الكتاب: »رالف رزق الله في المرآة«، رواية. الكاتب: ربيع جابر. الناشر: دار الآداب، بيروت، 1997. في روايته ثلاثية نيويورك(*)، يعدد بول أوستر شخصه: فهو »كوين« القارئ النهم للروايات البوليسية، وهو »ورك« الغريب، وهو »وليام ولسون« الذي صار »كوين« نفسه، وهو »فانشو« الذي يبحث عنه الراوي، المدعو »بول أوستر«. »بول أوستر« المؤلف هو داخل الرواية وهو خارجها، هو المؤلف لكل هذه الشخصيات، وهو واحد في تعددها. في روايته الأخيرة، »رالف رزق الله في المرآة«، يعدد ربيع جابر، أيضاً، شخصه. التعدد في الرواية هو للوجه الذي يبحث عن وجهه في المرآة. إنها اللعبة نفسها، ولكن في ابتكارها الآخر والخاص. ما الذي يدعونا، إذاً، للإشارة إلى رواية بول أوستر، فيما نحن بصدد الكلام على رواية ربيع جابر؟ هل نبحث عن تقليد، هل نبغي المقارنة؟ لا، ليست رواية ربيع جابر تقليداً، وإن كانت تحتمل، شأن الكثير من الروايات، المقارنة. فلعبة التعدد لا تعني بالضرورة التقليد، وربيع جابر حاولها في روايته »البيت الأخير«. ولعلنا نرى ملمحاً لها في رواية الطيب صالح الشهيرة »موسم الهجرة إلى الشمال«، حيث يقتصر التعدد على الازدواج بين الراوي ومصطفى سعيد. فكان أن وصف النقاد هذه الشخصية بالبطل الإشكالي، ولم يجر الانتباه إلى أن »موسم الهجرة الى الشمال« كانت بداية لشعرية روائية جديدة تحاولها الرواية العربية، وتتمثل في تشابك المتعدد داخل الواحد. تعني الشعرية قواعد عامة تحكم هيكل البنية، ويتشكل الخطاب متنوعاً على أساسها. والخطاب بذلك لا يقلد الخطاب، بل يؤكد الشعرية العامة التي تكتسب جماليتها بتميز الخطاب في رواية الحكاية الخاصة. يؤكد ربيع جابر هذه الشعرية بتبني قواعدها العامة، ويسعى الى تمييز خطابه برواية ما هو محلي خاص، وبفتح هذا الخاص على ما هو أبعد منه. يتمثل المحلي الخاص في المكان: بيروت وشوارعها، ومحلاتها.. بين الأشرفية والروشة. ويتمثل في الشخصيات وهيئاتها وسلوكاتها: رالف وزوجته، ووالديه، والراوي. كما يتمثل في الزمن الذي تعيشه الشخصيات، والذي يحيل، بشكل رئيس، على فترة ما بعد الحرب اللبنانية. لكن الحكاية تتجاوز حدود مكانيتها، وتواريخ زمنها، إلى مغزى وجود الذات البشرية في حياة هي دائماً على حافة الموت. مروية تبدأ الرواية بتقديم حادثة انتحار رالف رزق الله. الحادثة هذه مروية كمجرد خبر في صحيفة، ولأن الأمر كذلك، يقول الراوي: »هكذا انتهى كل شيء«. ففي حدود الخبر المحكوم بمطابقته للواقع تنتهي الحكاية. لكن الرواية خطاب مفارق، يمارس لعبته الدلالية، ويصوغ سؤاله المعرفي الخاص. لذا يعود الراوي ليقول: »هكذا يبدأ كل شيء«. أي هكذا تبدأ حكاية الوجه الذي يستسلم لتعدده في المرآة، على قاعدة أن الشخص هو »مجموعة كبيرة من الأشخاص«. لا تطرح حكاية انتحار رالف رزق الله سؤالاً كالذي تطرحه الرواية البوليسية، أو كالذي توهم به رواية بول أوستر، لأن حكاية الانتحار، في رواية ربيع جابر، قراءة يمارسها الراوي بغية التعرف إلى ذاته في صورها، وبهدف ملامسة تلك الرغبة، عند بطله، في القفز، في الانطلاق نحو المتاهة، في المغادرة إلى عالم السكوت، والتخفف من عبء الزمن المعيش. من أجل هذه القراءة، يستعين الراوي المؤلف بوسيلتين: المرأة، والصورة الفوتوغرافية (صور رالف). فبين المرآة التي تعلو مغسلة حمام غرفة الراوي (الواقعة في الطابق السفلي) ومرآة المصعد المؤدي الى منزل والدي رالف في الأشرفية، وبين لوح الجليد القطبي الذي يقرأ عنه الراوي في موسوعة الحيوانات الثديية وسطح مياه البحر تحت مقهى دبيبو على الروشة، يتمرأى وجه الراوي في الوجوه: وجه رالف، ووجه والد رالف، ووجه الشاعر بسوّا، ووجه الدب القطبي، ووجه نرسيس، ووجه ربيع جابر نفسه. إنه الواحد في المتعدد في أكثر من زمنه. أما الصور الفوتوغرافية، صور رالف التي يستعيرها الراوي من زوجة رالف، ومن والديه، فإنها تمحور دلالة الحكاية حول سيرة رالف الذاتية: حياة الشخص، مراحل دراسته، عمله، زواجه، معاناته، توتره، غربته، ووحدته.. إنه الواحد الذي تعدده المرآة، ولكن في زمنه. تتعاضد الوسيلتان على إرادة التعدد في الواحد، أو على التعرف إلى الواحد المتعدد، والزمن في الأزمنة. وعلى خلق التماهي بين من يروي (الراوي/ المؤلف) وبين المروي عنه (رالف رزق الله). هكذا يخرج رالف، في نهاية الرواية، من الصورة ويقول للراوي: »أحياناً أنظر إليك من المرآة، حيث تكون نائماً، أرى وجهك كأنه وجه أبي، وأحياناً كأنه وجهي. هل تصدق؟«. الكتابة معادلة الحياة بهذا التعاضد تتحول دلالة الانتحار الخاصة، أي حادثة انتحار رالف رزق الله في مواصفاتها الواقعية، إلى دلالة لمعنى الحياة. وهو معنى يشير إلى الكتابة حين تكون الكتابة معادلاً للحياة. تتشكّل هذه المعادلة كخيبة، لأن الكتابة، في نظر الراوي/ المؤلف، لا تنبئ. إنها التباس بين الواقع والمتخيل، وتداخل بين الوجوه. لكن، بالرغم من هذه الخيبة، ومن هذا المغزى المأساوي لفعل الكتابة، باعتباره فعلاً يقع بين الحقيقة والوهم، بين المرجع والصورة، وبين الحياة والموت، فإن الراوي الذي يظهر، في نهاية الرواية، باسم ربيع جابر، هذا الراوي/ المؤلف يبقى واقفاً مطلاً على البحر، باحثاً عن وجهه، في حين يقفز رالف في الماء. ينتحر رالف، ويعكف الراوي على البحث عنه، عن ذاته، عن وجه له، آخر، يعيش داخله. ونحن، نحن الذين نقرأ هذا المشهد الأخير، نسمع صوت »فانشو«، الوجه الآخر للراوي في ثلاثية نيويورك، يقول له: »ربما ليس بمقدورك أن تعرف ما هو حق مما هو زائف، ولن يقدِّر لك أن تعرف أبداً«. ربما! ربما بقي السر في الرواية. وبقي لنا لعبها الفني الأثير الذي يدعونا إلى التجوال بين الوجوه، ويشرّع لذاكرتنا عالماً من النصوص. (*) ترجمة: كامل يوسف حسين، دار الآداب، بيروت 1993.