As Safir Logo
المصدر:

صفحات من تاريخ أهم مرحلة وأخطرها في لبنان والعالم العربي بطل»إتفاق القاهرة«العماد إميل بستاني يتذكر:عهد الرئيس فؤاد شهاب(صور)

المؤلف: البستاني اميل التاريخ: 1997-03-06 رقم العدد:7635

في 28 تموز، التحقت نهائياً بمركزي في طرابلس. ولدى وصولي كان خبر سيئ في انتظاري. فإثر اشتباك عنيف ودامٍ في الجرد العالي بين جماعة فنيدق (سُنّة) ورجال من عشيرة ناصر الدين (شيعة)، أصدرت هيئة الأركان أوامرها بتدخل الجيش بعدما تبيّن أن قوات الأمن عاجزة وحدها عن ضبط الوضع. كان العقيد خطار حيدر، قائد المنطقة بالوكالة قبل مجيئي، قد أرسل على عجل، سرية من كتيبة القناصة الثالثة، الموجودة في حامية طرابلس كقوات دعم، وذلك للفصل بين المتقاتلين والتمركز من ثم على مرتفعات قلعة عروبة التي كان كل من الفريقين يحاول احتلالها للسيطرة على تجمعات خصمه. لذا، فإن تمركز عناصر الجيش على هذه القمم الشاهقة التي تتمتع بأهمية إستراتيجية كبيرة على كل أنحاء المنطقة، قد أثار قلق كل العشائر المجاورة التي رأت نشاطاتها السرية وغير الشرعية (تهريب، قطع طرق) مشلولة تماماً. ليلة 2827 تموز، أي التي سبقت وصولي الى حاميتي الجديدة، قامت مجموعة من عشيرة ناصر الدين، يدعمها عدد من أبناء طائفتها من العشائر المجاورة، بعملية واسعة النطاق ضد أفراد الجيش المتحصنين في المرتفعات. تسلل المهاجمون خلال الليل نحو القمم وانقضوا بعنف مستخدمين عنصر المفاجأة، على موقع العسكريين الذين اضطروا، نظراً لعدد المهاجمين وعامل المباغتة وسرعة تنفيذ عمليتهم، الى إخلاء موقعهم، ما أدى الى سقوط هذا الموقع الهام في أيدي العشائر، جُرح بعض العسكريين واستولى المهاجمون على بندقية عسكرية واحدة. هذا التحدي لم يكن المشكلة الوحيدة التي سأواجهها فور وصولي الى طرابلس، بل إن المضايقات في تلك المنطقة كانت كثيرة ومتشعبة. ومن المفيد هنا أن أعطي صورة دقيقة عن حال الفوضى والبلبلة وانعدام الاستقرار التي كانت سائدة في الشمال لدى تسلمي تلك المنطقة الهائجة والمضطربة، ففضلاً عن هذا الحادث المفاجئ في قلعة عروبة، وبرغم خمود الفتنة في الأماكن الأخرى، ظلت أقضية الشمال ولا سيما أطرافها في عكار في غليان. 1 في أقاصي الأراضي اللبنانية الشمالية، كانت قرية أكروم السنّية في نزاع مكشوف مع عشيرة جعفر الشيعية القوية. وسبق لآل جعفر أن نفذوا في أواخر تموز 1959 غارات عنيفة سقط من جرائها ثمانية قتلى من الأكروميين واثنان من آل جعفر. 2 نزاع آخر خفي هذه المرة بين آل جعفر أنفسهم وأهالي القريتين المسيحيتين المجاورتين عندقت والقبيات. 3 سكان شدرا وعيدمون المسيحيون على توتر مع أهالي مشتى حسن ومشتى حمود السُنّة بعدما وقع قتلى في صفوف الجانبين. 4 قبائل البدو السُنّة من آل عتيق المعزولة في وادي خالد المنيع والمرهوب الجانب، كانت تشن من حين الى حين غزوات دامية ومدمرة على تجمعات عكار العالي، عدا عما كانوا يقومون به من أعمال منافية للقانون كتهريب الأسلحة والمخدرات وكل المواد الممنوعة. 5 عشيرة جعفر كانت بدورها على خلاف مع أهالي عكار العتيقة السنّية حول أرضٍ لم تكن تخص هؤلاء أو أولئك، بل كانت أملاكاً حكومية تقع بين عروبة وكرم سباط. 6 لم تكن مياه الري بعيدة عن مجرى النزاعات. فكان سكان تكريت السُنّة غالباً ما يسدّون الينابيع التي تغذي قرية بيت ملات المسيحية وسائر القرى المجاورة. 7 أهالي فنيدق السُنّة كانوا في نزاع أيضاً، الى مشكلتهم الكبيرة مع آل ناصر الدين، مع جيرانهم السُنّة سكان قرية مشمش. 8 عداء عنيف بين سكان قرية رحبة المسيحيين والسُنّة بسبب تشييد جامع داخل النطاق المسيحي في القرية. 9 كان بعض أفراد قرى عكار الأوسط (ادبل، جبرايل) من الحزب القومي السوري الإجتماعي على عداء مستحكم مع أخصامهم، بسبب تأييد الحزب القومي لشمعون خلال ثورة 1958. 10 قرية المنية السُنّية الكبيرة، وهي تجمع شديد الاضطراب، كانت تعاني من انعدام الأمن والفوضى بسبب مياه الري، ما كان يؤدي باستمرار الى أعمال ثأرية، فضلاً عن خلاف مزمن مع شركة نفط العراق (I.P.C) حول أراضٍ كانت سابقاً ملكاً لأهالي المنية، فاستملكتها المفوضية الفرنسية السامية لمصلحة الشركة المذكورة وحاجاتها. أما السلطة الحكومية في عكار والضنية فكانت لدى وصولي الى الشمال غائبة كلياً. ذلك أنه منذ أن ألغى الثوار كل وجود للدولة في عكار، أصبحت المنطقة خارجة عن نطاق الدولة. فلا إدارة فيها ولا رجال درك ولا عدالة ولا مصالح حكومية ولا مدارس ولا طرقات ولا هاتف ولا كهرباء ولا أمن بل منطقة من الفلتان الأمني لا يسيطر عليها أحد. منذ بدء الفتنة أُعلن كل الشمال منطقة عسكرية خاضعة للأحكام العرفية. وعندما انتهت الأحداث، أُعفي الجزء الجنوبي والجنوبي الشرقي من المنطقة (البترون، الكورة، بشري) من تلك الأحكام، التي بقيت سارية المفعول في الجزء الآخر (زغرتا، الضنية، عكار). غير أن هذه الأحكام لم تكن لتُطبق في عكار إلاّ من الناحية النظرية. ففي هذا القضاء المضطرب كان الوضع الإداري والاقتصادي والاجتماعي والصحي في حالة يُرثى لها. وقد أقدم البعض على نسف معمل الكهرباء على نهر البارد ومعمل تكرير السكر في العبدة وعنابر ومنشآت مطار القليعات وغيرها من المؤسسات الأقل أهمية، ولا سيما في عندقت والقبيات (معمل صابون، معصرة زيت، معمل تقطير..). هذا في عكار، أما القضاء الثاني الذي ضعضعت الثورة أمنه، أي الضنية، فقد كان مسرحاً لاشتباكات محلية، بين قرية وقرية، ووقعت تصفيات جسدية بين الطائفتين (المسيحية والإسلامية) اللتين كانتا تعيشان في سلام حتى ذلك الحين، أدت الى هجرة جماعية للسكان المسيحيين. فأخليت قرى بكاملها نزح عنها سكانها ولجأوا الى ارده وزغرتا والجوار. وهكذا فرغت الحوارة وعاصون ومراح السفيرة وكرم المهر وعمار، إلاّ من بعض الأفراد الذين آثروا البقاء لحماية ممتلكاتهم. تركت هذه الاعتداءات والتصفيات بين الطائفتين آثارها السيئة. وقد حاول شيخ مسلم من قرية إيزال أن يصالح أحد أقربائه مع أبناء قرية عمار المسيحية المجاورة، فاعتلى صخرة مرتفعة وراح ينادي عبر الوادي أهالي عمار ليرسلوا وفداً الى قريته للتفاهم وحل المشكلة العالقة بين القريتين. إلاّ أن قناصاً مجهول الهوية، مع الأسف، كان كامناً في مكان خفي، أطلق عليه من بُعد رصاصة واحدة كانت كافية لقتله. وبالطبع لم تحصل المصالحة التي أرادها الشيخ المسالم بل عادت الاشتباكات وأعمال الثأر الى سابق عهدها. ثمة حادث آخر أشد خطورة، تسبب به أشخاص من زغرتا. فقد وقعت سيارة، كانت تُقِلّ خمسة مسلمين من نمرين (الضنية) لدى وصولها الى قرية إرده، في كمين مسلح نصبته جماعة من آل الدويهي، على ما يبدو، واغتيل ركابها في الحال. وقد شكل هذا الاعتداء شللاً في كل محاولات التهدئة وعرقل مساعي المصالحة وتسبب بأعمال انتقامية أشعلت تلك القرى من جديد. أما المشاكل الأكثر تعقيداً فكانت تنتظرنا في زغرتا نفسها، حيث الفريقان المتخاصمان في نزاع مستمر يكاد يقضي على البقية الباقية منهما، وهذا النزاع، الذي لا يمت الى الأسباب الطائفية بصلة، كان يدور بين أقارب وأنسباء وعائلات البلدة الواحدة، ولم يكن أقل عنفاً وشراسة. وغالباً ما شُبهت زغرتا بجزيرة كورسيكا التي لم تتوقف فيها أعمال الثأر حيث كان يسقط من جرائها أبناء تلك القرية الواحد تلو الآخر بلا رادع أو وازع، ومعظم نساء زغرتا يتشحن بثياب الحداد السوداء باستمرار. فمنذ وصول الرئيس شمعون الى السلطة برز عداء من جانب أنصار حميد فرنجية، أحد أبناء زغرتا الأبرار، الذي كان منافسه الوحيد على منصب الرئاسة، فكان من الطبيعي أن ينعكس الأمر على عائلة فرنجية كلها وعلى عائلة معوّض التي جارت آل فرنجية لأسباب انتخابية. لذا وقفت العائلات الأخرى (دويهي، كرم، بولس مكاري) مع الفريق الآخر المؤيد لسياسة الرئيس شمعون، حيث ناضلت عائلة دويهي بعنف فيما لزم الآخرون جانب الاعتدال والحذر. عندما وقعت مجزرة كنيسة مزيارة العام 1957 والتي تسببت بأحداث عنيفة خضت المنطقة، سقط أكبر عدد من الضحايا من آل دويهي، نظراً لوقوف آل مكاري وآل كرم على الحياد والبقاء خارج اللعبة، وعلى أثر هذه الجريمة ثارت ثائرة الرئيس شمعون وأعطى أوامره بالرد عليها بعملية عسكرية عنيفة وسريعة. وصدر قرار بإجراء الملاحقات القانونية بحق الفاعلين واتخاذ اجراءات مشددة، اعتقل بنتيجتها كل الذين اشتركوا في هذه العملية من آل فرنجية ومعوّض وزُجوا في السجن. ثم جرت محاكمتهم وصدرت في حقهم أحكام مختلفة، أما زعيما العائلتين: سليمان فرنجية ورينيه معوض فانتقلا الى سوريا. إبان أحداث 1958 وقف آل فرنجية ومعوض تلقائياً في الخندق المناهض للحكم. وحمل من بقي منهم خارج السجون، السلاح ضد السلطة الشرعية فيما كان زعيماهم يزودانهم من منفاهما في سوريا بمختلف أنواع الأسلحة والذخيرة والمعدات. لدى وصولي الى قيادة الشمال، كان سجل الوفيات في زغرتا، باستثناء الضحايا الذين سقطوا أثناء الثورة، لا يقل عن 160 شخصاً قضى معظمهم اغتيالاً. وكانت تلك البلدة ما تزال محاصرة من قبل الجيش ويُطبَّق فيها منع التجول والأحكام العرفية، وتجري فيها ملاحقات عديدة واعتقالات وأعمال قمع مسلح. هناك أيضاً بشري بانتفاضاتها المفاجئة والموسمية، أحياناً ضد السلطات وأحياناً أخرى ضد شركة كهرباء قاديشا التي تستخدم المياه التي تجتاز قريتهم لتشغيل توربيناتها، وفي كثير من الأحيان يتخاصمون في ما بينهم لأسباب انتخابية أو حق أفضلية وغيرها من أسباب النزاع، كالمياه والمراعي وزراعة حشيشة الكيف في أراضي بشري البقاعية وخصومات الجوار والحدود التي تصبح جدية عندما يتعلق الأمر بأملاكهم البقاعية المتاخمة لأملاك العشائر الشيعية. فبشري تملك على السفح الشرقي من جبل ظهر القضيب عدداً من القرى التي يسكنها كلياً أنسباء لهم أو من أبناء قريتهم وقد سلموا أراضيهم فيها الى مزارعين. ومن هذه القرى: عيناتا، بشوات، دير الأحمر، شليفا، نيحا، يمونة، تل صوغه وغيرها. وعندما كان سكان هذه القرى يدخلون في نزاع حول المياه أو المراعي أو المشاكل العقارية مع جيرانهم الشيعة في حربتا أو حلبتا أو مع عشائر شمص وزعيتر وعلّو وأمهز وغيرها، كان البشراويون يهرعون بلا إبطاء لمؤازرة ذويهم، وما يلبث الصراع أن يتحول نزاعاً طائفياً فيضطر الجيش الى التدخل فوراً للفصل بين المتقاتلين ووقف تلك الاشتباكات التي تلحق الأذى بالوحدة الوطنية. وفي الكورة، كان هذا القضاء يعج بالعناصر النافذة والقيادية في الحزب القومي السوري الاجتماعي. وهذا الحزب كان قد انضم إبان ثورة 1958 الى الشمعونيين لأسباب سياسية وليس ايديولوجية، وبرغم هذا الموقف الظرفي المناقض لمبادئه، لم يتأذ عناصر هذا الحزب من موالاتهم لشمعون، ولم يضايقهم جيرانهم السُنّة في المنطقة برغم عداء هؤلاء للسياسة الشمعونية الخارجية. وبالتالي فإن القوميين سوف يلزمون الهدوء من 1958 حتى أواخر العام 1961 عندما سيُعيدون الكرة في محاولتهم الانقلابية. في البترون بقيت الحال في حدود مقبولة لولا بعض الاحتكاكات المحلية بين أخصام انتخابيين. في شكا، تسببت الاضطرابات والمطالب العمالية من جانب موظفي وعمال شركات الترابة، بأكبر قدر من المشاكل والإزعاج الدائم لنا. أما طرابلس، عاصمة الشمال، فكانت قد استعادت استقرارها فور انتهاء الثورة. إلاّ أن النار بقيت كامنة تحت الرماد. وكانت بعض الأحداث العارضة التي تقع لأسباب مختلفة تضطرنا من حين الى حين للنزول الى الشارع لقمع أي محاولة تخريبية ومثيرة للفتن على وجه السرعة لئلا تعيد فتح الجراح التي عانينا الكثير لتضميدها. هذا ما كان عليه الوضع في أواخر تموز 1959، وهو وضع بالغ الحساسية وقابل للتفجر الى حد ما وهو ما سأواجهه في تلك الأمكنة التي تعيش حالة غليان مستمرة. فما عساي أفعل للنجاح في تلك المهمة التي بدت مستحيلة وشائكة، وأبقى على مستوى الثقة التي منحتني إياها السلطات العليا والقيادة العسكرية؟ لا بدّ من الإشارة أيضاً الى أنه، بالإضافة الى ضخامة المهمة التي تقع على عاتقي، سوف أواجه منذ وصولي، جواً شعبياً ضاغطاً وحذراً لا بل معادياً. فلقد سرت شائعات مغرضة بشأني في الأحياء الغربية من بيروت إبان الأحداث الأخيرة وهي تغمز من قناة كثافة العمليات الجوية وفاعليتها ضد مواقع المتمردين، وهي عمليات تمت بتكليف من القيادة العسكرية. وقد تسبب لي هذا الأمر ببعض الضغينة في صفوف مَنْ أزعجتهم هذه العمليات أو شلت تحركاتهم. فهذه الشائعات الكاذبة والملفقة سبقتني الى طرابلس عشية تسلمي مركزي الجديد، وتولى بعض الأشخاص، نشرها وترويجها في الأوساط الاسلامية التي تؤلف أكثرية أكيدة في الشمال وكلها معادية للشمعونية. جرت العادة في لبنان، لدى وصول موظف كبير، عسكري أو مدني، ان تتدفق الى استقباله وفود الوجهاء والشخصيات المرموقة في المنطقة من كل الانتماءات والطوائف، إذ تعتبر زيارة ممثل السلطة والترحيب به والتمني له بنجاح مهمته والإعراب عن ولائهم للسلطة والنظام اللذين يمثلهما واجباً وطنياً مقدساً. أما أنا شخصياً فلاحظت عندما تسلمت مركزي الجديد، بعض الفتور من جانب الطوائف الاسلامية وحتى من قبل بعض المسيحيين النافذين الذين لا يؤيدون السياسة الشهابية وبالتالي سلطة الجيش. فكان عليّ أن أواجه هذا العائق الضخم فضلاً عن الصعوبات الجمة الناجمة عن زعزعة الأمن. وحتى أنجح في هاتين المسألتين لا بد من أن أعالج هذه الروح المسيئة وأزيلها بأسرع ما يمكن لأنها تمهد الطريق أمامي لإزالة الألغام الأمنية. مع العشائر عقدت في 30 تموز، في مكتبي، اجتماعاً ضمّ هيئة أركان وقادة قوات أمن الشمال لدرس الوضع ومناقشته، بعدها اتخذت القرار بالقيام بعمل عسكري لإعادة احتلال القمم ذات الموقع الاستراتيجي المنيع ومحو الإساءة التي حصلت قبل يومين وبسط سلطة الدولة على هاتين العشيرتين المتخاصمتين وإعادة الأمن والنظام. غادرت التشكيلة المكلفة تنفيذ هذه المهمة، طرابلس، ليل الأول من آب ووصلت الى المكان المستهدف في اليوم نفسه قبل بزوغ الفجر. ومضت في اليوم التالي 2 آب عند الرابعة فجراً، تتسلق قمم قلعة عروبة الشاهقة الارتفاع. كانت العملية تقضي بالتقدم على شكل فكي كماشة من جهتي الموقع المعادي، وتهديد مغتصبيه، بعد تثبيتهم من الأمام بمعاونة الطيران المحلق فوق المنطقة بالاستسلام أو بالانسحاب الفوري. لم يستغرق الأمر أكثر من ذلك حتى لاذ المتمردون بالفرار واختفوا بأقصى سرعة. هذا الدرس، الذي لم يكن واسع النطاق بل انحصر في موقع صعب، أعطى الدليل القاطع على ما ينتظر رفاقهم في مواقع أخرى. فحتى ذلك التاريخ لم تكن عشائر الجرد قد تراجعت أمام أية قوة. وقد سبق أن حاول العثمانيون ومن ثم الفرنسيون، عبر حملات عسكرية عديدة، إخضاع المتمردين في الماضي من غير جدوى. لأن العمليات التي كانوا يشنونها لم تكن بالقوة المطلوبة بل كانت محدودة. لذا لم تستطع يوماً زعزعة مقاومة هؤلاء الجبليين الشديدي المراس. بعد يومين، في 4 آب، كان كل زعماء عشيرة جعفر النافذة، ينتظرون في بهو مركز قيادتي في القُبّة، ريثما أستقبلهم ليتسنى لهم الإعراب عن ولائهم للسلطة. زعيمهم الأكبر علي حمد جعفر (أبو ياسين) الذي كان قد ورث الزعامة عن والده المقدام ابو علي، كان ما يزال شاباً في العقد الثالث من العمر، وقد اكتسب من والده روح البسالة والسطوة والصراحة، فرجل بهذه الصفات، لا يسعنا منذ الاحتكاك الأول، إلا ان نتخذه عدواً لدوداً او حليفاً وفياً صادقاً. وكان الخيار الأخير هو الأوفر حظاً. إذ قطعنا عهد شرف ووضعنا بالتالي أسس تعامل يقوم بموجبه أبو ياسين بتقديم ولائه التام والصريح، ويصبح بالتالي آل جعفر موالين للسلطة في الجرد. ولم يضع أبو ياسين أي شرط، بل أنا الذي اتخذت المبادرة لأطمئنه بأنه لن يُطلب يوماً من عشيرة جعفر أن تخالف التقاليد القبلية القديمة و لن يُطلب منها أن تتنكر لعهود الشرف القبلي كأن تحمل السلاح الى جانب السلطة ضد عشائر أخرى صديقة أو حليفة. وفي هذه الحال تلتزم عشيرة آل جعفر الحياد الفعلي، وتحترم تقاليد الشرف العشائرية. كل ما طلبته منهم حينها هو عدم الإخلال بالأمن او مساعدة أي كان على انتهاك حرمة القانون. ثم عرضت عليهم برنامجي المتعلق بتطوير منطقتهم من الناحيتين البشرية والاجتماعية: ظروف السكن والخدمات الصحية والتربوية، طرقات، مدارس، ري، مياه الشفة، كهرباء، هاتف، مراعٍ، تربية الماشية.. ولتحقيق هذا البرنامج كان عليّ الحصول على موافقة الحكومة على تمويله. أما آل ناصر الدين، فقد انسحبوا الى معاقلهم التي كانت في الماضي تعتبر منيعة، إلاّ أنها لم تعد كذلك بوجود الطيران. غير أنهم سوف يستمرون من حين الى آخر بشن بعض الغزوات والتعديات على خصومهم في المقلب الغربي من الجبل. فإخضاعهم سيتم نتيجة حملة عسكرية لاحقة. نجحت في الحصول على موافقة الرئيس شهاب على كل برنامجي الإنمائي في الجرد. وبما أن الحكومة نالت موافقة المجلس النيابي على المراسيم الاشتراعية التي قدمتها إليه للتصديق عليها، فقد حصلت، بلا تأخير، على الاعتمادات التي كنت قد طلبتها، وبدأت الأشغال منذ شهر تشرين الأول من السنة نفسها. بالنسبة الى الطرقات، وُضع تصميمها أولاً وفق الضرورات الاستراتيجية، ثم بالاتفاق مع رجال العشائر لتسهيل وصولهم الى أراضيهم الزراعية، كما أن أفراد هذه العشائر اشتركوا في هذه الأعمال ليستفيدوا مباشرة منها. فاختير من بينهم العديد من المراقبين لتأمين حسن سير الأشغال وعدد كبير من العمال أنفسهم. وفضلاً عن ذلك فقد طُلب منهم توفير بعض المواد اللازمة من رمل وحجارة وحصى.. هذا النهج الذي طبقته، سهل علينا كثيراً مدّ الطُرق عبر هذه المساحات الواسعة التي كانت معاقل عاصية لم تطأها أي قدم غريبة. وبالفعل فقد باح لي أبو ياسين، عندما حدثته عن مشروع الطرق التي ننوي شقها في منطقتهم، أن هذه القمم المنيعة لم يصل اليها الغزاة لافتقارها الى مواصلات، ولم يُخضعها أحد، لا الأشوريون ولا الحثيون ولا المغول ولا العثمانيون ولا الفرنسيون والإنكليز أخيراً ولا سواهم من الغزاة ممن تدفقوا عبر التاريخ. أما اليوم، تابع قائلاً، فثمة اسباب مقدسة ثلاثة تجبرني على الموافقة على مطالبكم: أولاً؛ ولاؤنا الصادق للحكم اللبناني الجديد. ثانياً؛ ايماننا بالنظام الحالي، وأخيراً وليس آخراً، ثقتنا التامة بشخصكم. منذ القدم، كانت تتملكنا خشية متجذرة تدفعنا الى تحاشي الجنس البشري وإيثار وحوش الطبيعة عليه، ليس سيفكم هو الذي سيخرجنا من عزلتنا الموحشة ويُخضعنا للسلطة لأول مرة في تاريخنا، بل هي عدالتكم واهتمامكم بنا، وهكذا شُيّدت في التجمعات المهمة المدارس المجانية التي زودتها الدولة بالمدرسين والتجهيزات كافة. وأُعطيت المنح للتلامذة المتفوقين لمتابعة دروسهم في مختلف معاهد البلاد. فتحوّل ابن علي حمد جعفر بعد بضع سنوات من كاوبوي (Cow Boy) الى محامٍ. أُنشئ نظام للري ابتداءً من الينابيع الأكثر غزارة والأفضل موقعاً لتحسين الأراضي الصالحة للزراعة. وعُهدت أعمال توزيع المياه ومراقبتها في البدء الى رتباء في الجيش ومن ثم الى المخاتير تحت رقابة زعماء العشائر. فيما جُرّت مياه الشفة عبر قنوات مغطاة وقساطل من الينابيع الى الخيام والقرى. أما التجمعات السكنية الواقعة في مستوى أعلى من الينابيع، فحُلَّت مشكلتها بحفر آبار ارتوازية. كذلك أقيم في التجمعين الأكثر كثافة سكانية، مستوصفان مع كل ما يلزمهما من جسم طبي وموظفين ومعدات وأدوية. وسوف يُلحقان في ما بعد بتشييد مستشفى ريفي في الهرمل. وُزعت موسمياً بذور لكل أنواع الحبوب الزراعية لاستصلاح الأراضي الصالحة للمراعي وتوسيع مساحتها وبالتالي لتطوير تربية المواشي. وكلف طبيب بيطري بالسهر على صحة الماشية ومنع الأوبئة من الفتك بها. أما الكهرباء فسوف تدخل الى تلك المناطق في اطار برنامج متكامل وضعه الرئيس شهاب لإيصال هذا الاختراع السحري الى كل المناطق والقرى المحرومة منه حتى الآن. ان معظم البرنامج الإنمائي الذي خططت له سوف يُنفذ خلال وجودي في الشمال، ولا سيما الشق المتعلق بالطرقات والمدارس والمياه والصحة والمراعي والكهرباء. وهكذا استطعت أن أفي بكل الوعود التي قطعتها لآل جعفر الذين أصبحوا منذ ذلك الحين مثال الولاء للوطن والتعاون والوفاء. في 28 آب استدعيت الى مكتبي في القيادة نائب الضنية نصوح آغا الفاضل ومعه بعض وجهاء قرى سفيرة، غرين، بقرصونة، بقاع صفرين، بطرماز، ايزال، بيت الفقس، قرصيتا، طاران، بخعون، عاصون، كرم المهر، مراح السفيرة بهدف ابلاغهم قراري اعادة السلام الى منطقتهم والتعاون الذي أنتظره منهم. في الوقت نفسه كان لا بد من اعادة المهجرين المسيحيين الى منازلهم بعدما اضطروا الى النزوح عنها قسراً أثناء ثورة 1958. فأبدى النائب نصوح آغا الفاضل، هذا الأرستقراطي النبيل الخلق، الدمث الطباع والانساني، كل تعاون معي وكل تساهل في هذا السبيل. فقد وضع كل سطوته ونفوذه العشائري على ذويه لمصلحة قضية استعادة المواطنين المسيحيين حقوقهم وعودتهم الكريمة الى قراهم. أبدى بادئ الأمر مسلمو الضنية تحفظاً شديداً وتصلباً في مواقفهم. فمصرع شيخ قرية ايزال وركاب السيارة الخمسة في إرده زادا من قسوتهم فترددوا كثيراً قبل الرجوع عن مواقفهم وإظهار بعض الليونة. وقد استلزم الأمر جلسات عديدة وسيلاً من الفصاحة والبلاغة والحجج المقنعة حتى سلموا بالأمر. وعندما قرروا التخلي عن جموحهم، كان تعاونهم تاماً وصادقاً. كما أن معظمهم أمثال ناظم الحايك، توفيق شُندب، جميل لاغا، محمد عمار، أصبحوا في ما بعد من أخلص الذين ساعدوني في عملية التهدئة وإعادة الإستقرار النفسي والمصالحة الطائفية. في 2 تشرين الأول استدعيتُ الى مركز قيادتي كل مشايخ عشيرة »العتيق« وطلبت منهم أن يعرضوا عليّ وضعهم، فكرت سُبحة طويلة من الشكاوى والمطالب، وراح البدو يستفيضون في شرح مآسيهم وحياتهم الصعبة في أقاصي البلاد، على هضاب أكروم الجرداء، حيث يفتقرون الى كل شيء: فلا طرقات، ولا مياه، لا نبات، لا قواعد صحية، لا دولة وحتى لا أمل في أن يروا بعض الرخاء يصلهم يوماً. فهم حالياً يعيشون من تربية المواشي والسلب والنهب والتهريب، كما أنهم منبوذون من المجتمع بلا وطن وبلا هوية وبلا جذور. فوعدتهم بأن أدرس مطالبهم جدياً. ولكن عليهم من الآن وصاعداً احترام القانون. وبصفتي ممثلاً للسلطة العسكرية، لن أسمح بأن تنتهك هذه السلطة وأن يستمروا على تصرفاتهم السابقة والإساءة الى جيرانهم. فما كان من أحد مشايخهم إلاّ أن فاتحني بكل صراحة بأن لا احد من مشايخ القبيلة يستطيع السيطرة على رجاله ما لم يكن لديه ما يقدمه إليهم في المقابل. في عكار ابان الثورة غابت سلطة الدولة كلياً عن قضاء عكار. إذ عمد زعيمان محليان هما عبد الكريم القدور وعلي عبد الكريم، بمساعدة من خارج الحدود، الى رفع لواء الثورة وبسطا سلطتهما على المنطقة طوال فترة الأحداث. في حين عمد زعيمان من قرية فنيدق هما محمود البعريني والحاج علي مصطفى الى نشر الرعب في الجوار والإبقاء على حال التوتر في القضاء. أُخمدت الفتنة في كل لبنان منذ بضعة أشهر فيما بقيت الأجواء متوترة في عكار. فما أن تمت السيطرة على بؤر الفتنة في منطقة الشمال وسُوّيت حتى بدأت أبحث في طريقة لمعالجة قضية الأمن في عكار حيث كان زعيما فنيدق وراء هذه المشاكل فيها. وبعد التفكير ملياً، ارتأيت ألاّ تكون مطاردة هذين الخارجين على القانون واعتقالهما في حملة واسعة النطاق حرصاً على هيبة الجيش ونفوذه. بل يجب توقيفهما على يد عناصر محدودة تدعمها عند الحاجة، مجموعة من المغاوير تتمركز قرب القرية. إذ كان لا بد من هذه التجربة لإظهار الدولة على الملأ أنها أصبحت قوية بما فيه الكفاية وإثبات ذلك بأعمال بسيطة لا تتعدى النطاق البوليسي والإداري وليس بعمليات عسكرية أياً كان حجمها ونطاقها. وبعدما وضعت خطتي، استدعيتُ في 8 كانون الأول الملازم أول محمود طي أبو ضرغم (*) الى مكتبي لأكلفه بالمهمة قائلاً له: »أُريد أن توقف، من دون عملية عسكرية، زعيمي فنيدق: الحاج علي مصطفى ومحمود البعريني. عليك ان تتوجه في ساعة مبكرة من صباح غد، بمفردك وحتى من دون سائق، الى فنيدق. سلاحك الوحيد، مسدسك وجهاز لاسلكي. ولدى وصولك الى ساحة القرية، نادِ على أحد لكي يذهب ويستدعي أمامك الشخصين المطلوبين. وعندما يعلمان بأنك بمفردك، سوف يأتيان على الأرجح مسلحين. عندها تقول لهما: إن العميد بستاني قائد المنطقة، يطلبكما الى مركز قيادته في الحال. تفضلا معي. غير أني أُلاحظ أنكما مسلحان. بإمكاني حجز هذا السلاح، لكنني آخذ على عاتقي السماح لكما بأن تعيدا إرساله الى منزلكما مع أحد رجالكما وتصعدا معي الى السيارة فوراً«. أعلمت الملازم أول »ابو ضرغم« بأنني أرسلت الليل الفائت سرية مزودة بأسلحة ثقيلة، وقد تمركزت هذه السرية في وادٍ جنوبي قرية فنيدق، في مدى قدرة عمل جهازه اللاسلكي. وفي حال أبدى الرجلان أية مقاومة، ينسحب من دون أن يدعهما يكتشفان ما يضمر. وما أن يصبح خارج القرية، حتى يكلم عبر الجهاز السرية لتقوم بمحاصرة القرية وتمشيطها وإلقاء القبض بقوة السلاح ليس على الحاج علي مصطفى والبعريني وحدهما بل على كل أنصارهما. غير أن »ابو ضرغم« لم يكن مضطراً الى اللجوء الى العنف. فالزعيمان المطلوبان كانا على قدر من الفطنة حتى يفهما ما هي القوة والسلطة اللتان تقفان وراء تصرف هذا الضابط الذي جاء وحده، من دون سلاح تقريباً ومن دون مرافق لإبلاغهما بأن السلطة العسكرية تستدعيهما وإيصالهما الى المكان المطلوب. سأل محمود البعريني الحاج علي مصطفى: هل نلبي الطلب ونحن مَنْ نحن مع رجل واحد؟ فأجابه الحاج علي مصطفى: هذا ليس رجلاً واحداً، يا محمود، إن وراءه دولة! تصرف الرجلان مثلما تصورت أنهما سيفعلان. فلقد تخلّصا من أسلحتهما وأرسلاها الى منزليهما ووضعا نفسيهما في تصرف الملازم أول دونما ضرورة لاستخدام القوة. لدى وصولهما الى القيادة، أعطيتُ امراً لتوقيفهما في الثكنة. وبما أن العفو يشملهما فلا يمكنني في هذه الحال إحالتهما الى القضاء. كانا في كل لحظة، يرجوان رئيس المخفر التوسط لأوافق على مقابلتهما. غير أنني لم أستدعهما الى مكتبي إلاّ في اليوم الثاني. فما أن اجتازا عتبة الغرفة حتى أسرعا الى اعلان الطاعة. فأفهمتهما عند ذلك أن زمن الثورة قد ولّى وأن أعمالهما الحالية سوف تُعتبر أعمالاً إجرامية يعاقب عليها القانون. وأضفت قائلاً: »بلغني أنكما كنتما، في ما مضى، مواطنين صالحين، بودي أن أؤمن بأنه ما زال من الممكن ردكما الى الصراط المستقيم. سأدعكما تعودان الى قريتكما للتفكير بالأمر لفترة يومين، بعدها، إما تأتيان لمقابلتي وأقوم أنا في المقابل بمساعدتكما على إصلاح الوضع وإنقاذكما أو تمتنعان فأترك عندئذ الكلام للملازم أول »أبو ضرغم«. نظر الرجلان أحدهما الى الآخر وكأنهما يتساءلان عما يفعلانه. ثم طلب الحاج علي مصطفى الأكبر سناً والأشد سطوة على ما يبدو، الكلام: »لسنا بحاجة الى مهلة للتفكير في الجواب. إننا نختار الشرعية. غير اننا نطلب فقط مساعدتكم لإبعاد رجالنا عن طريق الشر والمشاكل وذلك بتأمين عمل لهم، كما نطلب تأمين مدرسة لأولادنا«. حسناً، هذا وعد، أجبتهما. وفضلاً عن ذلك، لاحظت منذ فترة أثناء مروري في فنيدق أن ورشة بناء المسجد فيها متوقفة. المال ينقصنا، قال الرجلان معاً. فطمأنتهما قائلاً: »آخذ هذه المسألة على عاتقي«. فوعدا بأن يتعقلا ويلزما الهدوء. وبالفعل برّا بالوعد، وقد أصرا على أن يأتيا الى مركز القيادة لتقديم فروض الطاعة بانتظام مرة في الأسبوع. ومن جهتي، أمنت لكل منهما عملاً مربحاً. وجندت وجيه، ابن محمود في صفوف الدرك و اخرين في الجيش و وظفت نحو عشرة منهم في مصالح مدنية. أما بالنسبة الى المسجد، فقد منحني الرئيس شهاب عشرة آلاف ليرة، وجمعنا من التبرعات عشرين ألف ليرة أخرى. وهكذا انتهت أعمال المسجد بعد أربعة أشهر. كذلك لُحظت اعتمادات في الموازنة لبناء مدرستين رسميتين (واحدة للبنين والأخرى للبنات)، وأصبحتا جاهزتين في السنة التالية لاستقبال الطلاب. عندما علم الزعماء الآخرون في قضاء عكار، لا بل في كل الشمال، كيف أوقف زعيما فنيدق، أصيبوا بالذهول وانتابهم الهلع. فخشية السلطة هي الدواء الأنجع لرد العُصاة الى بيت الطاعة وجعل الجميع يحترمون القانون. إنها مسلمات معروفة منذ بدء الخليقة. وهكذا، أصبح منذ ذلك الحين الحاج علي مصطفى ومحمود البعريني مواطنين صالحين ومن أشد المتحمسين ولاءً للشرعية ودفاعاً عنها، في تلك المنطقة النائية التي كانت حتى ذلك التاريخ تسودها الفوضى والقلاقل. هامش * الملازم أول أبو ضرغم أحد قائدي فصيلتي المغاوير اللتين شكلتهما في غضون شهرين من وصولي الى قيادة الشمال. وقد نجح أبو ضرغم ورفيقه الملازم أول فؤاد الغرّ في كل أعمال القبض التي كلفا بها، وأوقفا نحو خمسين خارجاً عن القانون ومطلوباً من العدالة.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة