»ابحار« لفرقة فهد العبد الله للفنون. ذلك عنوان سمح لمصمم الرقص بتقسيم المقطوعات الراقصة وترتيبها حسب رغبته. وكذلك تقطع الموسيقى بما يلائم القطع الكوريغرافي الراقص. وتقطيع الجملة الموسيقية في المقطع الواحد الى عدد من الموازير الموسيقية وتركيب الحركات والايماءات والخطوات ووضع التكوينات لمجاميع الراقصين والراقصات. ورسم الخطوط المتحركة والاشكال وراء المؤدين. حيلة عند حافة خطورة الابداع. ولكنها مثيرة اذا اصابت. وهي أثرت »ابحار« في تركيب العرض على تتالي اللوحات، والمقارنات غير المقصودة بين الواحدة والاخرى. كأن فهد العبد الله، اصبح امين صندوقة التراث. ولست ادري، مع عرضه ذي التوجه العربي، فيما ارتد باسم الفرقة حتى باتت فرقة للفنون اللبنانية. ملاحظة غير هامشية على الاطلاق، في ظل الاحساس المستمر من اللبناني بخطر يتهدد وجوده وكيانه. وهو كيان متأكد الحضور من انفتاحه على الآخرين وليس من انغلاقه او ارتداده. اشير الى ذلك، لان فهد العبد الله اصبح في مقدم من يدونون الفنون الشعبية، بعيدا من التواتر الشعبي. لكي لا تُفقد الاخيرة. وحتى يتم تناقلها من جيل الى جيل عبر اسلوب وأنظمة وقوانين. وحتى يتم تطورها. ذلك ان حفظ الموروث، هو حفظ مشابه لحفظ النوتة الموسيقية والبارتيتورا، وهي النوتة الموسيقية الخاصة بقائد الاوركسترا. انشداد الى طموح »ابحار« تشد فهد العبد الله الى طموحه. لقد اقام عرضا تكون من خط طويل مستقيم، مثل العمود الفقري، سجل عليه كل اشاراته وعلاماته. هكذا بدأ برسم الحركة واتجاه أدائها ومكانها على المسرح ووقتها وزمنها وعدد الخطوات ومقاسها وتحرك الراقصين والراقصات وعلاقة هؤلاء بالراقصين المساعدين، قبل ان ينتقل الى حركة الجسم نفسه وزمنه واتجاهاته العديدة واشاراته بتفاصيل عديدة تبدأ من اصبع القدم والكعب وحتى الرأس. طريقة اقرب الى طريقة لابان الذي اثر على شكل الرقص الحديث وامتدت نظرياته من تحليل الحركة الى تكوين وصناعة الحركة نفسها والابداع نفسه. ولكنها لدى فهد العبد الله، خاضعة الى المعيش اكثر مما هي خاضعة لقراءة تفصيلية تحليلية. بحيث تنبني تفاصيل العرض عنده، على خلفية شبه ثابتة، لن تلبث ان تتحرك باتجاه اضرامي. بما معناه ان المادة الممسوكة من ذاكرته، سوف تنأى عن هذه الذاكرة، من دون ان تطلقها. طالما انه يعيد تركيب المادة الحية، الصافية، من منظور شخصي، محركها الى ابعاد جديدة في امداء مضبوطة على ايقاعات الذاكرة نفسها. والذاكرة مشتركة هنا، جمعية بالمعنى العربي وليس بالمعنى الشرائحي اللبناني. ففي »ابحار« رقصة البحارة، بداية انطلاقة الفرقة من موانئ بيروت الى الشرق. ثم »العرجاء« وهي رقصة رجال القبيلة بعد انتصارهم في الحرب وعودتهم الى الديار، والشكشكة وهي رقصة كويتية خاصة بالنساء. وقد تكون هذه اجمل لوحات العرض، الى لوحة التصوف المغربية. وبعد العرجاء النجازي السعودية و»الصوفي والزار« الوجدانية الايمائية ذات النظرة الخاصة بوحدة الكون عبر الايمان. آخر الفصل الاول، مشهد فلكلوري من منطقة بلاد الشام، فيه الغناء والشروقي والحداء والرقص والدبكة. يتألف الفصل الثاني من بقية عناصر الترحال، فمن اغنية »عودت عيني« لام كلثوم الى الرقصة الصعيدية، ختاما بالمشهد اللبناني الاخير في اثنتي عشرة دقيقة. فكرة المصمم، فكرته، بسيطة، وذات اهداف وغايات محددة، لا تراوح امام نوع من النزوع الانساني، بل تتعداه الى فكرة قيام التصميم في مدى ارتقائي متخيل، ينزع الى التجديد من صلب المادة الخام، بعيدا من التقليدية الصارمة وبعيدا من التحديث الصارم. ولكن مع ذلك، فإن ثمة احساسا طاغيا يتململ في »ابحار«، بالرغبة بالتحرر والتفاخر بالحرية الجسدية والروحية. سؤال ولكن السؤال يبقى سؤال قدرة المؤلف على التعبير الحي في اجساد الراقصين والراقصات، في غياب الكلمة والعبارات الطنانة. وخصوصا ان الاثر الفني هنا، هو اثر طبيعي او يعود الى المذهب الطبيعي الواقعي، الذي لا تغيب شعرية الواقع عنه، حتى في لحظات اشتداده القصوى. فالبحر مدى شعري والصحراء اكثر. ان الاجابة على هذا السؤال هذا، تعود الى طبيعة العرض نفسه. ففهد العبد الله، ليس بعد في وارد قيام مسرحية راقصة، تصور كذا وكذا. وتقوم على حبكة وعقدة، ترتفع بالعرض عموديا وتتوسل لاجله تقنيات المشاهد القصيرة، بديلا من المشاهد الراقصة القصيرة المستقلة. الا انه في »ابحار« يقابل الصورة بالصورة المضادة، حتى ولو اضطر الى الاستعانة بفاصل موسيقي راقص كحيلة درامية، تمهد لاستعداد الآخرين للدخول في المشهد الآخر. انه اذا اميل الى اسلوب المشاهد الراقصة. هذه خطوة، باتت مختمرة في تجربته. ولكن اختمارها بات عبئا عليه وعلى رفاقه، بالمعنى الايجابي للكلمة. لانه بات ادرى تماما بأمداء اختباراته في المشهد الراقص. وما محاولته، تعريب عرضه، سوى من احساسه العميق بضرورة الخروج على المصوغ الذي بات احد اساسييه في الطريق الى عرض درامي راقص أراه قريبا مع مستشار الفرقة الفني نقولا دانيال. سلوكيات واقوال »ابحار« تطرح سلوكيات فهد العبد الله واقواله من زاوية، على محمل التغيير. كما تطرح قضية الجسد على محمل الجد. سرد حدث وتطويره وتأزيمه من زاوية اخرى، مما يشعر المتفرج بأن الخاتمة او انفراج الازمة (هي ليست أزمة الا في استعمال مجازي يريد الوصول بالتجربة الى واحدة من خواتيمها المعبرة المفرحة) باتت على المحك تماما. فالمصوغ امامنا، هو الاقصى. وليس بعده الا تفكيكه واعادة تركيبه بما يلائم مصوغا تهجس به التجربة، من دون ان تتلقاه كيقين نهائي. وهي مرحلة لها ان تمسح عن التجربة قشورها البرانية، من مثل ذلك الاختلاط بين واقعية الاداء وحالاته التعبيرية في لحظات الشعرنة. ثنائية، تلعب دور اعاقة قيام البناء على وحدة بصرية. كما تلعب دور الساحر في احيان اخرى. انها ثنائية، ما انفك فهد العبد الله، يكررها في عروضه من »هيّ ليلة يا مكاري« عرضه الاحتفالي الاول وصولا الى عرضه الراهن »ابحار«. عملية التنقية هنا معبر، الى استواء التعبير، على دراما داخلية تشوش الاختلاطات الاسلوبية عليها الى حد كبير. فاذا ما حدث ذلك، تبينت اهمية النقلة الممتازة في العمل على الجسد. اذ لم تعد الرقصات، تكتفي بالضرب الرجولي، للفتيات والشبان على حد سواء، بالقدم على الارض، بل تخطتها الى قيامة الجسد في غير آلية تعليمية. اي في مساحة، تجرب فيها الاجساد علاقتها بمخزونها النطقي. فالاجساد تنطق. ولكي تميز، اقول ان الجسد لدى فرقة فهد العبد الله بات بعيدا من الانشائية البصرية الى حدود مرضية. لم يعد الجسد باردا يمارس تقليده الراسخ. وهو تقليد شعبي، ينشد الى مفاهيمه الجمعية. التراث بات مطواعا. حتى بات بامكانه ان يفتح آفاقا امام العمل على الخصر والحوض والكتف والنقر بواسطتهم والتصوير حتى، قريبا من الفوتوغرافية وبعيدا منها في آن، في ثنائية اخرى من ثنائيات فرقة فهد العبد الله. ولانه كذلك، أضحى من غير المفيد ان يعاضد حضوره بهمهمات وصرخات، يرددها حتى الشبان كما تفعل الفتيات، في ثنائية ثالثة، التنقية، واجبة وضرورية. وسوف تحدث، في ظني، فقط في اطار عمل درامي لا يقوم الا على تفاصيله وايقاعاته واشاراته الداخلية وحدها. كما ان الدراما سوف تنقي العرض، من الزيادات الاخرى. السولوات في مقدمها، ولو تفاوتت نسبة الجودة فيها، بين رقص ريما الشدياق وكوليت حديب ومنى الحاج الحساس، وسولو نادين ريشاني البدوي الفالت او السولو الطقسي من محمد عيسى. حجة اقصى طموحاتها ان تسمح للآخرين بتغيير الثياب والقليل القليل من الراحة بين مشهدين قائمين على متطلبات الاجهاد الجسدي والترنم الروحي. ولن يعيبنا هنا، ان نشير الى ذلك التفاوت غير الخافي بين فريق الشبان وفرقة الفتيات، لصالح الاخيرات. ذلك ان مرونة معظمهن، تقابل بنوع من اشد لدى معظم الشبان. ثم ان خبرة بعضهن لا تقابلها خبرة مماثلة من عديد الشبان، ولو تميز بعض الاخيرين بالطلة (محمود ارزوني والياس شاهين) او الاداء (شادي حيمور خصوصا). ولكن وعلى الرغم من الملاحظات هذه، فإن فهد العبد الله اقام فضاء عرضه، من فقرات التراث المتعددة، المتنوعة بتعاضد واضح من نقولا دانيال صاحب الحضور الصامت المثري وحسن صادق مصمم الديكور الذي اعتمد التقشف مستعملا السجاد وبعض الاشرعة (الأخيرة ليست موفقة تماما) وغابي ابي راشد الذي صمم ازياء جميلة فعلا وذات ابعاد لافتة، غير تزيينية غالبا. »ابحار« افضل اعمال فهد العبد الله وفرقته، تثبت من هوية اختمرت، في اتجاه ما تطمح به البصيرة التشكيلية مستقبلا للثنائي عبد الله دانيال. وهو طموح بالامكان المراهنة عليه. عبيدو باشا