As Safir Logo
المصدر:

الشمس تحتضر يليه إحتضان العالم(ترجمة إلياس حنا إلياس،راجعه محمد علي شمس الدين)

المؤلف: اللعبي عبد اللطيف التاريخ: 1997-03-19 رقم العدد:7646

ينادي عبد اللطيف اللعبي اليأس ب»يا ولدي المُعاق«، ثم يمتدحه، بل يندرج في جسده، والغذاء الذي يحمله الى فمه (اي فم اليأس)، يكون قد انتزعه اللعبي من لحمه. ولم أجد من يشفّ في يأسه كاللعبي، حتى ليكاد يكون هو عينه رجاءه. من عطشه يجترح الماء، ويحفظ اليقظة، ويمشي به كعكّاز. ورؤية اللعبي في »الشمس تحتضر يليه احتضان العالم«، بل رؤياه، مستنفرة كمخلب، ولكنها سوداء كمنقار غراب. يخطّ هذا (المنقار الشاعر) طرفه في ما يشبه جهنم، وينقر على جلد الأرض نقراته العصبية، كسجين لا خارج القشرة، بل داخلها، في اشارات منه لعدم احتمال العالم. ويمشي في الحياة محتملا الموت. الحياة التي هي شمس معطوبة، محتضرة، مجرد »اختلاجة بشرية« و»فكرة تشيب«. والشمس (في القصيدة)، وهي حبل السرة بين السماء والارض، مقطوعة كحبل مقطوع، فماذا سيبقى لنا اذاً من هذا التاريخ الهاذي، وليد احتكاك السماء بالارض، سوى بقع ورقوش؟ انها القبور. احتضار الشمس وبمثل هذا التدفق السفلي الى أعلى، يصف اللعبي وقائع احتضار الشمس وكأنه ينقل مشاهد يوم القيامة. بل هو يسميه »يوم الحشْر« الذي يسبقه دمار كل شيء. خصوصا الاحلام البشرية، اذ »الكلاب وحدها تحلم«. ويوم احتضار الشمس او يوم القيامة، ليس يوما استثنائيا واخيرا في حياة اللعبي. انه يومه الاعتيادي، بل كل يوم. فهو لا يشهد نهاية اليأس بل استمراره. وحتى »الاضراب عن الحياة« لا يؤدي للموت، بل لتكرار القسوة، وادمان الكائن البشري على تحملها، كمعذب في زنزانة، »لا يموت فيها ولا يحيا«، بالصورة القرآنية لمنتهى عذاب الكائن الملعون. وما يزيد في مشهد اللعبي، سعي الكائن وطلبه لهذه المازوشية.. »يلزمنا عطش مجهول/ يتملك منا الأحشاء/ يلزمنا عرْيٌ/ يعجز حتى الجلد عن اخفائه«. كل ذلك من اجل ماذا؟ من اجل اكتشاف الخدعة. وما هي الخدعة؟ الحياة بذاتها. ولا شك في ان ما اعتمل في نفس الشاعر من يأس عظيم، هو الذي قاده الى هذه الرؤية التدميرية. لَكأنه شاهد على مسخ الكائنات. وشريطه شريط تتوالى فيه المشاهد، بل تتزاحم، على مسرح الرعب هذا، فمن »طفل« يبتعد ساحباً خلفه صندوقه الخشبي الصغير (لعبته) ولا يدري أهي مهده ام لحده«؟ الى »سيجارة تم تدخينها بلا أدنى انتباه«، الى ضحكة جافة معلّقة متخلّفة عن موعدها... الى ما هنالك من مشاهد الجحيم. والجحيم هذا يبنغي التأقلم فيه. مؤاخاته، تعلّم العيش »مع الغانيات المقدسات/ مع قاذفي اللعنة الوأوائين/ الاولياء المصابين بانحصار القَذْف/ مع النمل المفترس/ الذي لم ينجح في غوايته حتى الشيطان/... الآلهة الذين افتروا علينا بتهمة الوجود...«. ولم اجد ما يشبه اللعبي في كابوسيته وتدميريته، سوى لوتريامون في »أناشيد مالدورور«، المرتبط عرقه بالمركيز دي ساد. الا ان اللعبي، بخلاف لوتريامون والمركيز دي ساد، يكتم إلحاده، ويكتفي بهجاء الوجود، وكشف عورة الكائنات... ولا ارتعاشة رضى صغيرة في الجفن لتظهر، ولا ذبذبة حب، كلسعة، في القلب، لتكسر هذا اليأس الجاثم والمقيم. هذه هي قصيدة »الشمس تحتضر« للّعبي. أسئلة حارقة وهو يتابع، في القصيدة التالية »مدح الهزيمة«، هذه المطاردة الملعونة. وهو ذاته يتحرك في القصيدة، وفي سائر القصائد كانسان مطارد، بل مرتعب، مدمّر ويائس. فاللّعبي، خرّيج عشرين سنة من السجن في زنزانات بلاده (المغرب) خرج من هذه الزنزانات (الصغيرة) ليكتشف ان العالم كله زنزانة اشد وطأة عليه من الاولى. »زنزانتي أكثر رأفةً بي«، يقول. والكافكاوية، بل النكهة الانتحارية، لأشعاره، هي امتداد لهذا النهر الاسود المتدفق في صدره من أعماق حبس السلطة السياسية الى اعماق حبس سلطة الوجود التي يحسبها اكثر قسوة. فإذا كانت العين قد أطفئت داخل السجن، فلن تفرحها الشمس خارج السجن. وناب الجلاد في الزنزانة سيمتد الى خارجها، يكبر، يتشعب يتحول الى هوْل. هول مضحك »ليقُمْ جدار القهقهة« كما يقول. واسئلة حارقة تكتنفه (خارج داخل) حبسه: حول بشاعة السلام. حول »بابل« التي »هدمت بابل«. حول الشجرة التي »تكذب«. حول المارة الغير مؤكّدي العيون. حول »تهديد الغيوم«. حول »الخوف من الحياة« الذي »ازاح الخوف من الموت«... الخ. وكل شيء يقوده الى »الاستقالة من الجنس البشري«. لكن، هذه »الاستقالة« وهي حل مفترض له ممنوعة عليه. فهو، امعانا منه في تعذيب الذات، يصرخ »أنا طريدة نفسي«. وتراه اخيرا، ككائن متفجّر في شعره وحساسيته يحترق هكذا، وهو واقف على كوكب مختنق بلا حب. »متقمّصاً جلد كلب او كلبة«. واللّعبي، يبحث احيانا، عن ثغرة ما، فسخ ما، في جدار زنزانته وروحه. لكأنه يحاول ان يخربش على الجدران الصلبة بأظافره. تسيل دماء على الجدران ويعزّ الضوء، ويتمنّع. وحين يظهر منه بصيص، يظهر ملتبسا بل متواريا. وصحيح انه ينادي بلاده بالحنجرة المرة المعذبة »يا مَغرباً...« لكنه ينادي ايضا جميع البلاد بالعذاب اياه. لكن: أليس في شيء ما، في زاوية ما، في حب ما، خيط رجاء او خلاص لهذا الكائن المعذّب والملتف بأحابيله؟ نسأل. ونجيب: لعل الحب في قصيدة »وحدة الحب« هو هذا الخيط من الخلاص. واذ نمضي في قصيدة »وحدة الحب«، على مركب، في نهر، في دغل، على رجاء بعض الراحة بعد التعب، نجد ثمة شيئا ما، ملمساً من رأفة بشرية. »قالت: »حلمتُ«/ »اعرف« »قال الآخر«. فالتقاط حلم الحبيبة يشيع الكهرباء في سلك الحياة بالحب. والشاعر اذ يعرف التداخل، او يكتشفه، يضع اصبعه مباشرة على سبب من اسباب الحياة... ولكنْ، لا نبالغ كثيرا، وذلك بأن نسمي الحياة باللاموت. وهو بصيص من امل شبيه بسجناء يتعارفون بالدقات المشتركة على جدران زنازينهم. ويبدأ اللعبي في هذه القصيدة بأن يقترب اكثر من الآخرين، ويصبح اكثر جمالا وحسية. وهو، وان ظهر بمظهر قديس وداعر معا، وبنكهة من عدمية لا تفارقه، إلا انه يحتفل اكثر فأكثر بتأملاته الصغيرة، ويتغلغل في التفاصيل، يستنطقها، يغامزها ويغايرها ايضا. وبهذا الاصغاء المتبادل بينه وبين الحبيب، وبينه وبين الكائنات والاشياء، يغدو اقل التباسا واقل اكتئابا، وان بقي ملتبسا وكئيبا. وفي هذه القصيدة الجميلة المقسّمة الى مقاطع صغيرة، وجمل مختزلة، تراه وكأنه يكتب اصداء سيرة ذاتية، وكثيرا ما ذكّرني بنجيب محفوظ في اجمل ما كتبه في حياته »اصداء السيرة الذاتية«. وبهذا الخيط من البهجة، ولو ضئيلا، يقول »لنا الحق في عمر آخر«. وبالصفاء المتبادل اياه، يقول: »اذا اصغينا فعلا الى الموسيقى/ تصغي الموسيقى إلينا«. وهكذا، يقرأ اللعبي الاشياء الكبيرة والصغيرة، هنا، »بعين ثالثة« كما يقول، حتى اذا عاد، في نهاية القصيدة، فغلبه اليأس، كما هو طبعه ومزاجه، بعد ان وجد انه »ما من بوصلة تهدي الى الحب«، انسحب من الارض، هذه المرة، بعد ان اعتذر لها، »على اطراف الأصابع«. صوت مثلوم في القسم الثاني من المجموعة، المعنون ب»احتضان العالم«، خطاب عذب، للحب، يبدأه الشاعر بجملة »انظري يا حبي الى هذا العالم«. ثم مباشرة يدخل الخوف. فوصف العالم هو »... الذي يتداعى فينا«. وتكرّ سبحة الخوف او »الانهيارات« تبعا لعنوان القصيدة. »فالنجوم موبوءة« وغيمة الافكار »سامّة«. وهو اذا يبتدئ بالحب، بطرف منه، ما يلبث ان ينقضّ عليه مثل »قافلة تلتهم جمالها« كما يقول. ويستعيد كابوسيته ويأسه الاصيل اللامع كسيف البرق. فهو، في ما يشبه نشيد حب معتكر وجذاب يسوق أهجية متصلة للعالم. العالم الفاسد كبيضة فاسدة. الكلمة الملونة هي الكلمة. وهو ايضا، كطفل لم يحظَ ابداً بالهدهدة، يكتب بالشغف الاعظم للحنان. وكصوت اكثر انخفاضا وعمقا، ينجدل على تجربة هائلة في الحب واليأس والرجاء، ويكتب لها هنا مطوّلته الانشادية المتشابكة. حيث دخل الحب في الموت، والموت في الحياة، والرجاء في اليأس، والحب في الكلمة. ويتبادل كل اسم »دوره واسمه مع الآخر. يبدأ بنداء »يا حبي«، وينتهي بنداء »يا كلمتي، يا مرعبتي«. وكسندان تدقّ عليه غابة من المطارق، تراه يرنّ في كل الاتجاهات. وهذا الصوت المثلوم، او الرنين المتشعّب، يستمر في قصيدته »يد واحدة لا تكفي للكتابة«. وهي مقاطع صغيرة عن العذاب، والظلمات وغبطة الظلمات، وفرار الموتى من الارض، واليأس، وسقوط الثواني من الساعة كحصى، ورحلة القطار (الحياة) وفتنة التأمل والكتابة. وتحس كأن اللعبي، حين يكتب اشعاره، يلم حياته كفتات من تحت طاولة الوجود، ليعيدها الى مقامها، »ويضعها في الشق العالي«، كما يقول. محمد علي شمس الدين * الجمل بين مزدوجين، والابيات، مستمدة، حرفا او معنى، من الديوان.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة