As Safir Logo
المصدر:

فيلم.»الشعب ضد لاري فلينت«لميلوش فورمان في مجمع»أمبير«»آلأجساد العارية أقل إباحة من تلك التي مزقتها الحروب«(صورة)

المؤلف: جرجورة نديم التاريخ: 1997-03-06 رقم العدد:7635

في العام 1973، قرّر لورنس كلاكستون فلينت (مواليد كنتاكي، 1942) اصدار مجلة تُعنى بنشر صور نساء عاريات يعملن في ناديه الليلي، الذي كان يواجه حينها أزمة روّاد، هادفا بذلك الى جذب الزبائن. كان النادي الليلي هذا يحمل اسم »هاستلر« (HUSTLER)، فحملت المجلة التي انطلقت بأربع صفحات فقط، مجسّدة بالصورة أقصى حدود »الحميمية« الممكنة لنساء في وضعيات مختلفة الاسم نفسه، بادئة مسارا تصاعديا في مآزقه، داخل متاهات اجتماعية وأخلاقية وحياتية، امتدت على السياسي والثقافي، ضمن اطار البحث في معنى الحريات العامة. أما كلمة »هاستلر« فلها تفسيران: الأول يعني شخصا مليئا بالنشاط والطاقة، يحصل على كل شيء بكل الوسائل؛ والثاني هو الشخص الذي يجمع المال بطريقة عدوانية أو غير أخلاقية (فاسقة وخليعة، تحديداً)، بحسب ما قاله لاري فلينت نفسه في حوار مع مجلة »استوديو« الفرنسية (شباط 1997). إذاً، من الرغبة في جذب الزبائن الى ناديه الليلي، نجح لاري فلينت في اطلاق مشروعه »البورنوغرافي«، الذي تمايز تماما عما كان سائدا حينها، من خلال »بلاي بوي« و»بنتهاوس«؛ وأيضا في اثارة نقاش ثقافي اعلامي، وانشقاق اجتماعي في المجتمع الأميركي، حول المدى الذي يُمكن أن تصل اليه الحريات، ليفضح مواربة زيف طبقة اجتماعية وثقافة حياتية غارقتين في الوهم والخديعة والاهتراء، خلف قناع المحافظة على الأخلاق والتقاليد، والحرص على نقاء المجتمع، والدفاع عن الدين. في ردّه على سؤال المجلة المذكورة، حول ما الذي كان يُسبّب كل هذا الازعاج في »هاستلر« (هل هي البورنوغرافيا، أم الجانب الهجائي، أم بعض الريبورتاجات)، قال فلينت: »ان أكثر ما كان يُسبّب الضيق هو البورنوغرافيا. لكن، مع جانبنا الواشي النمّام، كما حين نشرنا صورا فظيعة لجنود مشوّهين ومقطّعي الأوصال في فيتنام، أو حين نفضنا الغبار (مجدّدا) عن اغتيال كينيدي ومقتل مالكولم اكس، كنا نصنع أصدقاء. غالبا ما كنتُ أُتّهم بالفجور، ولكن أيضا بالنشاط المرتبط بالجريمة المنظّمة، الذي كلّفني حكما بالسجن خمسة وعشرين عاما. أصبحت ضحية حركات سياسية محافظة ومنظّمات دينية متزمّتة«. ويُشدّد فلينت (مجلة »اكسبرس«، 13 2 97) على أن التعليقات السياسية الهجائية والرسوم الهزلية العنصرية »هي التي جلبت لي، دائما، المتاعب، وليس أبدا البورنوغرافيا«. عودة فورمان المتمايزة هذا الكلام على شخصية لاري فلينت، الأشهر في تاريخ الحريات الاميركية في السبعينات تحديدا، يأتي كمقدمة ضرورية للدخول الى شريط المخرج التشيكي الأصل ميلوش فورمان (مواليد العام 1932) الجديد هذا »الشعب ضد لاري فلينت«. ولعل أهمية هذا الفيلم تكمن في نقطتين: عودة فورمان الى الاخراج بعد سبع سنوات على انجازه آخر عمل له »فالمونت« (1989)، هو الذي حصل على جائزتي أوسكار أفضل مخرج، عن »طيران فوق عش الكوكو« (1975) و»اماديوس« (1984). أما النقطة الثانية، فهي عودته بشريط متمايز يطرح قضية الحريات الفردية والصحافية في المجتمع الأميركي، تلك القضية الجوهرية التي تمسّ الكيان البشري وتعالج علاقة الفرد والمجتمع بالأنظمة السياسية والاجتماعية والثقافية، كما بعلاقة كل واحد منا بذاته وبالآخر. كل ذلك ضمن اطار سينمائي جاذب وآسر، لما يحتويه من مقوّمات عمل مختلف، جدير بكل اهتمام. على خلفية الاطار العام للحريات في مجتمع كان خاضعا (وربما لا يزال هكذا) للتجاذبات العنيفة بين المحافظة والتجديد، بين التزمّت والتحرّر، يروي الشريط حكاية صعود لاري فلينت، بمساعدة شقيقه جيمي أولا، ثم آلثيا الحبيبة في ما بعد، من الحضيض حيث الفقر والذل والمعاناة، وابتكار أنواع مختلفة لكسب العيش، والقدرة على التمرّد على سلطة الأب الخامل واللامبالي الى ذروة الشهرة والثراء، على طريق الأجساد النسائية المتفلّتة من صرامة القيود وبشاعة التلطّي وراء شعارات برّاقة؛ أي من خلال البورنوغرافيا التي أسّست لنقاش حاد حول الجنس والفن ونمط الحياة، المتحوّلة بالتالي الى حرب من أجل ديموقراطية القول والحرية الاعلامية. أو، كما اختصرته مجلة »بروميير« الفرنسية (آذار 1997): كيفية الانطلاقة من اللاشيء، والتحوّل الى صاحب مجلة »هاستلر« البورنوغرافية، وكسب المال الوفير، واثارة جنون جزء كبير من الرأي العام والعدالة الأميركيين. من هنا يُمكن ترجمة العنوان ب »الجماعة التي ضد لاري فلينت«، كما ذهب البعض في تأويل الخلفيات الكامنة في مناخات الشريط، ذلك أن الشعب الأميركي لم يكن كله ضد لاري فلينت (بدليل الانتشار الواسع لمجلته)، بل ثمة جزء، أو فئة (جماعة) منه تنتمي ربما الى تلك الحركات السياسية المحافظة والمنظمات الدينية المتزمّتة، التي تحدّث عنها فلينت نفسه، هي التي وقفت ضد رجل أعزل، وإن سعى الى الشهرة على حساب قيم ومبادئ وأخلاق ما، فهو حاول أن يتصالح مع »الجسد« بمفهومه الواسع، وسعى الى خرق محرّمات فرضها أُناس، عبر قوانين وأنظمة، على أُناس آخرين. السخرية والتمرّد لا شك في أن اختيار المخرج فورمان، بإيعاز من المنتج اوليفر ستون، الممثل وودي هارلسون (مواليد تكساس، 1961) لتجسيد شخصية لاري فلينت، كان صائبا: فالشاب هارلسون ارتدى الشخصية بكل انفعالاتها وحساسيتها، بتمرّدها القاسي وسخريتها المُرّة، بالتباسات الخطيئة والغفران، الحب والجنس، وبالرغبة في التفلّت من عبثية النظام، بإحباطها وغرقها في المخدرات والألم أيضا. كما ان الاستعانة بكورتني لاف، في أول دور جدّي لها، لم تكن أقل أهمية: أدّت خصوصية آلثيا المتمايزة في نمط حياتها، تلك المرأة التي عشقها لاري حتى الجنون، والتي ساهمت في وصوله الى الشهرة، وأدارت مؤسسته أثناء غيابه في عتمة السجون، والتي ماتت اثر اصابتها بمرض »السيدا«، بعد سنوات من تعاطي المخدرات على أنواعها، عن ثلاثة وثلاثين عاما. (من دون تناسي الأدوار الأخرى التي اكتملت بحضور هذا الثنائي، ضمن بناء درامي متكامل). لم يكن ثمة شيء يمكنه أن يقف في وجه لاري فلينت، أو أن يحدّ من طموحاته وتمرّده. في بداية حياة مجلته، رفض مصوّره الفوتوغرافي التقاط صورة لرحم عشيقته آلثيا، فما كان منه الا أن صرخ في وجهه غاضبا، مُعتبرا أن الله خلق المرأة هكذا. عاش فلينت مشتّتا بين ايمان مختلف وغير ثابت، وبين رغبة في كسر المحرّمات. تأثّر بصداقة روث كارتر ستابلتون، شقيقة الرئيس جيمي كارتر، المبشّرة المسيحية المنفتحة والصادقة، فرأى في المسيح حرية ما. لكنه سقط في الالتباس، فكان ساخرا الى أقصى الحدود، من المحكمة (القوانين) والدين والمجتمع المقيّد بهما: سخر من مبشر ديني يدعى جيري فالويل (ريتشارد بول)، معتبرا اياه انه مارس الجنس صغيرا مع أمه. وأثار غضب سياسيين ورجال أعمال، فسعى تشارلز كيتينغ (جيمس كرومويل) الى تدميره، في حين أن فضائح مالية خطرة كشفت عن الفساد المعشّش في ذات هذا الرجل، الذي كلّف الحكومة الفيدرالية ملياري دولار بسبب سرقات قام بها من المواطنين، ضمن شبكة متكاملة قيل ان سرقاتها بلغت مئات المليارات. إنبنت فكرة لاري فلينت على مقارنة فضحت النظام السياسي الاجتماعي. كان يتساءل عمّا هو الأعنف: الجنس وصُور نساء عاريات في وضعيات حميمية جدا، أم جثث القتلى المشوّهين والحروب والمجاعات والفساد والاهتراء؟ وهذه الأخيرة سبّبتها الأنظمة لشعوبها، متسائلا عما هو أكثر اباحية: أجساد نساء عاريات، كما خلقهن الرب، أم أجساد ممزّقة، أو هزيلة بسبب المجاعات والحروب؟ بديع هو ميلوش فورمان، مصوّرا بدقّة مسارا شائكا لرجل رفض القيد وتمرّد بعنف. ورائع هو لاري فلينت، الذي دفع ثمن قناعاته شللا نصفيا مدى الحياة (ذات يوم، أطلق مجهول النار عليه، من دون أن يُعرف لماذا ومَن هي الجهة الواقفة وراءه)، لأنه سخر من الزيف الاجتماعي والتزمّت الديني الفارغ والمهترئ وتحجّر أنظمة وقوانين. نديم جرجوره

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة