يبدو من التطورات الأخيرة ان السلطة الفلسطينية وافقت على المشروع الأميركي الذي تحدثت عنه الصحف الاسرائيلية امس الاول لتسوية الأزمة الحالية بشأن إقامة المستوطنة في جبل ابو غنيم في القدس الشرقية. وكانت الصحف قد ذكرت ان الولايات المتحدة اقترحت ان يكون مشروع مستوطنة هار حوما في جبل أبو غنيم الأخير الذي يقوم به الاسرائيليون في القدس المحتلة قبل التسوية النهائية، وان يتجنب الفلسطينيون بالمقابل القيام باحتجاجات عنيفة ضد مشروع المستوطنة. وربما جاءت في هذا السياق، دعوة رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات، الفلسطينيين الى تجنب العنف، وذلك في الوقت الذي بدأت فيه الجرافات الاسرائيلية العمل في مستوطنة جبل ابو غنيم. وسواء تجاوب الفلسطينيون مع دعوة عرفات او لا، فإنه يكون بدعوته هذه قد استجاب للجانب المتعلق به من المشروع الاميركي، خاصة ان أجهزة الأمن الفلسطينية باشرت منذ اليوم الاول للإعلان عن المشروع الاستيطاني ببذل كل جهودها وطاقاتها لمنع اي احتجاجات عنيفة، تحت دافع الخوف من ان يؤدي العنف الى انفجار، يفسح في المجال امام الحكومة الاسرائيلية لتوجيه ضربة قاضية الى اتفاقات اوسلو، وبالتالي الى نظام الحكم الذاتي. لكن بالمقابل، فإن من المستبعد ان تتعهد حكومة بنيامين نتنياهو وهي في وضعها الحالي، وفي موقع القوة، بأن يكون المشروع الاستيطاني في جبل ابو غنيم الأخير قبل الاتفاق على الوضع النهائي، خاصة انها لا تعترف بأن هذا المشروع هو مشروع استيطاني، ولا تعترف بان اتفاقات اوسلو تفرض قيودا على حركتها في القدس، كما انها تعمل على تأجيل مفاوضات الوضع النهائي الى ابعد موعد ممكن. وبالتالي، فإن ما جرى حتى الآن هو تراجع فلسطيني كامل، وإن بغطاء اميركي دبلوماسي، في مقابل بعض اللمسات الاسرائيلية والاشارات تجاه زعيم السلطة الفلسطينية شخصيا، ومنها اتصال بنيامين نتنياهو به، والسماح له ولأسرته ومرافقيه بالهبوط بالطائرة في مطار غزة الذي تحول اسرائيل دون افتتاحه منذ ستة اشهر، مشترطة إشرافا كاملا عليه من الناحية الامنية. وكان الملك حسين قد اعتبر مسألة استخدام عرفات لمطار غزة مسألة خلاف أساسية بينه وبين نتنياهو في رسالة العتاب والنقد التي وجهها اليه مؤخرا، قبل هجوم الباقورة وزيارة »اللوعة والأسى« الى اسرائيل التي قام بها بعد الهجوم. أشد ما يؤلم في هذا التراجع الواضح من جانب السلطة الفلسطينية، انه جاء في وقت تشتد فيه تحركات الدعم السياسي دوليا وعربيا للفلسطينيين، وتتزايد فيه حدة الانتقادات للمواقف الاسرائيلية وللاجراءات الاستيطانية في القدس، وهو ما يجعل الهزيمة في المواجهة بشأن جبل ابو غنيم متعددة المظاهر والتأثيرات والانعكاسات، خاصة ان التراجع جاء من دون اي مقابل مضمون، اللهم إلا مسألة السماح لعرفات باستخدام مطاره في غزة.. غسان مكحل