As Safir Logo
المصدر:

مقاربة.الفضاء المكاني في روايتي هدى بركات ومحمد أبي سمرا نزق فردي ولوثة ذاكرة

المؤلف: ابو زيد انطوان التاريخ: 1997-03-07 رقم العدد:7636

ضمن بحثه في الفضاء المكاني للرواية اللبنانية، يتابع الزميل أنطوان أبو زيد في هذه المقالة، خاتماً، مقارباته حول الموضوع، بالكلام على تجربتي هدى بركات ومحمد أبي سمرا: هدى بركات: لإطار مكاني أوسع خرجت هدى بركات في روايتها »حجر الضحك«(1) عن السنن الحكائية المتداولة، فاختارت الغوص على اللب من زاويتها المائلة الى حد الانحراف، وسط الحرب الأهلية الضروس. ولم تصبها الرعدة من »الفكرة« فكرة الحكاية التي راودتها وبنت عليها صرح الرواية كله وعنيت بها صورة البطل »خليل« ذي الميل الجنسي المثلي، وخوضه في علائق الحياة المدنية في عز احتدام المعارك، أواسط الثمانينيات، وبلوغها كل حي وشارع ومنزل مما كانت تحويه بيروت عهدئذ. ومن نافل الكلام ان الروائية هدى بركات كانت سعت إلى تثبيت حكايتها، وتنميتها من خلال شخوصها، وتلك استراتيجية في القص تكاد تكون عامة لدى كل الروائيين، على نحو كلاسيكي، ولكن اللافت لدى بركات هذا الوعي الارتدادي لطبيعة المكان، ولوظائفه المتحولة بتحول القص، وأفعال الشخصيات، ونماء المناخ السردي العام والتأويل. يظهر »خليل«، في المشهد الأول من الرواية لاهثاً وراء »ناجي« ولاحقاً به إلى شقة في بيروت. وهي »غرفة خليل الأرضية« (ص 8)، التي تتبدى مجالاً للقاء رجلين وجدا من الأنس، الواحد إلى الآخر، ما جعلهما ينصرفان إلى التأمل وهي إوالية كتابية بيّنة الاستغراق لدى بركات في ما يجمعهما وما يميزهما. وتروح تنفتح آفاق العالم من تلك الغرفة، فتظهر شخصيات، ولا تني تتناسل وتتعاكس وتتفانى في لعبة أشبه ما تكون بالبولينغ، إذ تندفع كرة وحيدة، شخصية خليل البطل، إلى صدم كرات عديدة (شخصيات الرواية)، واحدة تلو الأخرى، ولا تلبث أن تسقطها جميعاً في الهوة الخلفية (وذلك مآل الدراما) الروائية، ولا تعتم الكرة البطلة أن تهوي وراءها جميعاً، في الهوة عينها. وبعد آنات طويلة من الوصف، وصف غرفة خليل، وتعيين ملامح الرجلين المتداخلي المصير، وبسط نوازعهما وشواغلهما وانتظار خليل لناجي، تمضي الروائية إلى وصف بيت ناجي وأمه إيزابيل، وكيف أن خليل، لما ضاق ذرعاً من انتظار ناجي خرج من »بئر غرفته« (ص 31)، قاصداً بيت نايف الصحافي. وهناك يتعرف خليل إلى الصحافي الأجنبي، وسعيد وكلود وغيرهم، ممن كانوا يحيطون بأجواء الجريدة التي يعمل فيها نايف المضيف. وبعد انقضاء ساعات، تتصل أخت ناجي بخليل وتبلغه بموت أخيها. ونلمح خليلاً، في طريق عودته من منزل نايف، يمد بصره إلى كل تلك المساحة المدينية التي تفصله عن غرفته، وعنيت بها الشوارع والأزقة والأبنية التي كان القصف طاولها فنثر فيها الرماد والأنقاض حتى غدا منظرها رؤيوياً باعثاً على الأسى. وبعدئذ تصير »للغرفة هيئة شريرة« (ص 52)، للفراغ الذي اعتراها، بعد موت ناجي وانهيار الصلة التي كانت تربط خليل بالعالم، جراء موت ناجي والعنف الهائل الذي مضت الحرب تمارسه عليه. وفي هذه الأثناء نجد خليل وقد شرع في سعي محموم الى بدائل من تقوقعه الحاصل بعد موت ناجي اغتيالاً، لزعم أنه كان جاسوساً لدى الطرف الآخر، غير أن خليل يلبث، في قرارة نفسه ممانعاً الانخراط في دوائر المجتمعات المصغرة من حوله، مؤثراً عليها الانطواء في غرفته، منصرفاً إلى اهتماماته الصغيرة، من مثل حياكة الصوف، والاستماع إلى إذاعات الأف. إم. وتعلو ضوضاء الحرب ثانية، فتنتاب المدينة نوبات من القصف المجنون، تقطع على خليل وحدته في غرفته، إذ تتناهى معاناة الناس إليه بخيوط من معين واحد يكاد لا ينضب، وبعد مضي وقت نرى خليل وقد أسره جمال شاب في الحي، اسمه »يوسف«، على حين كانت أخت المذكور »زهرة« عالقة في حبه، من دون أن تلقى منه أدنى تجاوب بالتأكيد، غير أن مسار الأحداث لا يلبث أن يودي بالمعشوق الأخير، إذ يُقتل (يوسف) على يد رجال ميليشيا كان هو قتل اثنين منهم في مبارزة عبثية ولأسباب قد تكون تافهة أو وجيهة. هذا وأجواء العيد لا تني تتواصل في الجريدة العتيدة، وقد ترافقت الانفجارات التي راحت تتوالى في الشوارع والزوايا، مطيحة بالبقية الباقية من الطمأنينة لدى الناس. وإذ بلغ خليل هذه المرحلة، والمدينة في جحيمها الموصوف، وجدته منقطعاً إلى ذاته، ساهياً، »لا يسير جسده معه إلى أي مكان..« (ص 172) حتى ألمت به نوبات مرض، ألجأته إلى المستشفى. هناك أدرك قاع الألم الجسماني حتى الموت، وتواصلت تجربته مع غيره من المرضى، المشرفين، دونه، على الموت. وبعد خروجه، حدث ما لم يكن في الحسبان، لقد كان لزيارات »نايف« المتكررة لخليل الأثر المرجو، في كسر طوق العزلة من حوله، بغية إدخاله في جو غريب عن خليل ذي الأنفة المشهودة، وصاحب النزاهة المكمودة. من الجلي أن رواية »حجر الضحك« إذاً، ترسم أطراً مكانية غاية في التشعب والتداخل، على صورة البوليفونية الحكائية التي ألمحنا إليها لماماً، بيد أن التصور المكاني عندها قائم على محطات مكانية كبرى توازي التنامي الدرامي الجاري نسجه: فمن »غرفة خليل الأرضية« حيث يلتم شمل الصديقين المتحابين، إلى منزل الست إيزابيل، وإلى منزل نايف، حيث يحتشد المعارف من الصحافيين، وانتهاءً بالشارع حيث يسود الانفجار الهائل، تكتمل حلقة مكانية أولى، هي التوطئة الفعلية لأحداث الرواية الجوانية في الغالب. ولا تلبث الرواية أن تفسح في المجال لحلقة مكانية ثانية: من الجريدة والمبنى إلى الشارع، فغرفة خليل، حيث تروح عدسة الوصف والتعليق المتناهية الدقة تتنقل ببطء شديد بين الأواني والزوايا والأغراض موقظة الحواس ومعها الذكريات الأليمة، ومن ثم إلى الشارع الذي غدا مسرحاً للمعارك والقصف، وبعد هدأتها تعود العدسة إلى الغرفة موئل خليل، ومجال انشغاله الأهم. وفي الحلقة المكانية الثالثة تعود إلى البروز، على التوالي، الأمكنة الموصوفة: في البدء الشوارع، التي سرعان ما تنفتح أروقتها لتظهر مناطق شعبية ومناطق »سادة«، وتدنو العدسة لتكبِّر إطاراً آخر هو إطار منزل نايف ومَن فيه، ومن ثم يظهر الشارع مجالاً للانفجارات القاتلة، حتى لكأن الملامح المدينية العامة لدى هدى بركات تنبئ بصورة للمدينة غارقة في عنفها الشديد، وناهضة إلى دمارها الأكيد، حيث التمويت نهج وجودي عميم السيادة خارجاً، في حين رأيت الشخوص الباقين يحيون ببقية الحياة المواجهة للموت، بكل عناد وإصرار. وبعد ذلك يتوالى مشهد السهرة في منزل رئيس التحرير، حيث الضحك المتواصل، ومشهد خليل وهو ممدَّد في غرفته وقد هدأت أصوات القذائف، وتنتهي الحلقة المكانية الأخيرة بمشهد خليل وهو في المستشفى، ومن بعده وهو يهم بخزن صناديق الأسلحة في شقته، وشقة جاره العريس. حتى إذا ما اختتمت الرواية »حجر الضحك« على هذا النحو أيقن القارئ بأن العالم المكاني فيها، المتخذ سمت الدوائر الكبرى والصغرى والحلقات المتتابعة المتداخلة، قد بلغ نهاياته المرجوة منه، فانبرى المكان معادلاً، شديد الواقعية من الوجهة النفسية، للنزق الفردي الذي كملت مثالاته المنحرفة مع خليل، بأقسى ما يمكن توقعه، في الحقيقة، وفي رديفه المتخيل المصوغ أدباً. وفي روايتها الأخيرة »أهل الهوى«(*) التي تحكي فيها حكاية رجل كان أُودع »دير الصليب« لانحراف في صحته العقلية أدى به إلى قتل امرأة كانت في ما مضى عشيقة له، بسبب رفضها الإقرار بعلاقتهما الغرامية، على رغم تركها زوجها وأولادها وإقامتها الدائمة معه، تتابع الروائية بسط النسيج المكاني والتنظير بشأنه، وهذان مما لم يتوفرا في كتابة روائي قبلها. يعرف القارئ، من مستهل الرواية، أن الراوي اللابطل كان نازلاً في دير الصليب لعلة غير معروفة فيه، وأن »أسماء« أخته باتت تزوره، وأنه لبث يتمشى في حديقة الدير، وكلما اشتد القصف أُنزِل، ورفاقه المرضى إلى الملجأ. ويروح الراوي، في حركة ارتدادية، يروي كيف حدثت معه واقعة خطفه وضربه المبرح وسجنه التي أعقبت محاولة أولى فاشلة لتبادل الأسرى والمخطوفين. وفي الفصل الثاني من الرواية، يشرع الراوي في بسط الوقائع التي جرى بمقتضاها لقاؤه الأول بالمعشوقة القتيل، في ساحة قريته، وكيف توالت لقاءاتهما في بيت سمعان حيث وجدت ركناً يقيها شر القصف في مدينتها بيروت، وكيف أُسكنت في مدرسة، هي والبطل الراوي، بعد أن ضاقت بهما السبل وانقطعت بفعل الاشتباكات المستجدة، وكيف أنها، في استغراق العلاقة وامتدادها، تمادت في استغلاله جنسياً من دون روحها، وكيف أنها امتنعت عن المجيء إلى البيت العائلي بداعي حيلولة القصف دونه، ثم إن دنو المعارك من قريته ألجأ الناس إلى السلاح وهو منهم، وكيف أنه لما التقى بها صدفة في منطقة المتحف، وكان حاقداً عليها، اختطفها في سيارته ومضى بها إلى منطقة جبلية حيث أجهز عليها. »في الحروب الداخلية ينتفي المكان بترك ثباته ليتحرك كالهولوغرام ومعه الناس الفارغون من أمكنتهم، في فضاء المعارك المضيئة..« (ص 148). ولئن صح أن الحروب الداخلية تبدد صور المكان في مخيلة الناس، وتشوّه صلتهم بالواقع، إذ تبيد عندهم الشعور بالطمأنينة إلى الخارج، أي خارج، فإن الروائية هدى بركات جهدت في أن ترسم الإطار المكاني الأوسع: ]العاصمة، القرية، المدينة، المنطقة الشرقية، المفارق، الشارع، الطريق، الساحة، البناية، المستشفى، الدير، الكنيسة، المدرسة، البيت، »أمكنة محاطة بالأسوار والغابات والأشجار«، الحديقة، الغرفة، المطبخ، السرير، النافذة..[. الذي بمقدوره أن يحيط إحاطة معقولة بتنامي فصول الدراما النفسانية، وبلوغها حدود تجلياتها الفعلية والسلوكية، بيد أنها جعلت لمشاعر القسوة على غرار صورة مسرح القسوة لأنطونين آرثو والحنان واستحالة الحب والكراهية حيزاً أكبر بكثير. حتى لكأنها النسيج الحكائي الأهم، والأكثر حياة وحضوراً ويقينية، إذ كان له الأثر الحاسم في التحول الدرامي المذكور، وعنيت به الجنون المفضي إلى إقامته في دير الصليب. أما الخلفية الباقية، المكانية منها والزمانية، فلا تعدو كونها جدراناً قاتمة تهاوى معظمها فبانت أطلالها ظلالاً للحياة والموت، وما بينهما، ليس إلا. محمد أبي سمرا: حواس الأمكنة يبدأ »محمد أبي سمرا« روايته الأولى »بولين وأطيافها« من النقطة التي سعى إلى إثباتها الروائي حسن داوود في روايته »أيام زائدة«، وعنيت بها الاستغراق في تأريخ الذاكرة المفردة وهواجس الشخصية النفسية والجسدية، حتى بلوغ ما يسميه »كواباتا« بالحساسية الجديدة المفرطة في تركيزها على الجسد، وانقطاعها عن وهم الجماعة والسياسة العامين. لا يروي محمد أبي سمرا سيرته التي تمتد جذورها إلى الجد الطافر في البرية والمستوحش في الجبال (شبعا) وسفوحها، وإلى والدته المستغرقة في وحشتها داخل المنزل فحسب، وإنما يجهد، على امتداد الرواية السيرية، في أن ينزل إلى غور الأحاسيس فيلتقط لحظات النشوة السادرة في صمتها، ويلملم نثار الآنات الغامضة، إذ تختلط فيها الأطياف والروائح بالأحلام والصور المقدسة، حتى لكأن الرواية »بولين وأطيافها« برمتها سيرة للحواس والذكريات. وحين يستعير الروائي عيني الوالدة أو عدستها المسجلة للمشاهد واللحظات، وإذ تقرأ آية الكرسي وتأرق ليالي بطولها وتتخيل أنها بولين جارتها، وتتذكر الابن البعيد، وتستحضر في مخيلتها صور الزوج الغائب ومقتل المعلمة ورحيل بولين وصاحباتها، فإنه لا يني يحوك ظاهر النسيج الروائي، لكي يعمد إلى تبطينه بسيل من الأحاسيس الجسمانية ومشاعر اللذة التي تتداعى مع كل مشهد أو حدث متذكر. إذاً، لا ترد الأمكنة في رواية »بولين وأطيافها« إلا كمثبتات للمشاعر والأحاسيس، ولا تحضر المعالم المكانية (الوادي، السفح، النهر، الحصى، الصخور، الكنيسة، البيت، الغرفة، الضيعة، الخلاء، السقف..) إلا بكونها علامات على حضور الآخر، وعلى امتلائه الكياني لحظة غيابه: »لما خرج الأربعة من البيت، بعد ارتداء ملابسهم كان.. كأنما انقضى زمن طويل على غيبتهم في كنف الغرفة. كل واحد أحس أن الضيعة خالية ومهجورة تماماً إلا منهم. ليس الضيعة فحسب، بل الأرض كلها. كانت تكتنفهم مشاعر غريبة وغامضة كشعور الحمامة التي أطلقها النبي نوح..« (ص 202). أما روايته الثانية »الرجل السابق« فتقوم على عرض سيرة أحدهم، كان مقيماً في فرنسا لسبعة عشر عاماً خلت، إلا أن شعوراً طاغياً بالمرارة كان لا يزال يتملكه لمجرد أنه كان، وهو في لبنان، من سكان حي »سليم مسعد« الشعبي. ولما كان المؤلف صاغ روايته على صيغة المتكلم، فقد وجدنا الراوي لا يكف عن تنقيل النظر والتأمل، حيناً إلى بعض مشاهد فتوته وطفولته في »حي مسعد«، فإذا كل المقارنات التي يباشرها الراوي، (بين أناقته المستجدة في باريس، واتساخه هو وإخوته وأقرانه في حي مسعد، وبين جسد امرأته الفرنسية البض وبين جسد أمه الذي تواصل تنظيفه بإصرار مرضي، وبين البار في المقهى الباريسي وبين شجرة السنديان في قريته البعيدة..)، مسوقة لتوكيد رسوخ اللوثة المكانية في ذاكرة الرجل السابق. »أتكون، إذاً، صور الماضي البعيد التي تزود بها الكلمات مخيلاتنا أعمق غوراً وأشد حضوراً في نفوسنا مما نعيشه ونتحسسه في حاضرنا، ومما عشناه في الماضي..« (ص 85). ولا تزول تلك اللوثة إلا حين يدرك الراوي أن »آمال«، صديقة فتوته ومثال تطلعه الآخر (المسيحي)، باتت منكسرة وأنها هبطت الى سوية وضعه الدوني في مخيلته ولا وعيه. »أيقنت أن بيروت، كحي سليم مسعد وآمال، صارت خلفي..« (ص 106). هوامش (*) هدى بركات، حجر الضحك، دار رياض نجيب الريس، بيروت، 1990. (*) هدى بركات، أهل الهوى، دار النهار للنشر، بيروت 1993، 188 صفحة.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة