أثارت قضية النعجة »دوللي«، اثر نجاح التجارب التي قام بها البروفسور إيان ويلموت وفريقه الطبي، في اسكتلنده، سجالاً تعدى النطاق العلمي ليطاول الأخلاق والسياسة والدين. حول الأسئلة التي أثارتها هذه العاصفة التي من غير المرجح أن تهدأ في وقت قريب، كتب د. أحمد مغربي، وهو طبيب وكاتب، هذه العجالة بمثابة أسئلة عن الأسئلة، وجولة على المستجدات في هذا المجال. كانت سيارة التويوتا تصعد بتؤدة الطريق العريض والمضاء في اتجاه بلدة »المصيلح« قضاء النبطية. لم يكن زميل الرحلة، الكاتب عماد الحر، يحدثني لا عن مقالاته النقدية في السينما ولا عن قصصه القصيرة المفعمة بحنين موجع. دار حديثه حول موضوع آخر شغل حينذاك الكثيرين: الصيف الكانوني الذي بدا وكأنه قضى على الشتاء قضاءً مبرماً. كنا بصدد زيارة بلال خبيز الكاتب والصحافي الذي بلغ اهتمامه بشؤون البيئة حداً جعل البيئة وشواغلها المحور الوحيد لاهتمامات متشعبة. الصديق عماد الحر كان يتساءل عما إذا كان تقدم العلم ينهك أو يعاكس قدرات البيئة الأرضية عموماً؛ وتالياً مختلف الأجناس والكائنات التي تعيش عليها وبفضلها. حينها، في مطلع العام الحالي، لم يكن أحد قد سمع بعد عن النعجة دوللي (اسمها اشتق نسبة إلى المغنية الأميركية العامرة الصدر دوللي بارتون، التي أعربت عن سرورها للاختيار!!) أول حيوان ثديي (Mamal) يتم نسخه انطلاقاً من خلية بالغة أخذت من ثدي إحدى النعجات (من هنا التسمية والمقارنة!) لأن الإنسان ينتمي إلى الفصيلة عينها: الثدييات، فأول ما تبادر للأذهان، قفزاً فوق كل تقييم متأن، هو بروز إمكانية لاستنساخ البشر على نحو ما جرى مع النعجة التي استنسخها فريق علمي يقوده عالم الأجنة السكوتلندي أيان ويلموت وبتمويل من شركة PPL البريطانية للأدوية الطبية. سرعان ما أضحت دوللي (النعجة) موضع حديث العالم: الرئيس الأميركي الذي سبق أن أعلن نفسه قائداً »علمياً« مهمته الرئاسية الأولى هي قيادة أميركا لولوج عصر المعلوماتية أوضح انه مضطرب، ثم طلب لجنة من لجنة الخبراء في أميركا للعمل على وضع تقرير مفصل حول آفاق واحتمالات وإملاءات الاستنساخ البشري في فترة لا تتجاوز 90 يوماً. بعد أيام قليلة، سارع كلينتون إلى إصدار تشريع يحظر تمويل أبحاث الاستنساخ البشري من الأموال الحكومية، وذلك حرصاً على أن »لا يضطلع الإنسان بدور الله«!!! وزير الزراعة الفرنسي وصف شعوره بأنه »كمن يرى كابوساً على وشك التحقق«. الفاتيكان بدا مشدوهاً. الجرائد اليومية في أصقاع العالم تردد أخباراً جديدة ممزوجة بأصداء مخاوف قديمة: جيش من نسخ هتلر وهولاكو أو حتى العبيد الذين وصفهم الروسي هكسلي كنوع من بروليتاريا جينية (...). إذاً كنا نتجاذب الحديث حول بعض ما يدور حولنا: اللوز الذي أزهر أبيض قبل أوانه بفصل كامل، وأفراخ الحيات التي أنهت باكراً بياتها الشتوي لتخرج زاحفة على أعشاب شبه ربيعية، والتوقعات حول تكاثر الجرذان وأسراب الصراصير وازدياد نسب إصابات المزروعات: كنا نحاول تقري (ولو بتلمس بعيد) أثر البيئة على الكائنات. ماذا عن أثر العلم على الكائنات؟ حديث يطول شرحه وقد لا ينتهي؛ لكن ما جرى في تلك الحظيرة الساكنة قرب أدنبره سكوتلندة كان يكتب فصلاً جديداً (ربما حاسماً برغم الشك؟) في العلاقة المعقدة بين الإنسان والعلم والطبيعة. جديد »دوللي«؟ ليس أمر الاستنساخ (Cloning) بجديد على العلم. الطريف في أمره أنه ابتدأ بالحظائر والحيوانات ثم انتقل إلى الإنسان وعاد إلى الحيوان والنبات. والآن؟ الخشية أن يتابع الدورة عينها وينتقل إلى الإنسان مجددا. البعض يرى الأمر محتما بل ويقترح أنه ربما كانت التجارب جارية الآن أو حتى قبل الآن. ابتدأت الأبحاث العام 1950 عندما أمكن الاحتفاظ بمني الثيران في درجة من التجمد (79 درجة تحت الصفر) ثم إعادة استخدامها في تلقيح الأبقار. عام 1952 بدا حاسماً (دائماً هذا الإحساس المثير بالحسم؟) إذ شهد أول استنساخ حيواني على يد توماس كينغ وروبرت بريجز اللذين تمكنا من استيلاد ضفادع كاملة انطلاقاً من خلايا مأخوذة من اليرقات الصغيرة. انتقل البحث الى الإنسان مع التقنيات المختلفة للتلقيح الصناعي (Artificial Fertilization) أو أطفال الأنابيب الذائعة الصيت. الطفلة لويز كانت أول كائن بشري يتم إنجابه بواسطة التلقيح الصناعي (1978). تطورت الوسائل التقنية للتلقيح وصولاً الى تلقيح البويضة الواحدة بحيوان منوي واحد؛ ودفقة المني تحمل ملايين الحيوانات المنوية (...). لم يخل الأمر من إثارة بعض التساؤلات في كل مرحلة. عام 1983 تم نقل جنين من رحم امرأة إلى رحم أخرى وأثيرت الأسئلة حول الأمومة وماهيتها وعلاقتها بالحمل؛ بل ان إحدى الأمهات البديلات (الحاضنات) وتدعى ماري بيث استمرت في حمل »جنين« حتى وُلد. حاولت ماري بيث الاحتفاظ بالجنين بدعوى أنها أمه التي حملته، لكن المحاكم ردت طلبها، فالجنين لُقِّح صناعياُ بشكل كامل في أنبوب جمع بويضة وحيوانات منوية من والديه البيولوجيين. ثار النقاش مجدداُ قبل سنة، عندما حملت أم جنيناً لابنتها وأتمت الحمل، فهل تكون الجدة أم الأم؟؟ عادت الأبحاث من الإنسان إلى الحيوان، وعلى مدار العقد الماضي طبق علماء البيولوجيا الحيوانية تقنيات الاستنساخ على الأبقار والأغنام، ودائماُ باستخدام البويضات والمنويات: الخلايا الأولية التي تصنع الجنين. تتابعت الأبحاث على الأجنة البشرية وخاصة في أميركا بعد أن قامت إدارة الرئيس كلينتون برفع حظر سبق أن فرضته إدارة الرئيس ريغان على أبحاث الأجنة البشرية، وتمكن علماء الأجنة في جامعة جورج واشنطن (1993) من »استنساخ« أجنة إنسانية: أخذوا 17 جنينا لا تتجاوز أعمارهم هنيهات ويتراوح عدد خلاياهم من خليتين الى ثماني خلايا (عدد خلايا الجسم الكامل مئة تريليون) ثم عمدوا إلى تشطير هذه الأجنة النضرة إلى خلايا منفصلة وزرعوها، كل واحدة على حدة، في أطباق المختبرات، على نحو ما يكونه الأمر في زراعة البكتيريا. بعض الخلايا واصل النمو وتكونت أجنة لها 32 خلية، أي العدد الذي يؤهلها للزرع في الرحم الإنساني. لكنها لم تنقل ولم تزرع، لأسباب مختلفة يطول شرحها هنا. إذاُ، كل التجارب قبل »دوللي« اعتمدت على الخلايا الأولية والجنينية. أما الجديد الذي أتى به أيان ويلموث وفريقه فهو الاستنساخ باستخدام خلية بالغة. في عملية التلقيح الطبيعي تندمج نواتا البويضة والحيوان المنوي وتمتزج موادهما الجينية وتتكاثر لتشكل المولود المقبل. ويلموث تمكن من إفراغ البويضة من نواتها التي تحمل الجينات، وبذا لم تعد لتسهم إطلاقاُ في تشكيل »دوللي«، بل عملت كوسط مغذ حاو على المواد البروتينية والعضوية. الشيفرة الجينية جاءت كلها من خلية الثدي التي أدمجت مع البويضة فانطلقت جيناتها في التكاثر، وحدها ومن دون وجود مواد جينية أخرى، ولذا أعادت إنتاج نفسها بالكامل: أي أنها أنتجت الشبيه الجيني (Clone). ذلك أن الجينات تتألف من سلاسل لولبية مزدوجة من مادة DNA الحامض النووي الريبوزي الناقص الأوكسجين (Deoryribo Nucleic Acid)، هذه السلاسل المزدوجة لها تتابع وشيفرة معينة في التصاقاتها وازدواجها، فإذا ما انشطرت، همّ كل نصف من السلسلة بتجميع المواد البروتينية والعضوية ليضع شبيها مطابقا وليعيد تأليف السلسلة المزدوجة. كذا تصرفت الخلية البالغة المأخوذة من الثدي، فأعادت إنتاج نفسها، وجاءت »دوللي« نسخة مطابقة لأمها النعجة التي أخذت خلية من ضرعها. (أنظر الصور للشرح وكذا الشروحات حول الDNA والخلايا). استنساخ البشر؟؟ حتى الأكثر بعداً عن الله يجد ما ينفر من فكرة أن يخترع الإنسان ذاته. لكن النفور المحض لا يكفي، بل يحسن أن نسبر غور هذا الشعور ومناقشة ما يستند إليه من حجج. فأن نرفع الأيدي ذعراً بدعوى أن الاستنساخ يناهض القانون الطبيعي للأشياء هو من قبيل المبالغة، أقله في مدى القبول بما هو طبيعي!! (ثم ما هو الطبيعي؟؟) وتقليل من شأن قدرة الإنسان على الفعل بقوانين الطبيعة؛ وغالبا (غالبا!) لمصلحة الحياة الإنسانية. بداية لنلاحظ (ولو بقليل من الجدوى) أن العلم ما زال بعيدا عن القدرة على استنساخ الإنسان. ليس القول بمدعاة »للاطمئنان« أو لعكسه، فلطالما بدا العلم على بعد من قدرات ما لبث أن امتلكها، بتلكؤ وتباطؤ حيناً وبقفزات مذهلة حيناً آخر. ان مجرد النجاح في استنساخ النعجة هو اختراق علمي، إذ ساد الاعتقاد طويلاً بعدم قدرة العلم على استنساخ كائن كامل. التجارب قبل »دوللي« توصلت الى الحصول على بعض الخلايا الجنينية التي يمكن بالكاد وصفها بالنسيج الجنيني. إذاً، لعل الأمر أقرب من أن يكون بعيداً. حتى لو قدر العلم (الآن أو غداً) فالسؤال الأول، وربما الأكثر إثارة للالتباس، يدور حول ما تكونه النسخة (Clone). يمكن القول بداية إن النسخة هي كائن يتطابق تماماً مع كائن آخر (الأصل). المثال الأقرب الذي قدمته الطبيعة الى الآن هو التوائم المشابهة التي تنشأ من انشطار بويضة واحدة. لكن كل من قُدر له رعاية التوائم المتشابهة يدرك أنها ليست تامة التماثل. المحيط الخارجي، التجارب المعيشة، والاختيارات الفردية تعطي لكل توأم فرديته المميزة. تلوِّح ولادة دوللي بصورة مختلفة للعائلة الإنسانية التاريخية: الشبيه لن يكون نسخة الأخت أو الأخ، بل سيكون توأم الأب أو الأم، وسيأتي التماثل ليس بفعل صدفة محضة أو قانون ما، بل باختيار وإرادة قصدية واعية. لكن نسخة عن موزارت قد لا تأتي بموسيقي عبقري، والأرجح أن »نسخة هتلر« لن يكون قاتلاً جماعياً. أما المفرط النرجسية الذي يسعى الى نسخة من ذاته، فلن يحظى بالسيطرة في العلاقة بشبيهه بأكثر من سلطة أي والدين على أي من أطفالهما، كسلطة آدم وحواء مثلاً على قايين وهابيل. المفارقة المرَّة أنه ربما كان هو إياه!!! ماذا عن دعاة الصفاء العرقي، أولئك الذين يدعون الى انتخاب أنواع وصفات بعينها (باعتبارها أعلى) والى اندثار وموات ما عداها، بما في ذلك استكمال أفران المحارق البشرية ومعسكرات الاعتقال والتصفية الجماعية. ما زالت ذكريات »أوشفيتز« طرية مؤلمة في ذاكرة الإنسانية، وقد نجمت عن دعاوى مماثلة. هل نسوق ذلك تدليلاً على مآل سلطة العلم المطلقة، أم على سوء استخدام الإيديولوجيا النازية لقوة العلم ومداه، أم أن انفلات العلم يحمل في طياته ميلاً إلى سطوة باردة، ماحقة، ومطلقة؟ يمكن القول إن الطغاة هم أكثر من استفاد، تاريخياً، من العلم؛ لكنهم على الأرجح لم يكونوا في حاجة إليه ليكونوا الطغاة. فأي علم متقدم استخدم جنكيز خان أو هولاكو؟؟ هل استنفد زعماء القبائل إلا أقل الأسلحة تقدماً في مجازر الهوتو والتوتسي المرعبة؟ ألم يتم السحل بالحصان والسيارة على حد سواء؟؟ معارضة تقدم علمي ما بدعوى إمكانية سوء استخدامه قد يصل إلى الوقوف ضد تطور العلم نفسه. إذاً هل نترك المجال رحبا أمام تجارب استنساخ البشر؟؟ بداية التقنية التي أدت إلى ولادة »دوللي« هي أبعد من أن تكون مضمونة تماما. عدد من التجارب أجري وأخفق وولد عدد من الأجنة المشوهة التي لم تقو على الحياة؛ بالكاد »دوللي« وحدها صمدت.. الى الآن. ما يقابل ذلك بشرياً هو ولادة المسوخ والشُوَّه، والاحتمالات المفزعة تبدو لا نهائية ومفتوحة. هنا لدينا سبب للغضب والتصدي لاستنساخ البشر. المشاعر الغامضة النافرة من الاستنساخ بدعوى بداهة معارضته للقانون الطبيعي، لا يجدر أن تكون وازنة وحدها في الوصول الى موقف معارض، فواضح انه قد يؤدي إلى منع كم كبير من الأبحاث البيولوجية الهامة والتي قد تعارض ما يبدو »قانونا طبيعيا«. أليست التكنولوجيا إجمالاً وتعريفاً هي التوسل بالعلم الى علاقة مع العالم بدل العلاقة الموصوفة بالطبيعية، والتي تنطبق على إنسان النازردال قدر انطباقها على إنسان نيويورك اليوم؟ هل يبقى التذرع بالطبيعي قائما أبدا ومدى تاريخ البشرية المقبل؛ بعد آلاف وآلاف السنين؛ ويستوجب دوما على كل بشري التصرف بمقتضى القانون الطبيعي كمثل إنسان الأبورجينز؟؟ لعل المقام بمقال تذكُّر أن الإنسانية فعلاً خالفت وتجاوزت وغيّرت في عدد لا يحصى من العلاقات بين الإنسان والطبيعة، بل ولعل تاريخ تقدمها هو هو تاريخ مخالفتها (...): الأبسط الأبسط هو استعمال الأسمدة الكيماوية والمبيدات والبيوت الزجاجية وتهجين سلالات الحيوانات والمحاصيل الزراعية والحاضنات الصناعية.. الخ؛ وكلها أدت إلى الحصول على منتجات وكائنات مغايرة لمواصفاتها ومواقيتها »الطبيعية«؛ بل ان ما حدث في هذا المدى البسيط أدى في المقابل إلى تدمير أو تغيير سلالات، وكان له من الأثر على الكرة الأرضية جمعاء أكثر مما يمكن لدوللي أن تفعل. ليست »القيامة الآن«! الاستنساخ هو أحدث تقنية استخدمها العلم البيولوجي الوراثي المعروف باسم ترانسجينك Transgenic أو »نقل الجينات«. الفريق الذي نسخ »دوللي« هو أحد الفرق القليلة في العالم التي تعمل في هذا العلم الذي يسعى إلى السيطرة على الجينات وصولاً إلى مزج جينات من أحد الأنواع (مثل الإنسان) مع التركيب الجيني الأساسي لنوع آخر (كالخنازير أو الأبقار). الهدف هو الحصول مثلاً على أدوية هامة وعلاجات لأمراض مستعصية (كالسرطان) أو مزمنة (كالسكري وتصلب الشرايين وأمراض القلب). الأكثر أهمية هو إحداث تغيير في التركيب الجيني لأعضاء معينة في الحيوانات لكي تتطابق مع التركيب الجيني للإنسان. هل نسمي ذلك أنسنة جينية؟ ربما. هل نسميها مسخاً؟ ربما. لكن الأبحاث في مجال »نقل الجينات« بلغت شأواً عالياً، وبرغم أن نتائجها لم تصل بعد الى الأسواق، فإن من المتوقع أن تكون هي بذاتها سوقا اقتصادية ضخمة، وعلى المستوى العالمي، وخلال عقد من السنين. حتى الآن تمكن العلماء في بريطانيا (أيضا)، وعبر »نقل الجينات«، من التلاعب في الهندسة الوراثية لبعض الحيوانات وأنتجوا خنازير لها قلوب وأكباد ذات تركيب جيني بشري. بمعنى أن هذه الأعضاء قابلة للزرع في الإنسان من دون التعرض لخطر ان يرفضها ويلفظها الجسم؛ بذا تلبي احتياجات سوق لم تكف عن التوسع منذ قام الجراح الشهير كريستيان برنارد (في كيب تاون جنوب أفريقيا) بأول عملية زرع قلب في إنسان. عمليات زرع الأعضاء الحيوانية المعدلة في جسم الانسان تعرف باسم »زرع الأعضاء الغريبة« (Xenotrans plantation). إذاً، علم »نقل الجينات« يوفر إمكانيات لا حدود لها، أقله احتمالاً، للحصول على أعضاء ومنتجات »إنسانية« متأتية من العالم الحيواني. على سبيل المثال، تمكن العلماء في شركة PPL نفسها من »إنتاج« البقرة »دورسي«، التي لم تحظ للأسف بشهرة النعجة »دوللي«، لكنها تدر حليباً له مواصفات إنسانية كمثل احتوائه على بروتين -Alfa Lactalbumin الفا لالكتالبومين. كيف تبدو بقرة ذات حليب إنساني من وجهة نظر الفلسفة البوذية مثلاً، التي تجل وتقدس البقر عموما؟؟ كيف يكون وقع هذا الخبر في المسامع؟ كيف، ترى، أثره على علاقة الهندوسي الذي يتبرّك بحليب البقرة وحتى روثها باعتباره مقدسا؟ كيف سينظر إليها عندما سيكون حليبها إنسانيا دنيويا محضا؟ كيف يبدو الأمر للدين عموما في علوم تكسر »الحواجز« بين الهوية الإنسانية والحيوانية، بل وتعمق التواصل بينهما؟؟ لا تبدو اللحظة في شرق أوسط يضج تطرفاً وأصوليات وكأنها الأنسب في نقاش فلسفي على هذا المستوى بأية حال. قد تثير بقرة ذات حليب إنساني عدداً من الاسئلة، ولكن ماذا لو تم تعديل جينات التحكم بالنسيج العضلي فأضحى لحم البقرة ذا مواصفات إنسانية؟؟ قد توفر مستودعاً لزراعة العضلات بدل تلك التي قد تتهتك أو تضمر أو تبلى في حرب أو مرض، لكن هل يمكن أكل لحمها؟؟ وأكل لحم تلك البقرة هل سننظر إليه باعتباره لاحماً (إنسان يقتات من لحم الحيوان) أم آدمياً Cannibal (إنسان يعيش على أكل لحم البشر)؟؟ ما هو الطبيعي وما هو غير الطبيعي في لحظة كهذه؟ أيضا وأيضا في أدنبره، وعلى مقربة من حظيرة »دوللي« لشركة PPL، هناك شياه أخرى تطبق عليها تقنية نقل الجينات لإنتاج حليب يحتوي على البروتين 2-1- Antitrypsin الفا 1 انتي تريبسن، وهو بروتين هام لتمدد الرئتين ولإفرازات مختلف الغدد غير الصماء (Exoccine) التي تفرز سوائل لزجة هامة لمرونة عمل أعضاء الجسم الأساسية، وكذلك الحفاظ على توازنات تركيباته الرئيسة. نقص هذا البروتين يفضي إلى المرض المعروف باسم Cystic Fibrosis التلييف الكيسي، والمنتشر في النصف الشمالي من الكرة الأرضية. في إسرائيل توصلت تطبيقات »نقل الجينات« على الماعز الى إنتاج حيوان يدر حليبا له تركيب.. بلازما دم الإنسان. إنتاج البلازما البشرية يستلزم تجميع كميات وافرة من الدم الإنساني والعمل عليها. إضافة الى الصعوبة الظاهرة، يحمل ذلك مخاطر العدوى إذ يأتي قسم من الدم من أشخاص معدمين وفقراء وربما مدمنين يبيعون دمهم لكسب عيشهم. كما أن بعض المتدينين اليهود أثاروا مسألة امتزاج الأعراق والأجساد التي لا تتوافق في رأيهم وفكرة شعب الله المختار وانتقائه للبعث يوم القيامة (...) إنتاج البلازما البشرية عبر التحكم بالجينات التي تكون الحليب في الماعز يمكّن من إنتاج موسع ورخيص؛ كما يحل، ولو جزئيا، الإشكال الديني (...). أسمى الإسرائيليون ماعزهم ب»جيدي« تيمناً بالسلالة المميزة الجيدية التي قدمها المخرج السينمائي جورج لوكاس في ثلاثية أفلام »حرب النجوم«، لكن تدخلاً وراثياً في فأر ربما أدى إلى التذكير بأفلام المسوخ والمخلوقات العجيبة. ونجح علماء »نقل الجينات« في المركز الطبي لجامعة ماساشوستس (1996) من إنتاج أذن بشرية كاملة تحت جلد فأر. لقد مزجوا مواد بيولوجية قابلة للامتصاص التدريجي مع الخلايا التي تصنع الغضاريف في الفأر بعد أن تم تعديل جيناتها لتماثل تركيب غضاريف البشر ثم جعلوا المزيج في قالب على هيئة الأذن الإنسانية. جسم الفأر امتص المواد البيولوجية ببطء وفي الوقت عينه كانت خلاياه المعدلة جينيا تنتج غضاريف بشرية وتنسجها على شكل القالب، أي في الهيئة البشرية. ماذا تسمّي فأراً له أذن إنسانية؟ أهو اختراع أم مسخ؟؟ ماذا عن الحيوانات التي يتمازج في تركيبها الجيني الحيواني بالإنساني؟ هل تتطور حسب ما نعرف من قوانين النشوء والارتقاء أم أنها ستأخذ مسارا لها مستقلا؟؟ هل ستحقق قفزات وطفرات في التطور؟؟ أي شكل سيكون لها بل أي هوية وماهية؟؟ لندفع بالأمر قليلاً الى الأمام. الرياضة هي صنو الطب في علاقتها بالجسم الإنساني. خلال القرن الحالي، أضحت الرياضة وأدواتها ومنتجاتها سوقاً ضخمة مليارية الأبعاد، بفعل عدة عوامل منها امتزاج الرياضة بالسياسة والاعلام والشركات. بروز الاتجاه نحو العولمة الاقتصادية على المستوى الدولي والخصخصة في الاقتصاديات الوطنية المحلية، فتح المزيد من الآفاق أمام الشركات المهتمة بالرياضة والرياضيين مثل اديداس وريبوك ونايك وغيرها؛ ومع تزايد مجال الاستثمار ارتفعت حدة التنافس بين الشركات الى حد لم يسبق له مثيل. لا ريب في أن رياضياً مرموقاً ترعاه شركة ما (كأديداس) يركض أو يلاكم في المضمار أو الحلبة ويحرز لبلاده ميدالية ذهبية أو كأس بطولة، سيضحي موضع انتماء وطني، وستكون له القدرة على الترويج لمنتجات الشركات، كمثل ما فعل روني صيقلي لاعب كرة السلة الأميركي اللبناني الأصل خلال الصيف الفائت. حدة المنافسة وسعة الربح ستدفعان الشركات الى شراء الأبطال والتعاقد معهم واحتكارهم وكذلك الأمر مع نوادي كرة القدم. وقد لا يكفي ذلك، إذ لا بد من إحراز قصب السبق. كيف ستؤمن الشركات فوز أبطالها ونواديها؟؟ حتى الآن شهدنا رياضيين يستعملون المنشطات والعقاقير للتفوق. ماذا لو أدى تزايد تدخل الشركات في الرياضة الى استعمال الهندسة الوراثية والتحكم بالجينات مثلاً كوسيلة لتأمين الربح؟ ماذا لو لجأت إلى التدخل في التركيب الوراثي للإنسان وعبر علم كعلم »نقل الجينات« مثلاً لدفع الأمور في سياق معاكس لما كانه الى اليوم، أي إدخال جينات حيوانية على التركيب الجيني للإنسان لكي يعطي قدرات متميزة في الأداء الجسدي؟ كيف سننظر إلى رياضي لرجليه عضلات لها تركيب يشابه ما للفهد الأبيض لشيتا، أسرع كائنات الأرض جرياً من تركيب عضلي وقوة هائلة؟ أهو رياضي مبرِّز أم اختراق علمي، أم يكون قنطورس القرن الحادي والعشرين؟ استنساخ دوللي: ما هو الجديد تقنياً؟ ما هي الأسئلة المقلقة؟ برغم دأب علماء البيولوجيا الحيوانية على استعمال الاستنساخ، فإن التقنية التي طبّقها ايان ويلموث وفريقه في مختبرات مؤسسة روزنتال كانت ثورية حقا. إنها المرة الأولى التي ينجح فيها النسخ انطلاقا من خلية بالغة في الجسم. في التفاصيل نشير أولاً إلى أن الجسم (في عموم فصائل الثدييات، ومن بينها الإنسان) تحتوي خلاياه كلها على 23 زوجاً كروموزومياً أي ما مجموعه 46 كروموزوماً. أما الخلايا الأولية الجنسية البويضة والحيوان المنوي فيحتوي كل منها على نصف هذا العدد، فقط 23 كروموزوماً، ولدى اتحادهما تمتزج المواد الجينية في البويضة الملقحة من حيوان منوي ويصل العدد الى 23 زوجاً (أي 46 كروموزوماً) وتشرع في التكاثر. الفارق الأول، إذاً، بين الخلايا البالغة الجسمية والخلايا الأولية هو فارق عددي. الفوارق الأهم تتأتى من الوظائف. البويضة والحيوان المنوي عملهما الأساسي هو التلاقح والتكاثر؛ أما الخلايا الجسمية فلها وظائف محددة وتمتد زمنياً على مدى عمر الإنسان وصولاً إلى موته. فبعد المرحلة الأولية من التكاثر التي تلي التلقيح، تكون خلايا الجنين كلها متشابهة، ثم تأخذ الخلايا في التمايز Differntiation: هذه ستكون يداً، تلك ستشكل عيناً، وهاتيك لساناً.. إلخ، وهكذا إلى أن تتم »صياغة« الجسم البشري كله (الطفل الوليد مثلاً). بعد الولادة تستمر الخلايا الجسمية في أداء مهام محددة: خلايا العظم ستصل به الى طول معين، وخلايا الغدد الجنسية ستعمل في سنة محددة لتنضج أعضاء جنسية، وستتضاءل قابلية الشعر للتلون في عمر معين، ثم تشيب.. الخ. إنها عملية دينامية لا تتوقف عن أداء المهام الوظيفية المعينة لكل خلية بعينها. لكن كل الخلايا، وفي كل لحظة، تحتوي على عدد الكروموزومات نفسه وعلى التركيب الجيني نفسه. لكن تخصص الوظائف المتمايزة يؤثر في وظائف الجينات وعلاقاتها بعضها ببعض؛ فالجينات المختصة بالوظيفة المحددة تغدو لها اليد الطولى في العمل، أما باقي الجينات فكأنها »تطوى« و»تلف«. المهمة الأعقد أمام فريق ويلموث كانت في تجاوز وقائع التمايز المستقر زمنياً في الخلايا الجسمية البالغة. قبل دوللي كان شبه الإجماع العلمي منعقد على استحالة القيام بهذه المهمة التي تبدو وكأنها إقلاع بالخلايا عكس الزمن. الحل جاء من د. كامبل زميل ايان ويلموث الذي قام »بتجويع« الخلايا بوضعها في محلول حاو للحد الأدنى من الغذاء، فكان أن علَّقت الخلايا البالغة مجمل نشاطاتها وكأنها هدأت أو همدت؛ أما الجينات المطوية فكأنها أوقظت وعاد التركيب الجيني الى ما يشابه المراحل الأولى (الجنينية) التي تعقب التلقيح. الفريق الذي استنسخ دوللي لا يعرف وربما لا أحد يعرف راهنا أثر هذه »العودة« على علاقات وظائف الجينات بعضها ببعض، حتى الأساس العلمي لمعرفة التداخل الدقيق للجينات اثر عمليات كتلك غير متوافر هنا، أقله في ما هو شائع (...) لكن الفريق نجح في أخذ هذه الخلية البالغة بعد هجوعها وأدخلها الى البويضة التي أفرغت من نواتها وموادها الجينية؛ ثم بواسطة صعقات من تيار كهربائي خفيف (ألا يذكّر هذا سينمائياً باستعمال د. فرانكشتاين صعقات الكهرباء؛ التي خالها سر الحياة؛ في »إحياء« أجساد ممسوخة؟)، دُمجت الخلايا ونُشِّطت. خيارالخلود النتيجة كانت الحصول على خلية »موحَّدة« كل موادها الجينية متأتية من خلية بالغة واحدة وتحمل التركيب والصفات للكائن الذي تنتمي إليه: أم دوللي (نعجة فان دورست)، فجاء الكائن النسخة مطابقا جينيا للكائن الأصل. عمل مذهل، لكنه ليس السحر، وأسباب الفرح قليلة، قليلة. مرة أخرى يبدو العلم وكأنه بصدد وسيلة جبارة، لكن تنقصه المعرفة اللازمة للسيطرة ولفهم الآليات التي تسبر غورها. نتذكر فوراً القنبلة الذرية: تمكن العلماء النوويون من إطلاق الطاقة الهائلة من الذرة، لكن المعرفة العلمية اللازمة للسيطرة على الطاقة كانت وما زالت ناقصة؛ وليس ذلك إطلاقاً للإغماط من شأن الجهد الدؤوب والخرافي الساعي لمثل هذه السيطرة. لكن ذكرى تشيرنوبيل »لا بل القنابل الذرية في هيروشيما وناغازاكي« ما زالت مؤرقة: حتى الاستخدام السلمي الأبسط للطاقة الذرية ما زال محفوفاً بالمخاطر المروّعة. الآليات الفعلية التي مكّنت فريق ويلموث من إحداث تغيير في التركيب الجيني لخلية بالغة واستخدامها في الاستنساخ ليست معروفة تماماً. العلم يطلق قوى ويفتح آفاقاً يجهل كيفياتها الفعلية وماهياتها، أفلا يجعل ذلك حقيقة سوء استخدام الإنجاز العلمي أقرب إلينا من تطويعه في مسار التقدم الإنساني؟ الأرجح انه كلما زادت الآفاق التي يفتتحها الانجاز العلمي صار النقص في المعرفة أكثر خطورة. في حالة الاستنساخ الجيني، الآفاق مفتوحة تكاد تلامس حد الأسطوري؛ »الفجوة« هنا هائلة والتباين مذهل؛ وربما فسر ذلك (جزئياً فقط) مسارعة دول عريقة في العلم والبحث (كأميركا وأوروبا) إلى محاولة فرض القيود على نقل التقنية الاستنساخية الى البشر؛ برغم الشكوك العميقة حول فاعلية هذا التصرف (...). الفجوة عميقة: خلية بالغة ذات تركيب محدد ووظيفة معينة؛ تحتوي على جمع من الجينات الفاعلة المسيطرة لعلاقتها بالتركيب والوظيفة وعلى حشد من الآلاف المؤلفة من الجينات المطوية طياً. تؤخذ الخلية البالغة وتدخل في هجوع، فإذا بما كان مطوياً يصبح منتشراً، من دون أن نعرف ماهية الإملاءات العميقة لهذه العملية. ما هو العمر الفعلي لدوللي؟ أهي في سن أمها أم في سنها هي الزمني؟ ماذا يحدد العمر الجيني؟ ماذا يحدد الموت الجيني أيضا؟ إذا أخذت خلية من عظم ميت أو لحم مومياء مثلاً، هل تصلح للاستنساخ أم أن أمر الموت الجيني سيكتشف لاحقا؟ (كما اكتشف مثلاً الفارق بين الموت الجسدي والموت على مستوى بعض الأعضاء وكذلك الأمر تأخر الموت الخليوي؟ وهو ما يمكننا حالياً من استخدام بعض أعضاء الموتى كالقرنية مثلاً). الى أن تكتمل المعرفة بالوظائف التفصيلية الدقيقة للجينات البشرية بعد التوصل إلى معرفة »خارطتها« التركيبية، وهذا هو المتوقع خلال عقد أو عقدين ونصف من الزمن كم من العلماء سيلجأ إلى تجارب وتجارب؛ بعضها قد يتم بدعوى.. المعرفة نفسها؟ إذا استنسخنا إنساناً فمن يكون »هو« ومن يكون »الآخر« الذي هو إياه؟ هل ننسخ العقل والمعرفة والسلوك والعواطف وردود الفعل إذا استنسخنا الدماغ، وكيف إذا فعلنا ذلك بتقنية لا تدرك آثارها الكاملة ولا آليات عملها؟؟ ماذا لو تعطلت في مسار نسخ ما بعض الجينات أو تشوّشت ونمت أعضاء في غير مواضعها أو بغير عددها أو بغير شكلها ومواصفاتها؟ ماذا لو حدثت طفرات مفاجئة أو زادت نسبة الطفرات باستخدام الوسائل الاستنساخية؟ الإنسان، وعموم الكائنات، مجرَّبٌ تركيبها الجيني في علاقته بالبيئة وبباقي منتجات الأرض ومخلوقاتها، لكن كيف ستتفاعل »النسخ« مع أرضها وكونها؟؟ لا أحد يعرف إذا كانت دوللي مرشحة للشيخوخة قبل أمها ولا إذا كانت أكثر أو أقل عرضة للأمراض؛ لكن الاحتمالات فتحت وبدت هاوية لا يدرك قاعها. ليس خوفاً، لكن الحذر والتحوط هما صفتان أساسيتان للعلوم وأبحاثها؛ أما حافزها الفعلي فهو مزيج من النباهة وقيم الجرأة والثقة بالإنسان. هل نختتم بحديث أقل تشاؤماً ولو بدا خيالاً علمياً لا نقاشاً حول تجربة علمية. لنتصور إذاً مركبة فضائية تستعمل طاقة نووية تمت السيطرة عليها، لا تحمل رواداً بل يقودها إنسان آلي متطور محوسب ليصل بها الى كوكب مناسب في مجرة نائية. هناك يستخرج خلايا للاستنساخ ويضعها في آلات تحتوي على سوائل مناسبة، ثم ينطلق أشباهنا ليستقروا في ما يشبه الأرض، التي ربما تكون حينها قد اندثرت أو على وشك أن تندثر. أتكون نسخة كونية للحضارة الإنسانية؟ أم أنه خيال الخلود؟