومعتقداته واوهامه، وهذا ما اثق به تماما«. في المقابل يكتب معلوف: (...) pas sur leurs rencontres leurs ژgarements, leurs croyances, leurs dژsillusion, de cela j'ai la prenue. فما كان مثنى اصبح مفردا. واصبحت »الضلالات« محل الحيرة، والاوهام محل الخيبات. في فقرة اخرى هذا الوصف الذي نثبته من دون تعليق: »لم اكن قد التقيته سابقا او سمعت باسمه، بل رأيت له في احد الكتب منذ سنين طويلة، فهو لم يكن رجلا مشهورا: وبالنتيجة وبمعنى ما، ارتبط وجوده بوجود صورته في احد كتب موجز التاريخ خاصتي. لكن صورته لم تكن ضمن الشخصيات المشهورة، ولم يكتب اسمه تحت الصورة، بل كانت الصورة تمثل جمهرة من الناس تصطف على احد الارصفة، بينما نجد كخلفية للصورة باخرة تملأ المكان«(!!!). ثم هذه الصيغة للرجم الحرفي: »كما لو انه (اتى) في تلك اللحظة ليتلقى ذلك الاكليل الذي يزينه« وبالطبع تكون العبارة بالفرنسية على هذا النحو: "(...) comme s'il venait de recevoir ˆ lصinstant cette guirlonde qui lصornaitس. وبقدرة قادر يكون »النصر« نظير gloire، وژbloui نظير »بهي الطلعة« وinconnus نظير »مجاهيل«؟ والادهى من هذا كله ان يدخل فعل »التدخين« على جملة براء منه إلا بما اختلط على المترجمة من تصاريف فعل الكينونة "گtreس بالفرنسية فتصبح: Quand nous f‍mes installژs, en terrasse, devant deux biڈres embuژes, je revins ˆ la charge(...). رواية المترجمة على هذا النحو الغريب: »اثناء قيامنا بالتدخين على التراس امام كأسين من البيرة، عدت الى حديثي، وارتأت المترجمة ان تحذف الصفة "embuژesس لانها تعلم علم اليقين ان »الصفة المضافة لا شأن لها في الترجمة وان الكاتب لا بد قد اخطأ في سعيه الى التطويل. وليس هذا خطأه الوحيد فهو حين يقول: "Je m'expliqueس (ص21) فانما يريد ان يقول: »استوضح«. ويقصد ب"Etat dصaimeس »حالة روحية«، وensemble »سوية«... الخ. لن نتابع هذا الاحصاء المغرض لهنات قد تكون، الى جانب لغة الترجمة، عقبة حاسمة تحول دون قراءة »سلالم الشرق«. واذا قصرنا احصاءنا على الصفحات العشر الاولى، فإن قراءتنا تواصلت ومن دون تعمق او تدقيق كانت حصيلة جولتنا ملاحظات سودت هوامش معظم صفحات الكتاب. ولعل الادهى ان عددا من الصحف افردت مساحات لتقريظ او نقد رواية معلوف استنادا الى قراءة لنص هذه الترجمة. قد تكون »سلالم الشرق« رواية لكنها بالتأكيد ليست رواية امين معلوف، والاحرى ان يقال انها رواية المترجمة، منيرة مصطفى، وبناء عليه نقول انها اخفقت في اكثر المواضع، عسى ان يحالفها التوفيق في مؤلفات لاحقة عندما لا يكون تصريف الافعال الفرنسية عائقا دون القراءة، اقصد دون الترجمة، دون »التدخين« والسعال ربما... من يدري؟. بسام حجّار

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة