As Safir Logo
المصدر:

صفحات من تاريخ أهم مرحلة وأخطرها في لبنان والعالم العربي بطل»إتفاق القاهرة«إميل البستاني يتذكر:ثورة 1958-عام الإنفجار3(صور)

المؤلف: البستاني اميل التاريخ: 1997-03-01 رقم العدد:7631

العام 1958 هو عام الانفجار الداخلي العام في لبنان، وهو الأول في اتساعه، منذ حصول لبنان على استقلاله الكامل الناجز. أما أسبابه فعديدة: خارجية وداخلية، تاريخية وجغرافية، سياسية ودستورية، وفي النهاية ثورية. هذه الكتلة من الأسباب التي تجمعت والتي يصعب فهمها وفكّ ألغازها، جاءت لتغطيها كلها، حجة مصطنعة إلاّ أنها قابلة للانفجار: التجديد الرئاسي! فالرئيس شمعون الدستوري، لا بل من رعيل الدستوريين الأوائل، كان قبل ارتقائه سدة الرئاسة، يُعدّ في المضمار اللبناني العربي، مسيحياً ذا نزعة عربية لا شك فيها. كما أنه دافع العام 1946 في الأمم المتحدة الحديثة العهد آنذاك، عن قضية استقلال لبنان وبالتالي طالب بتحرير كل العالم العربي من أي وجود أجنبي أو استعمار، حتى لُقّب لكثرة حماسته »بفتى العروبة الأغرّ«، وقد تميز بين عامي 1944 و1947، عندما كان وزيراً مفوضاً للبنان في لندن، بتهجمه العنيف وانفعاله ضد الوجود الفرنسي في الشرق الأدنى، ما جعل تصرفه هذا ينطبق أيما انطباق على سياسة بريطانيا الخارجية وعلى الدهاء البريطاني الذي جسده خير تجسيد في الشرق، في فترة ما، الكولونيل لورانس الشهير والجنرال سبيرز. وكانت بريطانيا الداهية تهيئ مستقبلها في هذه المنطقة الواعدة بالثروة النفطية بمنح الدول العربية الواقعة تحت وصايتها شبه استقلال تزعم أنه استقلال تام، غير انه مُقيَّد بمعاهدة تبقي هذه البلدان تحت سيطرتها الخفية. في هذه الأجواء كان كميل شمعون يسعى الى مماشاة الخط الانكليزي الذي يضمن وصوله الى خلافة بشارة الخوري. أفلم يبدأ حياته السياسية، حتى قبل أن يصبح ممثلاً لبلاده في لندن، بالزواج من زلفا تابت الانكليزية الأم؟ ولدى عودته من لندن العام 1947، اعتبر نفسه المؤهل الوحيد للرئاسة والذي يتمتع بكل الصفات اللازمة لخلافة بشارة الخوري. الا أن تجديد ولاية الخوري أطاح بحلمه وهدفه فبرز حينها العدو الألد لرئيسه السابق، وخاض ضده معركة خفية تهدف الى اختصار ولايته الثانية، وإزاحته من منصبه بأي ثمن! وللوصول الى هذا الهدف، بدأ يتنقل من عاصمة عربية الى أخرى ويطوف بعالم السفارات، ولا سيما تلك التي لها وزنها وتأثيرها على قسم كبير من أصوات الناخبين اللبنانيين: القاهرة، بغداد، الرياض وعمان. عندها اعتبره الجميع عروبياً متحمساً، الا انه لم يكن في قرارة نفسه شديد الحماسة الا لبريطانيا، وسوف يثبت هذا الاتجاه في وقت قريب. وبالفعل فقد انتهت حملة انتقال الرئاسة اليه نهاية سعيدة العام 1952، حين اضطر الرئيس بشارة الخوري الى الاستقالة نتيجة الضغوط التي مُورست عليه والمكائد الخارجية والداخلية التي نُصبت افخاخُها أمام استمراره. وخلال سعي شمعون الحثيث للوصول الى الرئاسة الأولى فوجئ بمنافسة زميل له هو حميد فرنجية الذي ظهر في تلك الحملة كمنافس جديّ له. ووسط هذه المنافسة التي كانت تجري أيضاً على أرض دولية أكثر أهمية، وبشكل خفي، بين الداونينغ (Downing Street Angleterre) وبين الكي دورسيه (Quai Dصorsey France)، جاءت الأصوات في الدورة الأولى شبه متعادلة. عندها ضغطت بريطانيا بكل ثقلها وانتزعت الهدف! ونتيجة هذا الصنيع الذي يدين به لبريطانيا، لم يستطع شمعون التحرر من دَينه تجاه الغرب الانغلوسكسوني، للانضمام الى الركب العربي الذي جسده اعتباراً من العام 1954، النجم الصاعد جمال عبد الناصر. فشمعون، الذي اختار الغرب جهاراً، فقد بطبيعة الحال الشرق. كما أنه أراد ان يُنهي عمله السياسي بالخطأ نفسه الذي ارتكبه سلفه، فراح يسعى سعياً حثيثاً الى تجديد ولايته، ما أدى الى انفجار أيار 1958 المأساوي. الوحدة السورية المصرية خلال شهر شباط 1958، عرف الشرق الأدنى تغييراً تاريخياً جذرياً. فمنذ بعض الوقت، أصبح الوضع السياسي في سوريا غير مستقر، وكان يدور في الخفاء صراع في الدوائر السياسية العليا بين طبقة حاكمة متحررة من البورجوازية وتمثل العائلات المئتين التي تملك العقارات الشاسعة والرساميل الضخمة، وبين توجه جديد لطبقة الجماهير الشعبية التي تجتذبها من جهة الايديولوجية الماركسية ومن جهة أخرى مبادئ مغرية لحزب جديد هو حزب »البعث« الذي تجذر بقوة في طبقات شعبية واسعة وهو ذو نزعات عربية وتقدمية صريحة. ان التعصب للوحدة، الذي راحت تؤججه وتدعو اليه اذاعة »صوت العرب« من القاهرة حيث كانت تُطلق كل مساء النداء المغري والمستمر للوحدة، تغلغل بعمق في صفوف الجيش، وهيأ النفوس نحو الوحدة مع الشقيق الأكبر المصري، وقرر مصير البلاد. والعسكريون، الذين استهوتهم الأفكار البعثية الجديدة، هم الذين بالتالي جرّوا السلطات المدنية نحو الاندماج، فتمت الوحدة في 22 شباط 1958. لم تلبث الانعكاسات السياسية والايديولوجية الممتدة مثل الدوائر المتكونة في بحيرة ماء ألقي فيها حجر، أن أخذت تظهر في البلدان المجاورة ولا سيما في لبنان. فقيام الجمهورية العربية المتحدة شكل الحدث الذي سارع الى دفع لبنان نحو الاعصار، هذه الخطوة على الطريق التي طالما تكلم عنها »الريّس« عبد الناصر على أنها مقدمة الانتفاضة العربية ضد وجود »الامبريالية الغربية« وتدخلاتها في الشؤون الداخلية للبلدان العربية، لقيت حماسة منقطعة النظير. فاستجلب لها المسلمون اللبنانيون الذين حلموا دوماً بالوحدة العربية، إذ رأوا فيها فرصة قدرية ويوماً مجيداً ليسيروا مع القافلة التي بدأت بالثنائي السوري المصري. وبقي ان ينتظروا لحظة الانطلاق والحجة الصارخة للتحرك قدماً. عندما وصل عبد الناصر الى دمشق، التي أصبحت عاصمة »الاقليم الشمالي«، لإجراء جولة المنتصر، عمت لبنان موجة من الهيجان لا تُوصف ودفعت نحو ضفاف نهر بردى كل العقائديين العروبيين في لبنان. فانطلق ما لا يقل عن 150 ألف مواطن في اتجاه الحدود السورية، بعدما أصبحت الاقليم الشمالي من الجمهورية العربية المتحدة، حيث وصلوها زرافات طويلة صاخبة وهازجة، فمنهم من جاء سيراً على الأقدام، ومنهم من جاء راكباً الدراجات والسيارات، حتى كاد مركز الجمارك الحدودي يختنق بمن فيه. لقد ترك العديد من أهل المدن والقرى، ولا سيما المسلمون منهم، أعمالهم ليطأوا أرض هذه الجمهورية العربية المتحدة الجديدة وليعربوا لسيدها عن ولائهم المطلق. في دمشق، أصغت هذه الجماهير الهائلة من اللبنانيين الى الخطب الملتهبة التي ألقاها »الريّس« والمسؤولون السوريون. واثر عودتها شجعت جميع السياسيين من أخصام الرئيس شمعون الألداء على التوجه الى سوريا والاعراب عن تعاطفهم مع القضية الكبرى. فلبى النداء صائب سلام، على رأس وفد من بيروت، ورشيد كرامي على رأس وفد طرابلسي، وعبد الله اليافي وأحمد الأسعد وممثلون عن البطريرك المعوشي الذي استبق وصول الوفد بإرسال برقية تهنئة ودّية. كانت مشاعر الجماهير اللبنانية الزاحفة الى سوريا في أوج استعارها العاطفي الذي تتجاذبه نزعتان، فقد حيّت عبد الناصر زعيم »الأمة العربية جمعاء« وفي الوقت نفسه رأت فيه ضماناً »لاستقلال لبنان«!. اما عبد الناصر، الذي انتهز فرصة التعاطف الجماهيري هذه، فقد توجه الى الجموع اللبنانية المحتشدة والى اللبنانيين ككل متخطيا حكامهم، وأنذر من جديد كميل شمعون بقطع علاقاته مع الغرب والسير في سياسته الخارجية على خطى السياسة الناصرية. وفي حين تصاعدت موجة التظاهرات المؤيدة في لبنان بدأت الاضطرابات. اذ شهدت زغرتا وبيروت حوادث عنف. وفي صور سار الناس في شوارع المدينة، وقد انضمت اليهم نسوة يرفعن صورة كبيرة »للريّس«، بعد التعرض للعلم اللبناني، ووقفوا في وجه عناصر الشرطة راجمين اياهم بالحجارة ورفعوا الحواجز ما أوجب ارسال قوات معززة من بيروت على جناح السرعة لكي تعيد الأمن الى نصابه. وقد سقط في شوارع المرفأ القديم عدد من الجرحى واعتُقل أكثر من مئتي متظاهر. رد رئيس الجمهورية على هذه التجاوزات بعنف مكتفياً بتقديم أحر التهاني بقدوم عبد الناصر من جهة ومرحباً في الوقت نفسه بنشوء الاتحاد العراقي الأردني، معلقاً على المناسبتين ومشيراً في كلام رسمي الى أن لبنان لم يُدع الى الانضمام الى هذه الوحدة أو ذلك الاتحاد السياسيين الجديدين. وقد ضم صوته الى صوت وزير خارجيته شارل مالك، معلنا ان لبنان لن يرضخ لأي ضغط، وأنه سيحتفظ بالخطوط العريضة التي تحكم سياسته الخارجية. وقد اتخذت اجراءات مشددة من أجل الحفاظ على الأمن ومراقبة الصحافة. كما جرت اعتقالات عديدة ووضعت حراسة مسلحة في كل النقاط الحساسة: جسور، طرقات، مبانٍ عامة. وفي الفترة الفاصلة بين 12 و15 آذار، أدخلت حكومة سامي الصلح ستة وزراء جدد من اجل توسيع قاعدتها النيابية. وعلى الأثر شاع خبر في أوساط خصوم شمعون أن غالبية كهذه إنما تخدم التجديد لولاية رئيس الجمهورية التي تنتهي في 23 أيلول، فجاءت الذريعة التي انتظرها المناوئون لسياسة الرئيس شمعون المؤيدة لحلف بغداد وخط ايزنهاور من الرئيس نفسه. وراحت اذاعات القاهرة ودمشق تشن حملات يومية ضد سياسة شمعون المنحرفة ومكيلة التهم واللعنات اليه. وبما أن الرئيس شمعون لم يكذب تلك الشائعات التي كانت تروّج باستمرار بشأن تجديد ولايته، فقد بدأت تهب في البلاد رائحة الثورة، ولم يعد أمام الثورة لتنفجر سوى تثبيت الصاعق وإشعال الفتيل. ومن جهته، اطلق عبد الناصر، الطامح الى دور محرر للجماهير الاسلامية المسحوقة، الوعود بحياة كريمة تسودها الكرامة والعدالة الاجتماعية، ما تسبب بإحداث خلل في التوازن السياسي الطائفي التقليدي في لبنان، فبدأت تظهر تباينات في المواقف داخل كل طائفة. أصدقاء النظام الأشد صلابة كانوا من الطائفة المارونية، ورأس الحربة الذي يحركهم كان بيار الجميل و»كتائبه« التي أصبحت مجموعة دفاعية، حسنة التنظيم ومسلحة تسليحاً كافياً. وبدأت تعتبر بمثابة قوات الصدام والصمود بالنسبة الى المسيحيين، والمستعدة، عند الضرورة، لأن تنزل الى الشارع لمواجهة كل من يعارض الصيغة التي قام عليها لبنان سنة 1943. أما الكتلة الوطنية، التي أسسها المرحوم اميل اده، فانقسمت بين بيار اده (وزير المالية) الذي لم يعد يتمتع الا بتأييد الأقلية في حزب والده، وشقيقه الأكبر، ريمون، الذي كان يدعم ظاهرياً خط النظام الحالي مع شخصيات متقلبة المواقف من أمثال شارل حلو، وفي المقابل، كان سليم لحود وكلوفيس الخازن وسواهما من النواب الذين يشاطرونهما الرأي، يواليان شمعون بإخلاص أكبر. اما المعارضة المناوئة للنظام فكان على رأسها فؤاد عمون وعبد العزيز شهاب وهو على رأس مركز حساس في وزارة الداخلية وعلى الأخص بشارة الخوري المقرب كثيراً من البطريرك الماروني المعوشي الذي كان يمارس تأثيراً قوياً على هذه المجموعة المعارضة. فالبطريرك، المسؤول الديني عن كل أبناء طائفته والمعيّن مباشرة من روما والذي يخضع بالتالي أكثر من أسلافه لنفوذها، ارتأى أن من الأسلم الذهاب بعيداً مع دمشق، وبدا، بين القادة الموارنة، أنه الأكثر تأييداً للعروبة المنطقية والعاقلة. وهذا الأمر دعا الى الاعتقاد بأنه يلبي في توجهه هذا، اشارة مباشرة من الكرسي الرسولي، الحريص على أن يتلاءم نهجه مع صعوبات الساعة تحاشياً لانعزال الطائفة الكاثوليكية في العالم العربي. وعلى رغم التأييد الظاهري لأقطاب طائفة الروم الأرثوذكس الذين والوا شمعون، فإن الوضع داخل الطائفة هذه بدا أكثر تعقيداً. فالحزب القومي السوري الاجتماعي، الذي يطوّق هذه الطائفة، بحكم انتماء مؤسسه انطون سعادة اليها فضلاً عن قادته الأساسيين والمتعاطفين اللاحقين والمؤيدين له من أمثال عبد الله سعادة وغسان تويني عدا عن الماروني البارز بينهم أسد الأشقر.. هذه الحركة اليمينية المتطرفة التي تدعو الى انشاء الهلال الخصيب وسوريا الكبرى والتي تعادي، من هذا المنطلق، خضوع سوريا لمصر، أيّدت جهاراً رئيس الجمهورية، على أمل التخلي عنه لاحقاً، يوم لا تعود سوريا مهددة بالإندماج مع دولة عربية أخرى! والروم الكاثوليك بدورهم كانوا متمسكين، ضمن معطيات الواقع اللبناني، بهذا الواقع اللبناني المحض، وقد عبّر عن موقفهم في هذا الشأن هنري فرعون الذي دعا الى معارضة معتدلة تلتقي في الكثير من نقاطها مع موقف ريمون اده. أخيراً، وفي الوقت الذي أيّد فيه الأرمن الكاثوليك الرئيس شمعون فضلاً عن غريغوريي الطاشناق وحزب الرمغفار الحديث العهد، الذي يضم بورجوازيي هذه الطائفة، كان الغريغوريون الاخرون من أتباع الحزب الاشتراكي العمالي القوي الهانشاق يقفون الى جانب المعارضة. ومن الجانب الاسلامي بقيت النجادة، حركة الشبيبة السنيّة التي يرأسها عدنان الحكيم، مترددة بادئ الأمر في اتخاذ موقف واضح بسبب صداقتها مع رئيس الحكومة سامي الصلح، غير انها وجدت نفسها لاحقاً مضطرة الى مجاراة الأكثرية الساحقة والانضمام الى »الجبهة الوطنية« التي شكلت التجمع المعارض للرئيس شمعون. في البدء كان سامي الصح واسع النفوذ في بيروت، إلاّ انه تحت تأثير الضغوط الناصرية السورية، ارتفعت أسهم صائب سلام خصم شمعون الألدّ، وهو الذي سيقود النضال ضد نظامه. وفي طرابلس أخذ ينشط رشيد كرامي بشكل فعّال ومتصل انطلاقاً من هذا المعقل السنّي، وما لبثت أن انضمت الى هذه القوى شخصيات سنّية عديدة تناوئ سامي الصلح، ومنها الحاج حسين العويني، ما جعل رئيس الحكومة في حال عزلة داخل طائفته بالذات. ولم يكن التوجه الشيعي مؤاتياً، للحكم، إلا في موقف رشيد بيضون بحكم اشتراكه في الحكومة. فأحمد الأسعد، الذي يمسك بالجنوب، وصبري حمادة الذي يهيمن سياسياً على البقاع، انضما الى »الجبهة الوطنية« معاً فيما آثر عادل عسيران، الشمعوني البارز، الاستقالة من منصبه في رئاسة المجلس النيابي وغادر السفينة قبل أن يغرق معها!. أما جنبلاط فقد قاد معركة المعارضة من عرينه في الشوف على رأس حزبه التقدمي الاشتراكي. كما أن هناك تنظيمات أخرى غير طائفية، انضمت الى تأييد الثورة. منها حزب البعث المنتشر في معظم البلدان العربية، حيث أيّد من موقع ثقله في سوريا قيام الجمهورية العربية المتحدة. ومن هذا المنطلق كان ضد الحكم في لبنان. وبدوره وقف الحزب الشيوعي موقفاً مناوئاً للحكم من منطلق مبدئي لتفويت الفرصة على الغرب للسيطرة على المنطقة التي تنافسه عليها موسكو. غير أن الحزب الشيوعي في هدفه الأقصى كان يرمي الى مناهضة الرئيس شمعون والرئيس عبد الناصر في آن معاً. اذ إن هذا الأخير أعاق، بسيطرته الأخيرة على سوريا، تقدماً كان يجري لمصلحة الحزب. هذه الظروف وضعت الجيش اللبناني في الواجهة وأبرزت دوره أكثر من أي يوم آخر. في هذه المرحلة كان الجيش يضم حوالى عشرة آلاف رجل على أفضل تدريب وأحسن تنظيم. وكان 55 في المئة من جنوده و60 في المئة من رتبائه من الطائفة المسيحية. وهذه النسبة تدنت بالمقارنة مع ما كانت عليه في أيام الانتداب، إلاّ أن القيادة اللبنانية بذلت جهداً لتخفيض الفارق الأساسي سنوياً وبانتظام بين المجموعتين الطائفيتين في البلاد. لقد كان هذا الجيش في توجهه الوطني مخلصاً ومستقيماً غير أنه برغم ذلك انقسم حول توافقه الوطني. فالمسيحيون مع وطن لبناني صرف، فيما المسلمون يؤيدون الوحدة العربية الكبرى. الجنرال شهاب كان يعلم ذلك علم اليقين، لذا كان مصراً على إخماد الاضطرابات رافضاً إقحام القوى المسلحة في عمليات محرجة له وذات طابع طائفي، فالجيش هو لكل الوطن ولكل الطوائف ولكل اللبنانيين. إنها الطريقة الوحيدة في نظره التي يحافظ فيها على صدقية قادته وهيبتهم ونفوذهم، كما أنها الضمانة الوحيدة لتماسك الجيش ووحدته وربما يوماً لوحدة الوطن أيضاً. لبنان يشتعل منذ مطلع أيار، كان يسود شعور بأن الإنفجار وشيك وهو بانتظار أية ذريعة أو شرارة. وجاءت الحجة التي تسببت باشتعال الثورة في شكل عنيف في حادث يشبه حادثة مقتل جوريس في فرنسا وإنما على مقياس أصغر يتناسب وحجم لبنان. فليلة 7 8 أيار، أدت طلقة نار واحدة الى اغتيال نسيب المتني، صاحب جريدة »التلغراف« ومديرها وأشعلت الفتيل في البلاد مطلقة عنان الثورة الشعبية التي كانت نارها كامنة تحت الرماد، وانعكست أشكالها بآلاف عديدة من القنابل وكمية هائلة من المتفجرات وملايين القذائف ذات العيار الخفيف. ومنذ 9 أيار، كانت طرابلس هي البادئة بالتحرك. فانطلقت صبيحة ذلك اليوم تظاهرة من الأسواق القديمة سرعان ما تحوّلت الى فتنة دامية. في بادئ الأمر، فوجئت قوات الأمن باندلاع الشغب ووجدت صعوبة في قمع أعمال الثائرين، إلاّ أنها عادت وسيطرت على الوضع، ما اضطر الثوار الى الانكفاء نحو المدينة القديمة المحيطة بالقلعة والتي ستصبح مركز قيادة أعمالهم العسكرية اللاحقة. على رأس هؤلاء، وقف الزعيم السنّي الطرابلسي الشاب رشيد كرامي الذي حوّل المدينة القديمة الى معقل محصن وصمد فيها طيلة خمسة أشهر أي حتى نهاية الثورة. في بيروت وقع التفجير الأول مساء العاشر من أيار قرب محلات سنجر. في محلة باب ادريس، فاقتصرت الاضرار على الماديات، لكن العمليات اللاحقة سوف تكون أكثر تدميراً. ففي 12 أيار حصلت التظاهرات العنيفة الأولى، وأول اصطدام بقوى الأمن في العاصمة بيروت، في ذلك اليوم وقع الجرحى الأولون من كلا الطرفين. وبرز على الساحة البيروتية صائب سلام الذي سيقود العمليات الثورية يعاونه أخوه مصباح ورجاله من آل شهاب الدين. وفي الشوف كان هناك كمال جنبلاط يساعده العميد أول المتقاعد شوكت شقير. أول شهيد فقده الجيش هو النقيب هنري شهاب، قائد الفوج المضاد للطيران الذي سقط برصاص ثوار كمنوا على سطح بناية في شارع المزرعة. وكان من الممكن أن أكون أنا هذا القتيل إلاّ أن القدر قرر عكس ذلك! كنا، صباح 13 أيار، قد انطلقنا معاً الى المطار لدرس مسألة تركيب بطارية مضادة للطيران مكتملة العدد، بهدف تأمين الحماية الجوية والبرية للمطار. وفي طريق العودة، مررنا قرب حرج بيروت في طرف المدينة فرأينا بضعة أولاد يلعبون لعبة الحرب ويحرقون جذوع الأشجار ليقطعوا بها الطريق على مستديرة الطيّونة. الا أنهم عندما شاهدوا سيارتي »جيب« عسكريتين، راحوا يهتفون لنا وسارعوا الى اخلاء الطريق من العوائق. ولدى وصولنا الى مفترق الطريق المؤدّية الى المستشفى العسكري، وهي الطريق التي سوف أسلكها أنا، اقترب النقيب هنري شهاب بسيارته من سيارتي، وحيّاني قائلاً إنه سيُكمل طريقه الى ثكنته سالكاً طريق البسطة ثم المزرعة. وإثر توقف لبضع دقائق في تعاونية الجيش، أكملت طريقي الى مركز القيادة. وفيما كنت أهمّ بالدخول، التقيت عند المدخل الرئيسي المقدم انطون سعد، رئيس المكتب الثاني، وكان هو أيضاً قادما في اللحظة عينها من الخارج، وعيناه مغرورقتان بالدمع وهو يردد: »مسكين هنري، يا لها من خسارة، يا إلهي، ما هذه الضربة القاسية؟!«. أيّ هنري؟ سألت؟ هنري شهاب، أجابني. ما به هنري شهاب؟ عدت أسأل. لقد أُصيب لتوّه برصاصة قاتلة في رأسه. أضاف قائلاً، عند مقطع الطرق بين البسطة والمزرعة. وقد رفعه سائقه الجندي ميشال نحاس عن الأرض ونقله بسرعة الى المستشفى العسكري، لكنه أخرج من »الجيب« جثة هامدة!. كيف حصل ذلك، ونحن افترقنا بالكاد منذ عشر دقائق؟ رحت أستفسر. عندها أخبرني سعد بما جرى نقلاً عن سائق المغدور: »بعدما افترقتما، توجه هنري شهاب الى ثكنته سالكاً طريق المزرعة. وعلى مسافة بضعة أمتار من آخر محطة للترامواي في البسطة، سمع طلقات رصاص، فأمر سائقه بالتوقف وترجل من »الجيب« ليرى ماذا يحدث؟ ومن أين ينطلق هذا الرصاص؟ كان ذلك بالطبع غلطة مميتة، اذ ما كاد يخرج من سيارته العسكرية حتى تلقى رصاصة في صدغه أردته أرضاً«. كان وقع هذا الخبر مؤسفاً جداً ولا سيما أني أعرف هذا الضابط مذ كان ما يزال تلميذاً في المدرسة الحربية في حمص عامي 1943 1944، وكنت قائداً ثانياً في تلك المدرسة في ذلك الحين. عندما علم الملازم أول فؤاد عوض، معاون قائد الشعبة الرابعة في القيادة، بهذا النبأ المفجع، غادر مكتبه على عجل، وهرع الى مرآب السيارات العسكرية حيث ركب »جيباً« واتجه كالبرق الى ثكنة المدرعات في حي مار الياس. وكضابط في سلاح الدبابات، كان باستطاعة عوض ان يتدبر أمره بمفرده، فصعد في مصفحة رشاش واندفع نحو المخرج. في تلك اللحظة بالذات، ظهر فجأة نائب الأركان المقدم عبد القادر شهاب، الذي أُنذر في مكتبه لدى اشتباه رفاق عوض بنيته الانتقامية، وبالفعل تبين أن فؤاد عوض كان عازماً على قصف المبنى، الذي انطلق منه الرصاص الذي اغتال النقيب هنري شهاب، وتدميره، وقد اضطر المقدم عبد القادر شهاب الى استنفار كل طاقته ونفوذه لحمل عوض على العدول عن مشروعه الخطر هذا. كان الثوار يحصلون على السلاح والذخيرة والتعليمات والتوجيهات والرجال عبر الحدود الشرقية، وكان الهدف المعلن للثورة عزل الرئيس شمعون باعتباره حليف الامبرياليين، أو على الأقل الحؤول دون تعديل الدستور لقطع الطريق على تجديده ولايته. لقد شاء شمعون، في سياسته الداخلية، اعتماد خطة ريشيليو (Richelieu) في عزمه على إذلال كبار القوم، الذين اعتبروا أنفسهم، عن حق، أنهم في لبنان أركان الحكم ودعائم كل نظام سياسي لبناني. فصبري حمادة، أحمد الأسعد، كمال جنبلاط، رشيد كرامي، صائب سلام، وبكوات عكار، اصطدموا جميعاً بتشبث شمعون وتعصبه بإبعادهم. فكل هؤلاء القادة من المسلمين الذين ما اتفقوا يوماً في ما بينهم في الأيام العادية، تضامنوا هذه المرة كلهم ضده في هذا الظرف الدقيق والتحقوا بالفريق المعادي له داخلياً وخارجياً. ووصلوا كلهم معاً الى حد رفع لواء الثورة وحمل السلاح بهدف عزله وإبعاده عن الساحة السياسية. أما الكتائب، التي هي تنظيم شبه عسكري وهي لم تمارس حتى الآن سوى نشاط محض سياسي واجتماعي، فقد لجأت الى حمل السلاح لحماية »شوارعها« من الهجمات التي تُشنّ على بعض المناطق في العاصمة. وقد كلفها ذلك خسائر عديدة، أبرزها أنها فقدت وجهاً معروفاً في الصحافة والأدب، هو فؤاد حداد الذي كان يكتب في »العمل« الجريدة الناطقة باسم الحزب بتوقيع مستعار هو »أبو الحن«، فلقد خُطف في أواخر أيام الثورة على يد بعض المسلحين واقتيد الى زنزانة في أحد الأحياء الغربية حيث أُعدم على الفور. خلال شهر أيار، دُست قنبلة في برميل للنفايات قبالة »مقهى عازار« في ساحة البرج أسفر انفجارها عن أضرار مادية لحقت بالمقهى وأودت بحياة أحد المارة وجرح آخرين. وفي أوائل حزيران، انفجرت قنبلة موقوتة كانت مدسوسة تحت أحد مقاعد الترامواي الذي يسير على خط »المنارة فرن الشباك«، في اللحظة التي وصل فيها الترامواي الى محلة الناصرة قرب مدرسة الليسيه اللاييك التابعة للبعثة العلمانية الفرنسية. في الصف الأول من تموز وقع اعتداء على محلات (A.B.C) في باب ادريس، خطط له ونفذه قاده ثوار البسطة، فحصد هذا الانفجار عدداً أقل من الإصابات، اذ أدى الى إصابة جريحين بجروح خطرة وهما من موظفي المؤسسة. إلاّ أنه أسفر في حصيلته المادية عن تدمير أكبر من الانفجار السابق، فتسبب باندلاع حريق كبير وأضرار مادية جسيمة. حصل هذا التفجير، الذي أحدث دوياً مرعباً، بواسطة سيارة »بيك آب« محشوة بمواد متفجرة وموصولة بجهاز موقّت التفجير. الهجوم الثالث كان الأبرع في سلسلة الهجمات الا أنه كان الأكثر ضرراً من غيره. فالمنفذون هم هم، من جماعة البسطة، الذين قرروا تفجير القصر الجمهوري في شارع »القنطاري« بمن فيه، أو بالحري بساكنه الأساسي الرئيس كميل شمعون الذي كان يلازمه منذ بدء الأحداث وحيداً داخل القصر وقد أقفل على نفسه! كانت الخطة جهنمية: تلغيم سيارة قديمة بالمتفجرات وتوجيهها على الطريق المنحدرة التي تؤدي، من الطرف الجنوبي لمبنى مدرسة مار يوسف الظهور، رأساً الى المقر الرئاسي. اتُّفق على أن يوجه السائق السيارة نحو القصر الجمهوري، وعندما يصل الى بعد مئة متر منه يقفز السائق من سيارته ويتركها تندفع وحدها ويتوارى في شارع مجاور بعد التأكد من أن السيارة اتخذت وجهتها الصحيحة. يحصل الانفجار بمجرد ارتطام السيارة بمبنى القصر وتتكفل الكمية الموضوعة من المتفجرات بألا تبقي حجراً على حجر فيه. وكما أن ذرة رمل في مجاري كرومويل البولية غيّرت مصير انكلترا، كذلك فإن حصاة صغيرة، في ذلك اليوم، حوّلت بشكل طفيف اتجاه عجلات »البيك آب« الأمامية بعدما فرّ سائقها. وهكذا اصطدمت بسور الحديقة المحيطة بمنزل لويس زيادة، نقيب المحامين السابق في نقابة حلب، والنائب السابق والمرشح الدائم السيئ الخط لمنصب الرئاسة الأولى! في المناطق اللبنانية الأخرى، كانت الثورة قد انتشرت بشكل عنيف في عكار والضنية وطرابلس والمنية وزغرتا والبقاع (الهرمل وبعلبك) وراشيا وحاصبيا والعرقوب والشوف وصيدا وقضاء عاليه والنبطية ومرجعيون وصور.. ولم تبق زاوية واحدة في لبنان فيها ناصريون إلا واشتعلت. وأصبحت عكار بكل أنحائها ملاذاً شديد التحصين لكل الثوار. ولم يعد للسلطات الرسمية أي سلطة عليها، فغابت الدولة كلياً لتحل مكانها سلطة زعماء المنطقة وبكواتها من آل عبد الكريم وآل قدور وآل العلي. في الجرد الأعلى، تحررت عشائر آل جعفر وناصر الدين ودندش والعتيق وشمص وزعيتر وعلَّو من السلطة الرسمية، فراحت كل عشيرة تمارس سياستها الخاصة على عشيرتها مستخدمة أيضاً شرطتها الخاصة وفارضة عليها قوانينها وهيبتها. الطريق الدولية شمالي طرابلس قُطعت كلياً بدءاً من دير عمار على بُعد أمتار من شركة النفط (I.P.C) وممثلو الدولة المدنيون، وعناصر حفظ الأمن انسحبوا جميعاً من عكار الى طرابلس، فيما تبخر السكان الموالون للشرعية مؤثرين اللجوء الى مكان أكثر أماناً لهم، أو لزموا بيوتهم من دون أن ينبسوا بأية كلمة أو يحرّكوا ساكناً. في الضنية، كان الثوار يسيطرون سيطرة كلية، ما اضطر سكان القرى المسيحيين في الحوارة وأصنون وكرم المهر الى اخلاء منازلهم بسرعة ولاذوا بأعداد كبيرة بجوار زغرتا حيث عاشوا حياة التشرد أكثر من سنة. وفي منطقة الزاوية تكثفت الاصطدامات الطائفية. وذات يوم أقدم الزغرتاويون الشمعونيون، في رد انتقامي، على قتل ستة ركاب من المسلمين في سيارة على طريق سير وكان بينهم شيخ معمَّم. فأثار هذا الحادث رداً انتقامياً دموياً وعنيفاً. أما في زغرتا، ولا سيما بعد مجزرة مزيارة، فقد كانت العائلات تتقاتل بانتظام وعلى وتيرة شبه يومية. وكادت تلك البلدة تفرغ من زهرة شبابها الذين كان يصفي بعضهم بعضاً. اذ لم يكن هناك مجال لاعتبار أي اغتيال بمثابة الاغتيال الأخير، فأعمال الثأر كانت تدور في دوامة من القتل والثأر وفي حلقة جهنمية لا تنتهي، حتى جاء وقت أصبحت فيه جميع نساء البلدة متشحات بأثواب الحداد السوداء. فكان لا بد من حقن ما تبقى من دماء شابة ووضع حد لهذا المسلسل الحزين. حيث تمت الاستعانة بعناصر عديدة من حامية طرابلس التي أدى غيابها، بطبيعة الحال، الى احداث فراغ في مناطق أخرى. وتحوّل الصراع في المدن الى حرب خنادق في انتظار حدث ما يعيد تنشيط هذا النزاع الذي خف نشاطه ريثما يرحل الرئيس شمعون، إلا ان المواجهات في العاصمة اتخذت منحى تصعيدياً أكثر كثافة، حيث أخذت تتكرر غارات الثوار على النقاط الحساسة في المدينة وأحياناً على مراكز الجيش بوتيرة شبه يومية. وفي الجنوب رفع الزعيم الشيعي أحمد الأسعد لواء الثورة. فاستطاع مع رجاله المدعومين بقوة وبوفرة من وراء الحدود أن يشلوا حركة قواتنا في الجنوب التي كانت على أي حال مضطرة إلى البقاء في مواقعها الدائمة على الحدود اللبنانية الاسرائيلية. وقد كان رجال الأسعد يقومون ببعض الغارات لإثارة البلبلة والفوضى في المنطقة وبالتالي ليعيقوا حركة المرور على طرقات أقضية الجنوب الثلاثة: مرجعيون، النبطية وصور. غير أن نشاطاتهم ظلت على تقطع، واتسمت بشراسة أقل من تلك التي كانت تجري في سائر المحافظات. وعلى هذه الساحة بالذات سوف يلعب المقدم فؤاد لحود دوراً ذا مغزى إلا انه مشوب بالالتباس، ما سينعكس سلباً على مستقبله العسكري. فلقد كان لدى لحود سببان وجيهان ليعارض ترشيح الجنرال لشهاب للرئاسة الأولى. فهو أولاً من مؤيدي التجديد للرئيس شمعون. وإذا لم يتمكن شمعون من الفوز بولاية ثانية لست سنوات أخرى، وهو اجراء يتطلب تعديل الدستور، فقد هيأ شمعون النائب سليم لحود، شقيق المقدم لحود، كخليفة محتمل له، اذ كان يعده لهذا المنصب منذ ثلاث سنوات، حيث مهد له الطريق بتعيينه مرتين وزيراً للخارجية، وراح هذا المهندس يتمرن بجدية على دوره السياسي العتيد. ولبلوغ مرامه، بدأ فؤاد لحود، منذ انتخابات 1957 التي حملت شقيقه سليم الى الندوة البرلمانية لأول مرة، يلعب لعبة غامضة. خلال أحداث 1958، فُصل الى مرجعيون كضابط ارتباط بين القيادة العامة وقيادة المنطقة، وهنا كشف عن أهدافه الخفية عندما أخذ يطبق تعليمات الرئيس شمعون السياسية، ويقترح على قيادة المنطقة عمليات من وحي مآربه الشخصية. وفوق كل ذلك، راح يُجري اتصالات عديدة مع جماعة المكتب الثاني المجاور بهدف كسب دعمهم وتأييدهم لأحد المرشحين: الرئيس شمعون أو شقيقه سليم للرئاسة العتيدة، ولم أُفاجأ بالأمر أنا، فلقد عرفت فؤاد لحود منذ زمن، ومُذ عرفته رأيته مولعاً بالسياسة! في الشوف، معقل نفوذ كمال جنبلاط، كانت الثورة كامنة تبعث على البلبلة في النفوس وانعدام الأمن على الطرقات، وكان جنبلاط قد وضع على رأس رجاله، عسكرياً محنكاً هو العميد المتقاعد شوكت شقير، وهو ضابط رفيع الرتبة من أصل لبناني التحق العام 1949 بالجيش السوري وأصبح عامي 19541953 رئيس أركان هذا الجيش، إلاّ انه عاد في ما بعد الى موطنه الأساسي. قام أنصار جنبلاط ببعض المناوشات المتفاوتة الخطورة في الشوف، غير أن ما أقلق في هذه التحركات كان هجومهم على منطقة عاليه الذي بدا أنه يمهد لغارة على مطار بيروت، كان الخطر جدياً، وقد أنذرنا بهذا التحرك بواسطة المكتب الثاني. عندها تدخل الطيران العسكري لدعم قوات البر وساعدها على صد الهجوم والسيطرة على الوضع. ولقد أوقف المهاجمون في جوار قرية قبرشمون وانهاروا تحت وطأة غاراتنا الجوية ونيرانها، وقد فقدوا في هذا الهجوم عدداً كبيراً من عناصرهم. اقتصرت الاعتداءات في البقاع على عمليات محدودة لا تتعدى شن غارات على مراكز الجيش وبعض التجمعات السكانية المعدودة والمعزولة. أما الطرق فأصبحت في معظمها غير آمنة. وقد كانت الأسلحة والذخائر تتدفق الى جميع الثوار في لبنان محمولة على البغال عبر ممرات سلسلة جبال لبنان الشرقية وأوديتها. وأُقيم لهذا الغرض مستودعان ومركزان لتوزيع الأسلحة والذخائر، أحدهما في عرسال في البقاع الشمالي والآخر في جب جنين في البقاع الغربي. كانت مهمة وقف هذا السيل اليومي من القوافل الخفية وتدميرها تقع على عاتق الطيران الحربي الذي أخذ يقوم بطلعات متكررة ومنتظمة يومياً وبغارات تدميرية على جميع محاور التسلل وعلى مراكز الاستلام والتوزيع. دور الجيش في مواجهة الاضطرابات إن دور الجيش، كأي جيش، يحكمه ويحدده في الأنظمةالديموقراطية وفي ظرف مماثل، الدستور والقوانين المرعية الإجراء الخاصة بكل جيش وسياسة الحكومة. فالجيش اللبناني هو على صورة بلاده، نصفه مسيحي ونصفه الآخر مسلم. فكان من الطبيعي أن يتأثر الجيش بأي انقسام يحدث، وأن يكون ما هو مرفوض في الأوساط السياسية الاسلامية مرفوضاً بالتالي في صفوف العسكريين المسلمين ولا سيما موقف المسلمين من السياسة الرئاسية الخارجية. كان الجنرال شهاب، منذ تكوين جيشنا الوطني، يخشى دوماً من أن تعمل التركيبة الطائفية الخاصة بالبلاد والانعكاسات السياسية على الصعيد العسكري، على تفكيك الجيش وتفتيته. ولقد فكر شهاب طويلاً ودرس مخاطر تدخل من جانب الجيش على الصعيد الداخلي. وقد وَلّدَ هذا التخوف في نفسه حذراً من استخدام القوات المسلحة في شؤون الأمن الداخلي. وقد أصبح هذا التحفظ في النهاية يشكل قاعدة مهمة في العقيدة العسكرية في جيشنا. خلال محنة 1958 القاسية التي كان يمر بها لبنان، كانت هذه الظروف المؤلمة وهذا التشابك في المواقف السياسية، قد جعلت من القائد الأعلى للجيش الحكم الوحيد في هذا الوضع وليس المدافع الأول عن وحدة البلاد وسلامة أراضي الدولة وحسب. فلقد كان هذا القائد حكماً نزيهاً وشرعياً ومسموع الكلمة في الأوساط المتمردة. وقد تكوّن لديه اقتناع بأن صدام الدولة مع جزء لا بأس به من المواطنين (نصفهم بالنتيجة)، ليس سوى نتيجة خلاف سياسي وخاصة نفسي بين رئيس الجمهورية الذي لم يتبقَ من ولايته سوى ثلاثة أشهر وبين قسم فعّال من المواطنين الذين لا يوافقون على سياسته الخارجية التي يتهمونها بالانحراف ولا على نيته بالتجديد لولاية ثانية. فالجنرال شهاب، الذي لم يشأ أن ينظر في ذلك الحين، إلاّ الى استمرار الكيان الوطني اللبناني في شكله الموحَّد، رأى أنه لا يقبل ان تُسجل في سجلات الجيش أية عملية أو بالأحرى مجابهة تضع شطري البلاد وبالتالي جناحي الجيش في مواجهة احدهما مع الآخر. ورأى الجنرال بالنتيجة أنه يجب ترك هذه المهمة لقوات الدرك والشرطة، وهي المهيأة أصلاً أكثر من الجيش لهذه المهمة الداخلية الدقيقة. ففيما كان نصف لبنان مستنفراً ضد نصفه الآخر، وحده الجنرال شهاب حافظ على نفاذ بصيرته، وكانت خطته تقضي بمنع حصول مجزرة طائفية. غير أن الجيش لن يبقى مكتوف اليدين ولن يكتفي بالوقوف شاهداً يتأمل سلبياً الحريق الذي يشعل البلاد كلها. فاختار الجنرال استراتيجية منقذة، تمثلت بتكتيك حكيم وفعّال حدد للجيش دوراً أساسياً ملائماً: ليس دوراً هجومياً قمعياً الى أقصى حد، بل بالأولى: تنفيذ أعمال هجومية في مفهوم وهدف دفاعيين، مما يسهم في تقليص الخسائر من كل الجهات، وفي استيعاب وحتى الحد من أضرار الثورة وتوفير مآسٍ على المواطنين الآمنين لا يستحقونها. فكان الجيش يتدخل بشكل فعّال ما أن يتجاوز عمل الثوار نطاق أمن المواطنين وسلامتهم ليغدو خطراً وطنياً. هذا الموقف الذي اتخذه الجيش، كان عرضة لانتقاد بعض فئات المجتمع، تحت تأثير الحماسة العمياء. فهذه الفئات التي أغاظتها حدة تمرد الطرف الآخر وتحدياته، اعتبرت هذا التمرد بمثابة الثورة المعلنة على الوطن وهي بالتالي تقوّض أساس الوحدة الوطنية، من هنا لا بد من قمعها بعنف. ومع ذلك، فإن الجيش اللبناني، حتى على الصعيد العسكري، قام بواجبه بأمانة وإخلاص وبشكل فاعل، وخير دليل على ذلك: العلميات المستمرة التي أجراها والتدخلات المستمرة. وهذا البرهان تؤكده قائمة العتاد الحربي الذي كان يصل الى الجيش بوسائل سريعة ومستمرة (جواً) من مصادر مختلفة وممونين متنوعين. أما بالنسبة الى قواتنا الجوية، فقد سعيت للحصول لها ووُفّقت في سعيي هذا (عبر العقيد »Blackmore« رئيس المدربين البريطانيين) على عشر طائرات نفاثة من طراز »فمباير« ضُمَّت الى الطائرات الموجودة في سلاحنا الجوي للقيام بالعمليات العسكرية الضرورية لتطويق التحركات الخطيرة وهجمات الثوار. فعندما اشتعل لبنان بكل أطرافه، وأصبحت الطرق وكل وسائل المواصلات غير سالكة في وجه القوات البرية، وجاء وقت لم يعد فيه عدد العناصر المقاتلة في الجيش كافياً لصد كل الأعمال الثورية التي انتشرت في عرض البلاد وطولها، وحده الطيران الحربي سيعمل ليزيل تلك العقبات الحرجة التي كانت تشلّ تحرك الجيش، وسيقوم هذا السلاح في كل أنحاء البلاد وعلى جميع الجبهات بعمليات عسكرية وغارات بهدف تحييد مجموعات الثوار بمنعهم من التحرك. وعلى رغم كل الاحتياطات التي اتخذت، فقد تعرض سلاح الجو لبعض المشاكل الداخلية التي لا تخلو من الالتباس الغريب. فمنذ بدء الأحداث أوصتنا القيادة بوجوب تفادي الحوادث الحدودية حرصاً منها على مراعاة الجانب السوري وعدم تعكير العلاقات مع أشقائنا وجيراننا. في 17 أيار 1958 تلقيت من القيادة مذكرتين تطلب فيهما مني انزال العقوبة بقائد قاعدة رياق الجوية وبضابط طيار، لمخالفتهما الأوامر المعطاة وقيامهما أولاً بتحليق غير مأذون به ثم بسبب اختراقهما المجال الجوي السوري في منطقة ميسلون. وبما أني كنت مقتنعاً بأن أحداً من مرؤوسيّ لم يكن مذنباً في هذه القضية، فقد أخذت على عاتقي توضيح هذا الإشكال وأعطيت رؤسائي كل المعلومات الضرورية لجلائه بوضوح وبالتالي لإنقاذ هذين الضابطين من مغبة سوء الفهم هذا. إن الجهود المتصلة التي بذلها سلاح الطيران، والنتائج التي حققها، أثارت نقمة فئة أخرى في أوساط الثوار على سلاح الطيران وانتقاده. وما لبثت هذه الفئة الأخيرة أن وصفت سلوك الطيران الحربي بالانحراف، جاعلة إياه في خانة قوات الدرك وحفنة من ضباط الجيش الموالين للرئيس شمعون. وهذا الأخير قام ببادرة، زادت موقف عسكريي سلاح الطيران حرجاً. ففي 25 حزيران، أرسل الرئيس الى القيادة، ضابطه المرافق حاملاً كمية من الساعات الثمينة التي طلب توزيعها على جميع طيارينا. وقد حُفر على الغطاء الخلفي من كل ساعة العبارة التالية: »هدية من الرئيس شمعون مع فائق تهانيه«. والرأي الذي كوّنه الشعب عن الطيارين العسكريين طالني شخصياً. فصُنّفت اعتباطاً وخطأً في خانة بعض الضباط والرتباء (الكولونيل سيمون زوين، المقدم فؤاد لحود، والمقدم أنور كرم وسواهم) من الذين يكنون مودة خاصة للرئيس شمعون، هذا التصنيف المغاير للحقيقة، ولا سيما في ما يخصني، كان يجب ألا يمر في مخيلة الناس. فالجيش في جميع كوادره (ضباطاً، ورتباء وجنوداً) مُشرَّب بروح النظام المثالية ويشكل بكل عناصره كتلة متراصة في ظل رايته. لقد كانت اللحمة بيننا، في تلك الفترة، على أفضل وجه، ولم نكن جميعاً لنتلقى اقتراحات أو توجيهات أو آراء من أي كان سوى قائدنا، وننفذ فقط الأوامر الصادرة مباشرة من رؤسائنا. الى جانب مهمتي كقائد لسلاح الطيران، كُلفت أيضاً بالرقابة العسكرية على المنشورات.. وهكذا كان عليّ الذهاب كل يوم الى مديرية الاعلام والصحافة، في السراي الكبير، عابراً الشوارع المحاذية لحي الثوار (البسطة) وساحة رياض الصلح، كما أنه في 4 حزيران، أوكل إليّ الجنرال شهاب مركزاً ثالثاً: قيادة منطقة بيروت بالوكالة، في غياب القائد الأصيل، الكولونيل جميل لحود، الذي يعاني من اعتلال مفصلي حاد في العمود الفقري ويتلقى علاجاً في حمامات يالو (Yaloue) في تركيا. في الوقت الذي شغلت فيه قيادة بيروت بالوكالة، أي من 4 الى 16 حزيران، توسع النزاع وتضاعفت حدة الأعمال العسكرية، وأصبحت عمليات الثوار يومية في قلب المدينة وعلى حدودها الجنوبية الغربية. وفي 14 حزيران، هاجمت زمرة من الثوار، المدججين بالسلاح، سجن الرمل، بهدف تحرير السجناء. شكوى للجامعة ومجلس الأمن وفيما كانت أحداث لبنان تثير جواً من التوتر في الشرق، وفيما الأميركيون القلقون من اتساع رقعة الحرب الأهلية في لبنان حركوا في اتجاه المتوسط وحدات من الأسطول السادس المبحر في مضيق جبل طارق، اختار الرئيس شمعون هذا الوقت بالذات ليقدم، في آن معاً، الى الجامعة العربية والى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، شكوى رسمية ضد أحد أعضاء الجامعة التي وجدت نفسها مضطرة لأول مرة منذ إنشائها الى الفصل في خلاف بين عضوين عربيين: فالجمهورية العربية المتحدة متهمة بالتدخل غير المشروع في الأمور الداخلية اللبنانية. كان وقع هذا الخبر مؤسفاً جداً ولا سيما أني أعرف هذا الضابط مذ كان ما يزال تلميذاً في المدرسة الحربية في حمص عامي 1943 1944، وكنت قائداً ثانياً في تلك المدرسة في ذلك الحين. عندما علم الملازم أول فؤاد عوض، معاون قائد الشعبة الرابعة في القيادة، بهذا النبأ المفجع، غادر مكتبه على عجل، وهرع الى مرآب السيارات العسكرية حيث ركب »جيباً« واتجه كالبرق الى ثكنة المدرعات في حي مار الياس. وكضابط في سلاح الدبابات، كان باستطاعة عوض ان يتدبر أمره بمفرده، فصعد في مصفحة رشاش واندفع نحو المخرج. في تلك اللحظة بالذات، ظهر فجأة نائب الأركان المقدم عبد القادر شهاب، الذي أُنذر في مكتبه لدى اشتباه رفاق عوض بنيته الانتقامية، وبالفعل تبين أن فؤاد عوض كان عازماً على قصف المبنى، الذي انطلق منه الرصاص الذي اغتال النقيب هنري شهاب، وتدميره، وقد اضطر المقدم عبد القادر شهاب الى استنفار كل طاقته ونفوذه لحمل عوض على العدول عن مشروعه الخطر هذا. كان الثوار يحصلون على السلاح والذخيرة والتعليمات والتوجيهات والرجال عبر الحدود الشرقية، وكان الهدف المعلن للثورة عزل الرئيس شمعون باعتباره حليف الامبرياليين، أو على الأقل الحؤول دون تعديل الدستور لقطع الطريق على تجديده ولايته. لقد شاء شمعون، في سياسته الداخلية، اعتماد خطة ريشيليو (Richelieu) في عزمه على إذلال كبار القوم، الذين اعتبروا أنفسهم، عن حق، أنهم في لبنان أركان الحكم ودعائم كل نظام سياسي لبناني. فصبري حمادة، أحمد الأسعد، كمال جنبلاط، رشيد كرامي، صائب سلام، وبكوات عكار، اصطدموا جميعاً بتشبث شمعون وتعصبه بإبعادهم. فكل هؤلاء القادة من المسلمين الذين ما اتفقوا يوماً في ما بينهم في الأيام العادية، تضامنوا هذه المرة كلهم ضده في هذا الظرف الدقيق والتحقوا بالفريق المعادي له داخلياً وخارجياً. ووصلوا كلهم معاً الى حد رفع لواء الثورة وحمل السلاح بهدف عزله وإبعاده عن الساحة السياسية. أما الكتائب، التي هي تنظيم شبه عسكري وهي لم تمارس حتى الآن سوى نشاط محض سياسي واجتماعي، فقد لجأت الى حمل السلاح لحماية »شوارعها« من الهجمات التي تُشنّ على بعض المناطق في العاصمة. وقد كلفها ذلك خسائر عديدة، أبرزها أنها فقدت وجهاً معروفاً في الصحافة والأدب، هو فؤاد حداد الذي كان يكتب في »العمل« الجريدة الناطقة باسم الحزب بتوقيع مستعار هو »أبو الحن«، فلقد خُطف في أواخر أيام الثورة على يد بعض المسلحين واقتيد الى زنزانة في أحد الأحياء الغربية حيث أُعدم على الفور. خلال شهر أيار، دُست قنبلة في برميل للنفايات قبالة »مقهى عازار« في ساحة البرج أسفر انفجارها عن أضرار مادية لحقت بالمقهى وأودت بحياة أحد المارة وجرح آخرين. وفي أوائل حزيران، انفجرت قنبلة موقوتة كانت مدسوسة تحت أحد مقاعد الترامواي الذي يسير على خط »المنارة فرن الشباك«، في اللحظة التي وصل فيها الترامواي الى محلة الناصرة قرب مدرسة الليسيه اللاييك التابعة للبعثة العلمانية الفرنسية. في الصف الأول من تموز وقع اعتداء على محلات (A.B.C) في باب ادريس، خطط له ونفذه قاده ثوار البسطة، فحصد هذا الانفجار عدداً أقل من الإصابات، اذ أدى الى إصابة جريحين بجروح خطرة وهما من موظفي المؤسسة. إلاّ أنه أسفر في حصيلته المادية عن تدمير أكبر من الانفجار السابق، فتسبب باندلاع حريق كبير وأضرار مادية جسيمة. حصل هذا التفجير، الذي أحدث دوياً مرعباً، بواسطة سيارة »بيك آب« محشوة بمواد متفجرة وموصولة بجهاز موقّت التفجير. الهجوم الثالث كان الأبرع في سلسلة الهجمات الا أنه كان الأكثر ضرراً من غيره. فالمنفذون هم هم، من جماعة البسطة، الذين قرروا تفجير القصر الجمهوري في شارع »القنطاري« بمن فيه، أو بالحري بساكنه الأساسي الرئيس كميل شمعون الذي كان يلازمه منذ بدء الأحداث وحيداً داخل القصر وقد أقفل على نفسه! كانت الخطة جهنمية: تلغيم سيارة قديمة بالمتفجرات وتوجيهها على الطريق المنحدرة التي تؤدي، من الطرف الجنوبي لمبنى مدرسة مار يوسف الظهور، رأساً الى المقر الرئاسي. اتُّفق على أن يوجه السائق السيارة نحو القصر الجمهوري، وعندما يصل الى بعد مئة متر منه يقفز السائق من سيارته ويتركها تندفع وحدها ويتوارى في شارع مجاور بعد التأكد من أن السيارة اتخذت وجهتها الصحيحة. يحصل الانفجار بمجرد ارتطام السيارة بمبنى القصر وتتكفل الكمية الموضوعة من المتفجرات بألا تبقي حجراً على حجر فيه. وكما أن ذرة رمل في مجاري كرومويل البولية غيّرت مصير انكلترا، كذلك فإن حصاة صغيرة، في ذلك اليوم، حوّلت بشكل طفيف اتجاه عجلات »البيك آب« الأمامية بعدما فرّ سائقها. وهكذا اصطدمت بسور الحديقة المحيطة بمنزل لويس زيادة، نقيب المحامين السابق في نقابة حلب، والنائب السابق والمرشح الدائم السيئ الخط لمنصب الرئاسة الأولى! في المناطق اللبنانية الأخرى، كانت الثورة قد انتشرت بشكل عنيف في عكار والضنية وطرابلس والمنية وزغرتا والبقاع (الهرمل وبعلبك) وراشيا وحاصبيا والعرقوب والشوف وصيدا وقضاء عاليه والنبطية ومرجعيون وصور.. ولم تبق زاوية واحدة في لبنان فيها ناصريون إلا واشتعلت. وأصبحت عكار بكل أنحائها ملاذاً شديد التحصين لكل الثوار. ولم يعد للسلطات الرسمية أي سلطة عليها، فغابت الدولة كلياً لتحل مكانها سلطة زعماء المنطقة وبكواتها من آل عبد الكريم وآل قدور وآل العلي. في الجرد الأعلى، تحررت عشائر آل جعفر وناصر الدين ودندش والعتيق وشمص وزعيتر وعلَّو من السلطة الرسمية، فراحت كل عشيرة تمارس سياستها الخاصة على عشيرتها مستخدمة أيضاً شرطتها الخاصة وفارضة عليها قوانينها وهيبتها. الطريق الدولية شمالي طرابلس قُطعت كلياً بدءاً من دير عمار على بُعد أمتار من شركة النفط (I.P.C) وممثلو الدولة المدنيون، وعناصر حفظ الأمن انسحبوا جميعاً من عكار الى طرابلس، فيما تبخر السكان الموالون للشرعية مؤثرين اللجوء الى مكان أكثر أماناً لهم، أو لزموا بيوتهم من دون أن ينبسوا بأية كلمة أو يحرّكوا ساكناً. في الضنية، كان الثوار يسيطرون سيطرة كلية، ما اضطر سكان القرى المسيحيين في الحوارة وأصنون وكرم المهر الى اخلاء منازلهم بسرعة ولاذوا بأعداد كبيرة بجوار زغرتا حيث عاشوا حياة التشرد أكثر من سنة. وفي منطقة الزاوية تكثفت الاصطدامات الطائفية. وذات يوم أقدم الزغرتاويون الشمعونيون، في رد انتقامي، على قتل ستة ركاب من المسلمين في سيارة على طريق سير وكان بينهم شيخ معمَّم. فأثار هذا الحادث رداً انتقامياً دموياً وعنيفاً. أما في زغرتا، ولا سيما بعد مجزرة مزيارة، فقد كانت العائلات تتقاتل بانتظام وعلى وتيرة شبه يومية. وكادت تلك البلدة تفرغ من زهرة شبابها الذين كان يصفي بعضهم بعضاً. اذ لم يكن هناك مجال لاعتبار أي اغتيال بمثابة الاغتيال الأخير، فأعمال الثأر كانت تدور في دوامة من القتل والثأر وفي حلقة جهنمية لا تنتهي، حتى جاء وقت أصبحت فيه جميع نساء البلدة متشحات بأثواب الحداد السوداء. فكان لا بد من حقن ما تبقى من دماء شابة ووضع حد لهذا المسلسل الحزين. حيث تمت الاستعانة بعناصر عديدة من حامية طرابلس التي أدى غيابها، بطبيعة الحال، الى احداث فراغ في مناطق أخرى. وتحوّل الصراع في المدن الى حرب خنادق في انتظار حدث ما يعيد تنشيط هذا النزاع الذي خف نشاطه ريثما يرحل الرئيس شمعون، إلا ان المواجهات في العاصمة اتخذت منحى تصعيدياً أكثر كثافة، حيث أخذت تتكرر غارات الثوار على النقاط الحساسة في المدينة وأحياناً على مراكز الجيش بوتيرة شبه يومية. وفي الجنوب رفع الزعيم الشيعي أحمد الأسعد لواء الثورة. فاستطاع مع رجاله المدعومين بقوة وبوفرة من وراء الحدود أن يشلوا حركة قواتنا في الجنوب التي كانت على أي حال مضطرة إلى البقاء في مواقعها الدائمة على الحدود اللبنانية الاسرائيلية. وقد كان رجال الأسعد يقومون ببعض الغارات لإثارة البلبلة والفوضى في المنطقة وبالتالي ليعيقوا حركة المرور على طرقات أقضية الجنوب الثلاثة: مرجعيون، النبطية وصور. غير أن نشاطاتهم ظلت على تقطع، واتسمت بشراسة أقل من تلك التي كانت تجري في سائر المحافظات. وعلى هذه الساحة بالذات سوف يلعب المقدم فؤاد لحود دوراً ذا مغزى إلا انه مشوب بالالتباس، ما سينعكس سلباً على مستقبله العسكري. فلقد كان لدى لحود سببان وجيهان ليعارض ترشيح الجنرال لشهاب للرئاسة الأولى. فهو أولاً من مؤيدي التجديد للرئيس شمعون. وإذا لم يتمكن شمعون من الفوز بولاية ثانية لست سنوات أخرى، وهو اجراء يتطلب تعديل الدستور، فقد هيأ شمعون النائب سليم لحود، شقيق المقدم لحود، كخليفة محتمل له، اذ كان يعده لهذا المنصب منذ ثلاث سنوات، حيث مهد له الطريق بتعيينه مرتين وزيراً للخارجية، وراح هذا المهندس يتمرن بجدية على دوره السياسي العتيد. ولبلوغ مرامه، بدأ فؤاد لحود، منذ انتخابات 1957 التي حملت شقيقه سليم الى الندوة البرلمانية لأول مرة، يلعب لعبة غامضة. خلال أحداث 1958، فُصل الى مرجعيون كضابط ارتباط بين القيادة العامة وقيادة المنطقة، وهنا كشف عن أهدافه الخفية عندما أخذ يطبق تعليمات الرئيس شمعون السياسية، ويقترح على قيادة المنطقة عمليات من وحي مآربه الشخصية. وفوق كل ذلك، راح يُجري اتصالات عديدة مع جماعة المكتب الثاني المجاور بهدف كسب دعمهم وتأييدهم لأحد المرشحين: الرئيس شمعون أو شقيقه سليم للرئاسة العتيدة، ولم أُفاجأ بالأمر أنا، فلقد عرفت فؤاد لحود منذ زمن، ومُذ عرفته رأيته مولعاً بالسياسة! في الشوف، معقل نفوذ كمال جنبلاط، كانت الثورة كامنة تبعث على البلبلة في النفوس وانعدام الأمن على الطرقات، وكان جنبلاط قد وضع على رأس رجاله، عسكرياً محنكاً هو العميد المتقاعد شوكت شقير، وهو ضابط رفيع الرتبة من أصل لبناني التحق العام 1949 بالجيش السوري وأصبح عامي 19541953 رئيس أركان هذا الجيش، إلاّ انه عاد في ما بعد الى موطنه الأساسي. قام أنصار جنبلاط ببعض المناوشات المتفاوتة الخطورة في الشوف، غير أن ما أقلق في هذه التحركات كان هجومهم على منطقة عاليه الذي بدا أنه يمهد لغارة على مطار بيروت، كان الخطر جدياً، وقد أنذرنا بهذا التحرك بواسطة المكتب الثاني. عندها تدخل الطيران العسكري لدعم قوات البر وساعدها على صد الهجوم والسيطرة على الوضع. ولقد أوقف المهاجمون في جوار قرية قبرشمون وانهاروا تحت وطأة غاراتنا الجوية ونيرانها، وقد فقدوا في هذا الهجوم عدداً كبيراً من عناصرهم. اقتصرت الاعتداءات في البقاع على عمليات محدودة لا تتعدى شن غارات على مراكز الجيش وبعض التجمعات السكانية المعدودة والمعزولة. أما الطرق فأصبحت في معظمها غير آمنة. وقد كانت الأسلحة والذخائر تتدفق الى جميع الثوار في لبنان محمولة على البغال عبر ممرات سلسلة جبال لبنان الشرقية وأوديتها. وأُقيم لهذا الغرض مستودعان ومركزان لتوزيع الأسلحة والذخائر، أحدهما في عرسال في البقاع الشمالي والآخر في جب جنين في البقاع الغربي. كانت مهمة وقف هذا السيل اليومي من القوافل الخفية وتدميرها تقع على عاتق الطيران الحربي الذي أخذ يقوم بطلعات متكررة ومنتظمة يومياً وبغارات تدميرية على جميع محاور التسلل وعلى مراكز الاستلام والتوزيع. دور الجيش في مواجهة الاضطرابات إن دور الجيش، كأي جيش، يحكمه ويحدده في الأنظمةالديموقراطية وفي ظرف مماثل، الدستور والقوانين المرعية الإجراء الخاصة بكل جيش وسياسة الحكومة. فالجيش اللبناني هو على صورة بلاده، نصفه مسيحي ونصفه الآخر مسلم. فكان من الطبيعي أن يتأثر الجيش بأي انقسام يحدث، وأن يكون ما هو مرفوض في الأوساط السياسية الاسلامية مرفوضاً بالتالي في صفوف العسكريين المسلمين ولا سيما موقف المسلمين من السياسة الرئاسية الخارجية. كان الجنرال شهاب، منذ تكوين جيشنا الوطني، يخشى دوماً من أن تعمل التركيبة الطائفية الخاصة بالبلاد والانعكاسات السياسية على الصعيد العسكري، على تفكيك الجيش وتفتيته. ولقد فكر شهاب طويلاً ودرس مخاطر تدخل من جانب الجيش على الصعيد الداخلي. وقد وَلّدَ هذا التخوف في نفسه حذراً من استخدام القوات المسلحة في شؤون الأمن الداخلي. وقد أصبح هذا التحفظ في النهاية يشكل قاعدة مهمة في العقيدة العسكرية في جيشنا. خلال محنة 1958 القاسية التي كان يمر بها لبنان، كانت هذه الظروف المؤلمة وهذا التشابك في المواقف السياسية، قد جعلت من القائد الأعلى للجيش الحكم الوحيد في هذا الوضع وليس المدافع الأول عن وحدة البلاد وسلامة أراضي الدولة وحسب. فلقد كان هذا القائد حكماً نزيهاً وشرعياً ومسموع الكلمة في الأوساط المتمردة. وقد تكوّن لديه اقتناع بأن صدام الدولة مع جزء لا بأس به من المواطنين (نصفهم بالنتيجة)، ليس سوى نتيجة خلاف سياسي وخاصة نفسي بين رئيس الجمهورية الذي لم يتبقَ من ولايته سوى ثلاثة أشهر وبين قسم فعّال من المواطنين الذين لا يوافقون على سياسته الخارجية التي يتهمونها بالانحراف ولا على نيته بالتجديد لولاية ثانية. فالجنرال شهاب، الذي لم يشأ أن ينظر في ذلك الحين، إلاّ الى استمرار الكيان الوطني اللبناني في شكله الموحَّد، رأى أنه لا يقبل ان تُسجل في سجلات الجيش أية عملية أو بالأحرى مجابهة تضع شطري البلاد وبالتالي جناحي الجيش في مواجهة احدهما مع الآخر. ورأى الجنرال بالنتيجة أنه يجب ترك هذه المهمة لقوات الدرك والشرطة، وهي المهيأة أصلاً أكثر من الجيش لهذه المهمة الداخلية الدقيقة. ففيما كان نصف لبنان مستنفراً ضد نصفه الآخر، وحده الجنرال شهاب حافظ على نفاذ بصيرته، وكانت خطته تقضي بمنع حصول مجزرة طائفية. غير أن الجيش لن يبقى مكتوف اليدين ولن يكتفي بالوقوف شاهداً يتأمل سلبياً الحريق الذي يشعل البلاد كلها. فاختار الجنرال استراتيجية منقذة، تمثلت بتكتيك حكيم وفعّال حدد للجيش دوراً أساسياً ملائماً: ليس دوراً هجومياً قمعياً الى أقصى حد، بل بالأولى: تنفيذ أعمال هجومية في مفهوم وهدف دفاعيين، مما يسهم في تقليص الخسائر من كل الجهات، وفي استيعاب وحتى الحد من أضرار الثورة وتوفير مآسٍ على المواطنين الآمنين لا يستحقونها. فكان الجيش يتدخل بشكل فعّال ما أن يتجاوز عمل الثوار نطاق أمن المواطنين وسلامتهم ليغدو خطراً وطنياً. هذا الموقف الذي اتخذه الجيش، كان عرضة لانتقاد بعض فئات المجتمع، تحت تأثير الحماسة العمياء. فهذه الفئات التي أغاظتها حدة تمرد الطرف الآخر وتحدياته، اعتبرت هذا التمرد بمثابة الثورة المعلنة على الوطن وهي بالتالي تقوّض أساس الوحدة الوطنية، من هنا لا بد من قمعها بعنف. ومع ذلك، فإن الجيش اللبناني، حتى على الصعيد العسكري، قام بواجبه بأمانة وإخلاص وبشكل فاعل، وخير دليل على ذلك: العلميات المستمرة التي أجراها والتدخلات المستمرة. وهذا البرهان تؤكده قائمة العتاد الحربي الذي كان يصل الى الجيش بوسائل سريعة ومستمرة (جواً) من مصادر مختلفة وممونين متنوعين. أما بالنسبة الى قواتنا الجوية، فقد سعيت للحصول لها ووُفّقت في سعيي هذا (عبر العقيد »Blackmore« رئيس المدربين البريطانيين) على عشر طائرات نفاثة من طراز »فمباير« ضُمَّت الى الطائرات الموجودة في سلاحنا الجوي للقيام بالعمليات العسكرية الضرورية لتطويق التحركات الخطيرة وهجمات الثوار. فعندما اشتعل لبنان بكل أطرافه، وأصبحت الطرق وكل وسائل المواصلات غير سالكة في وجه القوات البرية، وجاء وقت لم يعد فيه عدد العناصر المقاتلة في الجيش كافياً لصد كل الأعمال الثورية التي انتشرت في عرض البلاد وطولها، وحده الطيران الحربي سيعمل ليزيل تلك العقبات الحرجة التي كانت تشلّ تحرك الجيش، وسيقوم هذا السلاح في كل أنحاء البلاد وعلى جميع الجبهات بعمليات عسكرية وغارات بهدف تحييد مجموعات الثوار بمنعهم من التحرك. وعلى رغم كل الاحتياطات التي اتخذت، فقد تعرض سلاح الجو لبعض المشاكل الداخلية التي لا تخلو من الالتباس الغريب. فمنذ بدء الأحداث أوصتنا القيادة بوجوب تفادي الحوادث الحدودية حرصاً منها على مراعاة الجانب السوري وعدم تعكير العلاقات مع أشقائنا وجيراننا. في 17 أيار 1958 تلقيت من القيادة مذكرتين تطلب فيهما مني انزال العقوبة بقائد قاعدة رياق الجوية وبضابط طيار، لمخالفتهما الأوامر المعطاة وقيامهما أولاً بتحليق غير مأذون به ثم بسبب اختراقهما المجال الجوي السوري في منطقة ميسلون. وبما أني كنت مقتنعاً بأن أحداً من مرؤوسيّ لم يكن مذنباً في هذه القضية، فقد أخذت على عاتقي توضيح هذا الإشكال وأعطيت رؤسائي كل المعلومات الضرورية لجلائه بوضوح وبالتالي لإنقاذ هذين الضابطين من مغبة سوء الفهم هذا. إن الجهود المتصلة التي بذلها سلاح الطيران، والنتائج التي حققها، أثارت نقمة فئة أخرى في أوساط الثوار على سلاح الطيران وانتقاده. وما لبثت هذه الفئة الأخيرة أن وصفت سلوك الطيران الحربي بالانحراف، جاعلة إياه في خانة قوات الدرك وحفنة من ضباط الجيش الموالين للرئيس شمعون. وهذا الأخير قام ببادرة، زادت موقف عسكريي سلاح الطيران حرجاً. ففي 25 حزيران، أرسل الرئيس الى القيادة، ضابطه المرافق حاملاً كمية من الساعات الثمينة التي طلب توزيعها على جميع طيارينا. وقد حُفر على الغطاء الخلفي من كل ساعة العبارة التالية: »هدية من الرئيس شمعون مع فائق تهانيه«. والرأي الذي كوّنه الشعب عن الطيارين العسكريين طالني شخصياً. فصُنّفت اعتباطاً وخطأً في خانة بعض الضباط والرتباء (الكولونيل سيمون زوين، المقدم فؤاد لحود، والمقدم أنور كرم وسواهم) من الذين يكنون مودة خاصة للرئيس شمعون، هذا التصنيف المغاير للحقيقة، ولا سيما في ما يخصني، كان يجب ألا يمر في مخيلة الناس. فالجيش في جميع كوادره (ضباطاً، ورتباء وجنوداً) مُشرَّب بروح النظام المثالية ويشكل بكل عناصره كتلة متراصة في ظل رايته. لقد كانت اللحمة بيننا، في تلك الفترة، على أفضل وجه، ولم نكن جميعاً لنتلقى اقتراحات أو توجيهات أو آراء من أي كان سوى قائدنا، وننفذ فقط الأوامر الصادرة مباشرة من رؤسائنا. الى جانب مهمتي كقائد لسلاح الطيران، كُلفت أيضاً بالرقابة العسكرية على المنشورات.. وهكذا كان عليّ الذهاب كل يوم الى مديرية الاعلام والصحافة، في السراي الكبير، عابراً الشوارع المحاذية لحي الثوار (البسطة) وساحة رياض الصلح، كما أنه في 4 حزيران، أوكل إليّ الجنرال شهاب مركزاً ثالثاً: قيادة منطقة بيروت بالوكالة، في غياب القائد الأصيل، الكولونيل جميل لحود، الذي يعاني من اعتلال مفصلي حاد في العمود الفقري ويتلقى علاجاً في حمامات يالو (Yaloue) في تركيا. في الوقت الذي شغلت فيه قيادة بيروت بالوكالة، أي من 4 الى 16 حزيران، توسع النزاع وتضاعفت حدة الأعمال العسكرية، وأصبحت عمليات الثوار يومية في قلب المدينة وعلى حدودها الجنوبية الغربية. وفي 14 حزيران، هاجمت زمرة من الثوار، المدججين بالسلاح، سجن الرمل، بهدف تحرير السجناء. شكوى للجامعة ومجلس الأمن وفيما كانت أحداث لبنان تثير جواً من التوتر في الشرق، وفيما الأميركيون القلقون من اتساع رقعة الحرب الأهلية في لبنان حركوا في اتجاه المتوسط وحدات من الأسطول السادس المبحر في مضيق جبل طارق، اختار الرئيس شمعون هذا الوقت بالذات ليقدم، في آن معاً، الى الجامعة العربية والى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، شكوى رسمية ضد أحد أعضاء الجامعة التي وجدت نفسها مضطرة لأول مرة منذ إنشائها الى الفصل في خلاف بين عضوين عربيين: فالجمهورية العربية المتحدة متهمة بالتدخل غير المشروع في الأمور الداخلية اللبنانية. اجتمع مجلس الجامعة العربية في 31 أيار في بنغازي في ليبيا، وبدا من التداول الأولي أنه يتجه الى نوع من التوفيق وعدم الالتزام بأخذ جانب أي من الطرفين، برغم المرافعة التي قدمها المندوبان اللبنانيان، الوزيران ادوار حنين وبشير الأعور. فإن أعضاء الجامعة، بمن فيهم المعادون لسياسة عبد الناصر، أعطوا انطباعاً بأن أحداً لا يريد الالتزام كلياً. فالاقتراح الذي قدمته المملكة العربية السعودية بإرسال لجنة تحقيق استُبعد فوراً، إذ كان يُعمل للتوصل الى تسوية بعدما يكون شمعون قد سحب سلفاً شكواه الى مجلس الأمن الدولي. إن القضية ستبقى عالقة في الجامعة العربية ريثما يبت فيها قرار مجلس الأمن، حيث يبدو الجو مشحوناً أكثر هناك، فالتياران الكبيران اللذان يتقاسمان العالم أفادا من المسرح اللبناني الصغير للمواجهة وطرح خلافاتهما. هنا أيضاً كان الجميع يتفادى الإلتزام الكلي. وبناءً على اقتراح من السويد، تقرر في 11 حزيران، إرسال مراقبين من الأمم المتحدة للتأكد من عدم وجود تسللات غير شرعية عبر الحدود اللبنانية، فوُضع الجنرال النروجي (Odd Bull) يعاونه (Blickenstaff) على رأس هيئة المراقبين. وجاء داغ هامر شولد بنفسه من نيويورك لمراقبة الوضع على الأرض عن كثب. وفور مغادرته، عيّن (Galo Plaza) ممثلاً عنه للقيام بالاتصالات والتدخل عند الحاجة. بدأت هيئة المراقبين المؤلفة من 130 ضابطاً من جنسيات متعددة يتوافدون في مجموعات صغيرة، وباشروا عملهم فوراً في ظل ظروف عقيمة. اذ منذ تمركز هذه المجموعة الدولية، أظهر الثوار نياتهم السيئة حيالها بكل وضوح. على أن السلطة العسكرية وفرت لهيئة المراقبين، بواسطة الطيران الحربي، كل التسهيلات التي تساعدها على القيام بمهمتها الاستكشافية على أكمل وجه. فلم تستثنِ محلة واحدة في البقاع أو عكار أو الجنوب، ولم يبقَ أي ركن صغير في البلاد خارج استطلاعها ومراقبتها، ومع ذلك، فالتقرير الذي رفعه الجنرال أود بول الى داغ هامر شولد لم يُشِر الى أي تدخل أو تسلل ولم يُقيم أي برهان على دخول أو وجود عناصر غريبة أو غير نظامية مسلحة في البلاد.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة