As Safir Logo
المصدر:

مسرح.»زواريب«رفيق علي أحمد بإخراج روجيه عساف اليوم على خشبة»الثقافي الروسي«حكاية بيروت فوق منصة فرجة وتقشف(صورة)

المؤلف: باشا عبيدو التاريخ: 1997-03-06 رقم العدد:7635

خسائر المسرح اللبناني محصورة حتى الآن. أقول محصورة لأن تجربة المسرح في لبنان تبدو وكأنها انشئت لكي تقدم العروض الجيدة، الطليعية. واذا ابتعدت عن مستواها من ناظريها، فإن ثمة تخبطا يعيشه الاخيرون وهم يحاولون استعادة مُلك وهم يحاولون تعيين المسائل التي يتعرضون لها وتعرضهم لما يتعرضون له. واحدة من الحلول المطروحة، بانتظار استشراف الآفاق المستقبلية لتجربة المسرح، صيغة العرض الجماهيري البعيد من الابتذال. وهي صيغة ليست متوافرة تماما. تؤكد ذلك جملة العروض الراهنة في معظمها. وخصوصا عروض الفودفيل وعروض مسارح القوالين. حيث تسود نبرة عملية اقتصادية، قد تفسح الرأي لإلغاء عرض وهو لا يزال عند مشارف زمن تقديمه. »بلابيلي بلا بلاويه« فودفيل جديدة من مروان نجار انتكست عروضها وهي عند مشارف افتتاحها. قدمت في عرضين، قبل ان تضب اغراضها توقيع مخرجها زياد ابو عبسي عليها. هاجس العلاقة بالجمهور ينحو منحوى آخر تماما. انه هاجس اقتصادي، لا يخيب طلبا من شاري بطاقة. لكأن مسرحيينا، بذلك، ينأون قدرا هائلا عن فكرة قيام المسرح الاولى، او فكرة قيام المسرح اليوناني الذي كان منشأة من منشآت الدولة، اقيمت لتثقيف الاثينيين والترويح عنهم، ومن ضمنهم العبيد وبنات الهوى الذين كان يحق لأحدهم ان يدخل المسرح لقاء اجرة ضئيلة لا تزيد عن ابولين، وهي عملة اثينية قديمة لا تزيد قيمتها عن قروش قليلة. فإذا لم يستطع الراغب في مشاهدة العرض ان يدفع الاجرة هذه دفعتها الدولة شرط ان ينفقها في مشاهدة المسرح، لا في اي غرض آخر. لست أدّعي نقدا مباشرا للمسرحيين ولا للدولة ونأيها من واقع المسرح والمسرحيين. كما لا ادعي نقدا للزمن الاقتصادي في المسرح. هو سائد، بحيث دفع مسرحيين ليس الى تحليله بل الى الجريان فيه كالماء. الا ان المحاولات الملعوبة او المعروضة في بيروت، وهي تقارب الشعبية فإنها تجانب الابتذال. رفيق علي حمد في »زواريب« لا يجد صعوبة في التمييز بين ما هو سائد وما هو مرتجى. لذا استعاد شراكته وروجيه عساف في »الجرس« لكي يكرر أنموذجا ناجحا، ولكن بالافتراق عن الوقوع في مصنوعه الجاهز او صنميته. ذلك ان »زواريب« شعبية، ولكنها ليست شعبية »الجرس« ذات النكهة الجمعية. ثم ان شعبية المسرحية الاخيرة للثنائي لا تخشى التقول كما انها لا تخشى اللكنة المباشرة المضبوطة في رؤية اخراجية تعتمد التقشف في اوقات، وتنجرف في الاستعراض وليس في الاستعراضية في اوقات اخرى. والاول من ذاكرة روجيه عساف. او من ذاكرة تجربة محترف بيروت للمسرح. حيث لعب الاستعراض دورا بارزا في تسوية هيئة عروضها على نحو زاوج بين التجمهر حول المسرح والطروحات السياسية والفكرية. كأن »زواريب« تريد ان تطرح معادلة تستند الى الذاكرة قدر استنادها الى ما هو حديث ومختبر في تجربة الحكواتي المناقضة والمتصلة في آن بتجربة المحترف. وقد طرحت هذه المعادلة او شبهها في »كرامبول« مع خضر علاء الدين. الا انها مختلفة في المسرحية الجديدة، بإيضاحها موقع »النيو بريشتية« في تجربة الحكواتي. ذكاء الاخراج من صدقية انطباعه، في ما يتعلق بنوعية الجمهور الراهنة، حتى انه لا يتردد، لكي يوازي بين العرض والطلب امام اي مصوغ قائم على نوع من خليط، شرط ان يبقى مضبوطا في رؤية الاخراج العامة، او ان يجيء معجونا بالرؤية الاخراجية. مبدع ومهني روجيه عساف مبدع كبير ومهني يعتمد مهنيته في أوقات الحرج او الحشرة. انه هكذا في »زواريب«، التي تقوم على رصد الانفعالات الصاخبة في المدينة من خلال حضور رفيق علي احمد قائد العرض بمزاجه الى حيث يريد. كأنني من ذلك اريد ان اؤكد على ان العرض ليس استهلاكيا وليس عاديا الا بنصه. فهو نص باحث عن مفاصل متحولة في العلاقة بناسه. وهو قائم على التأليف بعد ان قامت تجربة الحكواتي وتجربة رفيق علي احمد على الواقع. بحيث لعبت الحكايات الواقعية دور الجسر الى وجدان الناس المتعبين الهائمين.. هؤلاء من وجودا صورتهم في ما هو معروض، من دون اية صعوبة او مواربة. النص المؤلف لممدوح عدوان اقتبسه رفيق علي احمد، وبنى له حضور شخصيات ليست شخصيات في النص الاساسي. الا ان حرصه على بناء لا يقع في تقليدية المألوف، خالف حضوره الحر، الملتهب، فارضا بنية مسرحية لا تتألق الا في حدود الخروج على اقتراحات النص او توهماته. فقد شكلت الحكاية متن التجربة الممتدة والمتقطعة في »الحكواتي«، وهي موروث. اما التجربة فبدت حريصة على تقديم المادة هذه وبدلالاتها الموروثة او شكلها القديم في نوع من التبصر الحداثي الفريد. »أيام الخيام« نموذج ساطع بهذا المجال. اما الخروج على ما تقترحه الحكاية بحضورها فما هو الا انزياح دلالي يصيب الكل، بحيث يفرض نوعا من الانزياح الفني. اشير الى غياب النزعة التجريبية؟ ربما. ذلك ان النزعة التجريبية البارزة في التجربة »القديمة« وخصوصا في »الجرس« مخرت عباب الموروث الحكائي مزودة برؤية فكرية وفنية محددة شكلت صدمة ايجابية او دهشة للمتفرج او المشاهد. شكلت قبولا والرفض قليل او هو محصور في مجالات هامشية او جوهرية قوي عليها الاحتضان الجماهيري. كأن رفيق علي احمد يخرج من المقدس (»الجرس« و»المفتاح«) الى الدنيوي في »زواريب«، بادلا مع روجيه عساف الاختبارات على الادوات والفضاء باختبار معنى الجسد في فضاء لا يدعي العادية ولا يقع فيها، في طريقه الى الاستواء في تصور وحضور او اكتمال. الا ان الدنيوية تبقى مرسومة في حدود النص، النص فقط. فالفضاء مشدود الى سحر المسرح ولو بتفاوت. وهو تفاوت مرصود بين تقشف الاخراج وبذخه من تقشفه نفسه. فليست مشاهد الرواية او الاخبار، كمشهدي الآنسة المخطوبة المتحولة الى البغاء بعد عجزها عن ايجاد شقة، او مشهد البحث عن الابن وزوجته في الملهى الليلي، او حتى في مشهد ثالث، هو مشهد السيارة. في المشاهد الثلاثة، تقع »الاستيتكية« او الجمالية في مجرى جذب المشاهد وليس ابهاره. ولكنها مشاهد مؤلفة تخترق النسيج العام المشدود الى فكرة قيام العرض على حضور الممثل المختلف. ان رفيق علي أحمد وروجيه عساف يتخليان عن حصانتهما الماضوية وعن شيوعهما، بطرحهما عناصر جديدة في العرض (هي قديمة متجددة) يراد منها تأكيد آرائهما ورؤاهما الفنية على خلفية مخزونهما الثقافي، معالجين فكرة العلاقة بين الآباء والابناء من خلال الموروث الحكمي (من النص). نقطة اختلاف بين الشكل والمضمون. وخصوصا اذا ما جاء الشكل مرفوعا على نزعة شبابية مضمخة بحال تجربة واضحة من عراك الايام. إرث الاعتماد على الارث الماضوي يؤيد الموقف، ولكن تخطيه يؤيد الموقف أكثر. ففي مسرحية كهذه يمكن للمسرحي ان يكون حياديا في مواقفه، او ان يعتمد على الموقف في اعتماد التأليف في مقابلة الموروث. ثمة امثال وحكم تؤكد دور الآباء وضرورة الرجوع باستمرار الى آرائهم او صلاتهم او قاماتهم او ذاكراتهم، مفاهيم قيدت حرية الاخراج الى هذا الحد او ذاك. حتى بدا مأسورا في تسوية حضورها بالنسيج العام او في التصور العام، وهو يحاول الاحاطة بالشخصيتين الرئيسيتين، بحيث تبدوان شعبيتين كثيرا فجأة على خشبة المسرح وضمن حدث معاصر في اطار شكل فني كالمسرح المفتوح، قرين التهاب الصالة. مسرح مفتوح، اذاً، على الاصناف والمعطيات. انه يقرب ويؤخر هذا الصنف او ذاك وبتلك الصيغة. احكام العلاقة بذلك دقيق جدا. فإما ان تجيء المادة هنا أخّاذة او طيعة او تجيء عادية وقائمة على قوة الحضورات الاخرى. وهذا ما حدث فعلا. فالتمثيل مع رفيق علي احمد بدا بطلاً، في قدرته على تطويع الغرض الانتقادي ل »زواريب« في نبرة صوته وحنكة جسده وقوة صمته، حين شدد على ابراز المفارقات بين الواقع المتردي والماضي »الجيد«، لحمة من المفارقات المتداخلة في جسد منذور للمسرح. وفي اطار قدمه الاخراج بوصفه حاضنا وحاملا للمثل، ثمة مقطع يستعرض فيه التمثيل قدراته، حين يرقص الممثل مع العصا بروح استيرية. وثمة مطارح متروكة للارتجال حكماً، وهي مطارح مكشوفة وجميلة وقائمة على معطى استذكاري لأهمية المشهد المؤلف على فكرة والمركب على اجتهاد تصوري بصري. بالامكان القول في هذا السياق، ان مشاهد عديدة بحاجة الى اعتبارها مادة اولية، محرضة على النفخ غير المجاني. وهي متروكة في »زواريب« كما هي من دون اي اقتراب تفعيلي بحق، وخصوصا مشهد الملهى الليلي ومشهد السيارة، حيث تدور اغنية جميلة تبدو ضائعة في تغليب فكرة تبديل الديكور واستراحة الممثل والميكساج الواضع الصوت في مرتبة خلفية بعد الموسيقى. اما الاغنية فلها ان تلعب دورا منطقيا اذا ما تم اعتبارها جزءا حيويا في لعرض وليست من اللوازم كما يحصل في التأليفات الموسيقية نفسها. مارون النقاش وابو خليل القباني عملا على تحقيق جماهيرية مسرحيهما بإدخال عناصر عديدة عليها، في مقدمها الغناء. وهو عنصر متعة موروث ومفضل ولا يزال لدى العربي. وظيفة الفعل ولكن تبقى مشكلة العرض، نصه. فالهيكلية القديمة لمسرحية عدوان المقتبسة، قائمة على حوار مسرحي يحاول ان يدفع بالفعل المسرحي قدما، فينميه ويطوره وينقله الى لمشاهد عبر الحوار وما يرافقه من حرارة الحدث وتوتره ولغته وسرعته او هدوئه وبطئه. الا انه وبسبب امانة علي احمد للمكتوب، حتى ولو لم يعد موجودا تماما، اعاقت الامانة ان تحقق الحوار دائما وظيفة الفعل. وفي احيان لعبت الحوارات، بسبب تطبيق حضورها على المقاطع المسرحية المكتوبة، دور مقاطعة الفعل وعرقلة مسيرة نموه، الا في اوقات التحرر الواصلة الى حد مثول المونولوغات بصيغها المتوترة والمتأزمة بحيث مالت الى نوع من الشعرية المتألقة باندفاعات لغوية وصور متدافعة. ولو ان هذا لا يعني الوقوع في الاستطراد (هو أقل بكثير مع شخصية الحارس). لست أصادر اية قيمة محتملة ل »زواريب«، حين اشير الى تجلي الاضطراب في التناقض بين ما يريد النص قوله وما تريد البنية الفنية قوله. ذلك اننا اذا وجدنا انفسنا امام بنية تقليدية في مصوغ حضور الممثل الواحد، تقارب الطبيعية وتخترقها في آن، ضمن نص هائم وغير مستقر على خطاب واضح ومحدد الا عبر نثار لكلام على قضايا ومنغصات وضرورات. ولكنها ليست تقليدية، الا في احتواء العناصر المختبرة في التجربة المشتركة بين عساف وعلي أحمد في »الحكواتي« وخارجها. انه موقف يسلك سلوكا معينا، بحيث ينجم عن عملية الاحتواء تعاطف المشاهد مع العرض، من عدم استغرابه وبعده من تخلية تصاويره بوصفها تصاوير مستهلكة، مما يدفعه الى الاندماج به، متبنيا افكاره ومواقفه تجاه المحيط. هذا التعاطف والاندماج سيؤديان حتما الى علاقة اساسية بين المتلقي والبنية الدرامية، حتى تستحيل عناصر العلاقة بالجمهور كلها، من تغريب محدّث الى علاقة مصوغ الراوي بالعرض وكسر الاحداث بالتمشهد وقيافة الآداء، الى علاقة ايهام مسرحي. ما يجعله يتعامل مع ما يراه تعاملا شعوريا، انفعاليا الى حد بعيد. ما معناه تطهير المتلقي من الشحنات الانفعالية المكبوتة في اعماقه نتيجة الضغط والحصار والقهر الذي يحيط به في مجتمعه. لعله استنتاج ناجم عن متابعة دقيقة تجربة علي احمد وروجيه عساف المشتركة. وهو استنتاج بنتيجة لم يألفها الثنائي في اعماله السالفة. الا ان اقتراح مسرحية شعبية، نظيفة، لن تخيفها العودة الى الجوهر اليوناني في المسرح، والارسطوطالية، في حضور جمالات هي في باب تحصيل الحاصل، في باب الاخراج والتمثيل القوي. خطوة في انتظار تبلور الاوضاع وجلائها على احوالها الحقيقية. ذلك ان الاحوال السائدة دفعت الى بداية العرض بأغنية غير لازمة وغير مبررة، لأنها جاءت منفصلة عن شكله ومنطقه وقواه البائنة في اكثر من مساحة وزمان. عبيدو باشا

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة