لم يكن قائد الجيش الاسبق العماد اميل بستاني مجرد قائد عسكري للقوات المسلحة اللبنانية، لا في النظرة إلى ما يتصل بالمرحلة السياسية والعسكرية محليا وإقليميا ودوليا التي تولى فيها هذه المهمة، ولا في ما يتصل بطبيعة التغيرات الجذرية التي شهدتها المنطقة ولبنان في تلك المرحلة، وكانت انقلابية وبعيدة المدى، ولا خصوصا في ما يتصل بهوية الشخص نفسه وطموحاته السياسية. اذ فضلا عن ارتباط اسم العماد اميل بستاني ب»اتفاق القاهرة« بين لبنان والعمل الفدائي الفلسطيني، وهو ما طبع التاريخ اللبناني الحديث على امتداد السبعينيات والثمانينيات بطابعه، فقد عايش حرب فلسطين العام 1948 عن قرب واشترك فيها كضابط »لوجستي«، كما تفاعل مع الانقلابات العسكرية في سوريا، وكانت له علاقات شخصية مع بعض قادتها، اضافة الى انه كان احد شهود المحاولات الانقلابية في لبنان، وآخرها كانت محاولة الحزب القومي السوري في العام 1961، كما كان جزءا من العهد الشهابي وسلطة »المكتب الثاني«، وصولا الى معايشته »الانقلاب« التدريجي البطيء عليه في عهد الرئيس الاسبق شارل حلو وانتهاءً ب»الانقلاب« الكامل الذي اسقطه ب»نصف صوت« في المجلس النيابي ثم عمد الى ملاحقة رموزه السياسية والعسكرية وإحالتهم الى المحاكمة في عهد الرئيس سليمان فرنجية. لكن الأهم من ذلك كله ان العماد بستاني هو أول قائد للجيش اللبناني يكتب مذكراته التي تقع في اكثر من ألف صفحة فولسكاب، والتي تنشر »السفير« بدءا من اليوم فصولا مختارة منها، بما تعنيه هذه المذكرات من كشف للكثير من الأسرار والوقائع والحقائق غير المعروفة للرأي العام، او المطموسة بقرار، والتي حفلت بها تلك المرحلة البالغة الاهمية من تاريخ لبنان والمنطقة: ثورة العام 1958 ضد الرئيس كميل شمعون، والانزال العسكري الاميركي على شواطئ لبنان، ودور الموفد الاميركي روبرت مورفي الذي جاء مع الانزال وعمل على »احتواء« سقوط بغداد الهاشمية وحلفها الاميركي في المنطقة، وكذلك في ايجاد »المخرج اللائق« لشمعون من القصر الجمهوري وانتخاب الرئيس فؤاد شهاب خلفاً له، وصولا الى انشاء »القيادة العربية الموحدة« وتسليح الجيش اللبناني برادار متطور وبطائرات »الميراج« الحديثة وبصواريخ »الكروتال« وقد تحول هذان السلاحان الاخيران الى فضيحتين في فترة لاحقة وبدء مرحلة العمل الفدائي الفلسطيني وسط انقسام سياسي لبناني أدى الى اعتكاف على مدى ستة شهور للرئيس الشهيد رشيد كرامي (الذي تجري حاليا محاكمة مدبري اغتياله) وتدخل شخصي من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر لوقف دورة الدم وبالتالي لعقد »اتفاق القاهرة« الشهير. ومع الموافقة شبه العلنية للرئيس حلو على الاتفاق، ثم »الملاحظات« المضمرة عليه، فالحلقات تتحدث بالتفصيل عما ادى اليه الاتفاق من انقسام سياسي في البلاد من ناحية ومن تربص من ناحية اخرى بصاحب التوقيع عليه منفردا بعد ان تخلى عنه الآخرون (العماد بستاني)، مرورا بقرار حلو »إنهاء« خدمته على رأس المؤسسة العسكرية وتدشين فرنجية في الفترة نفسها بدء عصر الميليشيات المسيحية المسلحة، ثم في فترة لاحقة إشهار سيف »محاكمته« (أي بستاني) في ردهات مجلس النواب وأمام القضاء، وصولا الى هروبه نتيجة لذلك الى داخل اسوار بكركي على امتداد عشرة ايام ثم الى خارج الحدود، والى سوريا بالذات، على امتداد اربع سنوات كاملة. إن تاريخ لبنان كله، منذ ما قبل الاستقلال وطبعا في ما بعده، تميز دائما بأهمية بالغة بسبب المفارقات السياسية المحلية والتدخلات الخارجية والاقليمية فيه، إلا ان تاريخ المرحلة التي تشملها مذكرات العماد بستاني كانت الاكثر أهمية في هذا التاريخ على الاطلاق، بل والاكثر خطورة على لبنان وعلى الكيان، ليس انطلاقا من قضية فلسطين التي قلبت المنطقة رأسا على عقب فقط، وإنما ايضا وبشكل اساسي نتيجة للبركان الذي فجرته تلك الكارثة على امتداد الارض العربية والذي لم تهدأ حممه عن التقاذف حتى الآن. وإذا كان العالم العربي ما يزال يهتز حتى الآن تحت وطأة الكارثة برغم مرور خمسين عاما على وقوعها، فلم يكن اهتزاز لبنان العنيف قبل حرب السنوات السبع عشرة وفي أثنائها وحتى بعدها، إلا ترجيع صدى للكارثة وللبركان الذي فجرته. وبالنسبة للقارئ المخضرم، وحتى لأصحاب الاهتمامات السياسية وللدارسين وحتى لجيل »الضياع السياسي« في لبنان حاليا، فإن جزءا كبيرا من اسرار تلك المرحلة وخفاياها وخباياها موجود في المذكرات، وإن يكن العماد بستاني يروي تاريخ تلك المرحلة من وجهة نظره الشخصية. وفيها يتحدث العماد بستاني عن علاقاته او عن ادوار شخصيات مثل بشارة الخوري وكميل شمعون وفؤاد شهاب وشارل حلو والياس سركيس وسليمان فرنجية، ومثل رياض الصلح وعبد الله اليافي ورشيد كرامي، ومثل البطريرك المعوشي وريمون اده وبيار الجميل وفيليب تقلا وكمال جنبلاط وبهيج تقي الدين ورينيه معوض وتقي الدين الصلح وهنري فرعون وأحمد الاسعد وصبري حمادة وإميل مرشد البستاني وبطرس ديب والاب سمعان الدويهي، ومثل الرؤساء جمال عبد الناصر وحافظ الاسد وشكري القوتلي، ومثل ياسر عرفات ويوسف صايغ وخالد اليشرطي، ومثل القادة العسكريين الكبار سياسيا علي علي عامر وعبد المنعم رياض وعدنان المالكي، وعسكر الانقلابات امثال حسني الزعيم وأديب الشيشكلي، والدور السياسي الذي أُعطي لضباط كبار في الجيش اللبناني من امثال اسكندر غانم وجان نجيم ويوسف شميط وغابي لحود وجوني عبده وعادل شهاب وعبد القادر شهاب وغيرهم.. ومع ان بعضا من هؤلاء قد فارق الدنيا مع أسرار تلك المرحلة وذكرياته فيها، وما يزال البعض الآخر على قيد الحياة امد الله في اعمارهم جميعا ، فلعل مذكرات العماد بستاني التي تحمل عنوان »دفاتر الأيام« تشجعهم على قول كلمتهم في الموضوع، وربما تصحيح بعض الوقائع، وتساهم بالتالي في إلقاء المزيد من الاضواء على تلك المرحلة المهمة والخطيرة من تاريخ لبنان الحديث. و»السفير« التي تنشر الفصول المنتقاة من المذكرات وفق تسلسلها الزمني، بالتعاون مع »دار عواد للنشر« التي ستنشرها في كتاب تحت عنوان »دفاتر الأيام«، تؤكد استعدادها الكامل، بل ورغبتها العميقة والى ابعد الحدود، في أداء دورها المهني والسياسي بنشر وتعميم اية وقائع لم ترد في هذه الفصول. هنا الحلقة الاولى: أعاد انتهاء الحرب العالمية الثانية الى الواجهة مشكلة فلسطين التي ما تزال تبحث عن حل. وقد جاءت معطيات جديدة لتزيدها تعقيداً. فآلاف اليهود الذين نجوا من مخيمات الموت الالمانية ينتظرون في مخيمات أخرى ريثما يؤمن لهم ملجأ في »أرض الميعاد«. وقُدر عدد هؤلاء اليهود بمليون ونصف المليون من مختلف الجنسيات، وهم يعيشون بانتظار تلك اللحظة، وأخذ قسم منهم يتسلل خلسة الى فلسطين بطريقة غير مشروعة. الحالة على الأرض تتطور ووجه فلسطين العام 1945 طرأت عليه تغييرات عميقة. فاليهود، الذين كانوا يعدون 56 ألفاً العام 1917 (أي خمسة في المئة من سكان فلسطين)، ثم 80 ألفاً العام 1922، أصبح عددهم الآن 608 الآف مقابل أكثر من مليون عربي مسلم و250 ألفاً من المسيحيين العرب. وتل أبيب، التي كان عدد سكانها العام 1922 ألفي مواطن، أصبحت اليوم مدينة تضم 170 ألف مواطن. كما وصل في الفترة نفسها الى القدس 60 ألف لاجئ فضلاً عن اللاجئين غير الشرعيين الذين دخلوا خلسة ليقيموا مؤقتاً في مخيمات بريطانية. فالحركة الصهيونية لم تكن قادرة على تأمين استيطان اليهود في فلسطين ما لم تؤمن للوافدين الجدد مساحات اضافية من الأراضي، لا بل كان هاجسها تأمين فائض احتياطي من الأرض تحسباً للهجرات اليهودية الضخمة والمنتظرة في السنوات اللاحقة. فالأراضي التي تم شراؤها منذ العام 1920 استخدمت كلها منذ ذلك الحين، وأضيفت اليها مساحات أخرى على مراحل متتالية. وفضلاً عن مشكلة السكن، كان على المخططين الصهاينة حل مشكلة الري وانتاج الطاقة الكهربائية والانارة. ومنذ العام 1919 طالب صموئيل هلال اسحق بضم لبنان الى فلسطين للحصول على المياه اللبنانية وسد حاجات شمال فلسطين اليها. في العام 1945 لم يبقَ فائض من الأراضي لتأمين السكن ووسائل العيش لهذا السيل الهائل من الناجين من مخيمات الاعتقال النازية. كان الرأي العام الاميركي قد تأثر كثيراً بالضغوط التي مارستها الأوساط الصهيونية القوية والنافذة في الولايات المتحدة الاميركية، كما أن حكومة واشنطن، وعلى رأسها ترومان، أخذت تولي المسألة الفلسطينية اهتماماً مباشراً بما يتلاءم مع مصالح اليهود وطموحاتهم. صحيح أن تشرشل، تحت تأثير الوضع الجديد، كان قد وعد مراراً صديقه وايزمان بمساعدته على انشاء وطن لليهود بل دولة يهودية في فلسطين، الا أن حكومة لندن كانت تعتبر نفسها من جهة أخرى ملزمة ب»الكتاب الأبيض« الصادر العام 1939 والذي ينص على تنظيم الهجرة اليهودية وفق »كوتا« تحدد عدد المهاجرين الى فلسطين ب75 ألف مهاجر على امتداد فترة خمس سنوات، على أن يُحرّم بيع الأراضي الى اليهود الا بإذن خاص من المفوّض السامي البريطاني. فبريطانيا التي رأت خلال هذه الفترة أن مصالحها مع العالم العربي في تحسن مستمر لم يكن يسعها ان تغضب الجامعة العربية التي أنشئت حديثاً وبدت عازمة من الآن وصاعداً على الدفاع عن قضية فلسطين العربية، خصوصاً بعد أن بذل الممثلون البريطانيون أقصى طاقاتهم لترى هذه الجامعة النور. حزب العمال البريطاني المفارقة هنا في أن هذه المهمة الصعبة لن تقع على عاتق تشرشل، رجل الساعات الحرجة، بل على اخصامه السياسيين في حزب العمال. اذ سبق لمسؤولي هذا الحزب قبل تسلمهم مقاليد السلطة أن وقفوا الى جانب اليهود وتبنوا قضيتهم، من دون ان يدركوا حقيقة المستنقع الفلسطيني الذي وقعوا فيه، فالوعود التي قطعوها للصهاينة وعادوا الى تأكيدها مراراً، كانت تفوق بأشواط توقعات الصهاينة أنفسهم الذين كانوا لا يحلمون بالحصول عليها. أفلم تأتِ الانتخابات العامة صيف 1945 ب28 يهودياً الى مجلس العموم البريطاني، 26 من أصلهم هم أعضاء في حزب العمال؟! لذا، واثر هذه الانتخابات، عندما حل اتلي وبيغن محل تشرشل وايدن، رقص اليهود في شوارع تل أبيب، لأن فوز حزب العمال كان في الحقيقة فوزاً يهودياً! غير أن ذلك لم يكن سوى »حلم ليلة صيف«. اذ عندما جاء الزعماء الصهاينة يطالبونهم بإلغاء »الكتاب الأبيض« واعلان فلسطين بلد »كومنولث« يهودياً وفقاً لبرنامج (Biltmore) حاول العمال، الذين وصلوا الى الحكم، المراوغة فتبنوا موقفاً مبهماً وبعيداً كل البُعد عن الوعود البراقة التي اغدقوها في الأمس. فبدا واضحاً إذّاك، برغم الضغوط التي كانت تمارسها أميركا، أن لندن كانت تسعى لإبقاء فلسطين في وضع لا يرضى اليهود معه ولا العرب كذلك بل في وضع يحفظ مصالحها الخاصة في المنطقة. وفي مواجهة الضغوط الممارسة لمصلحة اليهود، كان المسؤولون البريطانيون يتذرعون بالأعمال الارهابية التي كان يرتبكها متطرفون يهود في فلسطين مما كان يعيق كل حل ملائم للقضية! في 13 تشرين الأول 1945، أعلن وزير الخارجية البريطانية بيغن أمام مجلس العموم عن انشاء لجنة تحقيق انكليزية اميركية مشتركة في فلسطين. وكان في تصوّر الحكومة العمالية ألا تكون فلسطين عربية أو يهودية بل تُوضع، بحسب تمني الوزير البريطاني، تحت وصاية انكليزية أميركية، على أن يبقى تحديد أمر الهجرة اليهودية الى فلسطين وفق التوصيات الواردة في »الكتاب الأبيض«. وسرعان ما ظهرت ردة الفعل الصهيونية على هذا القرار، فأعلن بن غوريون أن »سياسة بيغن هذه، لا تحرم اليهود من وطن قومي لهم وحسب، بل انها تعلن الحرب على الفكرة الصهيونية نفسها، وتحاول إقامة جدار بين اليهود والصهاينة متجاهلة مشكلة اليهود الأساسية: افتقارهم الى وطن«. وما كان من الادارة الصهيونية الا أن أصدرت أمرها سراً، بإنهاء مقاطعة المنظمتين الارهابيتين ارغون وشتيرن وضمهما الى منظمة الهاغاناه الرسمية لتكوين تجمع واسع هو »حركة المقاومة اليهودية«. وما لبث المقاومون الصهاينة أن فتحوا الحرب على مصراعيها ضد البريطانيين، ففجروا محطة اللدّ ومركز شرطة (Gribath Olga) وعدداً من الجسور. كما هاجموا كفار سركين وسارونا. ففي كفار سركين دمر المقاتلون التابعون لأرغون وشتيرن 34 طائرة هاليفاكس وهي على الأرض. وقد أذهلت هذه العملية الانكليز الذين دعوا بلسان اللورد (Winterton)، الى انعقاد جلسة لمجلس العموم والى فتح تحقيق صارم لكشف المسؤولين عن الاهمال الذي أتاح للارهابيين اليهود تنفيذ هذه الضربة القاسية ضد القوة البريطانية. ثم جاء دور سكك الحديد، فتعرض عدد منها لأعمال تخريبية ولا سيما سكة حديد حيفا. وفي 29 حزيران 1946، رد الانكليز مستهلين هجومهم بإعلان منع التجوّل والاحكام العرفية وإجراء العديد من الاعتقالات. وقد كان بين الموقوفين عدد من قادة »الوكالة اليهودية«، كموشي شاريت ودوف يوسف. ونجا بن غوريون الذي كان غائباً في أوروبا. كما اعتقل قادة منظمة الهاغاناه واحتل مبنى الوكالة اليهودية، ووضع الانكليز يدهم على جميع الوثائق التي كانت في داخله. لكن رئيس منظمة الارغون الارهابية مناحيم بيغن تمكن من الفرار والافلات من قبضة السلطات الانكليزية. وراح يفكر في توجيه ضربة انتقامية تمكنه من إتلاف هذه المستندات المهمة أو اخفائها أو استعادتها قبل أن تصل الى يد الاستخبارات البريطانية. كان عناصر الاستخبارات الانكليزية، الذين استولوا على الوكالة اليهودية ووثائقها، يقيمون جميعاً في فندق الملك داوود، وهنا تحدد هدف الضربة الانتقامية التي سيوجهها بيغن على رأس الارغون. وهكذا، في 22 تموز 1946، وفي تمام الساعة الثانية عشرة و37 دقيقة ظهراً، هز انفجار ضخم المدينة كلها. اذ فُجّر جناح فندق الملك داوود حيث كان يجتمع أفراد الاستخبارات التابعة لأمانة السر العامة للمفوضية البريطانية. فقضى تحت أنقاض المبنى المتهدم 94 قتيلاً، معظمهم من الانكليز وبعض المواطنين العرب واليهود، فضلاً عن عدد كبير من الجرحى. وقد وصفت إذاعة ال(B.B.C) البريطانية المبنى المفجر بأنه يبدو وكأن جناحاً كاملاً منه قد قطع بالسكين. وبعد فندق الملك داوود، جاء دور مبنى ضريبة الدخل الذي فُجر أيضاً الى جانب محطة القدس حيث أدخلت القنابل في حقائب. هنا وقعت البلبلة في صفوف الادارة الانكليزية التي وجدت نفسها عاجزة تماماً عن وقف الأعمال الارهابية. اذ كان كل اجراء تتخذه السلطات البريطانية ترد عليه منظمة ارغون بعمل أعنف. حتى بلغ الصراع بين الانكليز والارهابيين ذروته في مطلع 1947، عدما قام احد افراد ارغون بعملية حملت اسمه (Dave Gruner)، فاعتقل هذا الأخير مع ثلاثة من رفاقه وتم شنقهم في 16 نيسان 1947. وما كان من ارغون الا أن ألقت القبض على ضابطين بريطانيين وشنقتهما في 7 أيار من السنةنفسها. لجنة التحقيق في هذه الأجواء، افتتحت في (Flushing meadoues)، في 28 نيسان 1947 جلسة للأمم المتحدة استمرت شهراً كاملاً، كان خلاله نفوذ هذه المنظمة الدولية على المحك. فعُينت لجنة تحقيق مؤلفة من ممثلي بلدان اعتبرت غير منحازة: النمسا، كندا، تشيكوسلوفاكيا، غواتيمالا، الهند، هولندا، ايران، البيرو، السويد، الأوروغواي، ويوغوسلافيا السابقة. وفي فلسطين وجدت هذه اللجنة نفسها أمام موقفين مختلفين كلياً. فمن جهة كان العرب، بقيادة المفتي أمين الحسيني المقيم في القاهرة والذي عاد ليمسك بقرار الحركة القومية الفلسطينية، يرفضون رفضاً قاطعاً التفاوض، فيما اتخذ الصهاينة موقفاً معاكساً أي مرناً. وفي النهاية قدمت هذه اللجنة حلين الى الأمانة العامة للأمم المتحدة: فإما مشروع التقسيم أو مشروع دولة فدرالية يهودية عربية. اجتمع مجلس الأمن مجدداً في أول 1947، وقرر في 23 منه تأليف لجنة جديدة انحصرت مهمتها في الاعداد لجلسة الماقشة، وكلنا يدري أن هذه المناقشة هي امتحان للقوى العظمى التي سيكون دورها حاسماً في تبني القرار النهائي. جاء موقف الولايات المتحدة الأميركية واضحاً كل الوضوح: فترومان يؤيد انشاء دولة يهودية. أما الاتحاد السوفياتي فكان موقفه في البداية ملتبساً، اذ كان همه الأساسي افشال الانتداب البريطاني على فلسطين. وقد طالب المندوب السوفياتي غروميكو بادئ الأمر بدولة فلسطينية مستقلة يشترك فيها العرب واليهود. إلا أنه في النهاية سلّم بتقسيم فلسطين بين اليهود والعرب إذا ما تعذر انشاء دولة موحدة. أما العرب فاستمروا على موقفهم السلبي حيال اللجنة الجديدة. إذ رفضت اللجنة السياسية للجامعة العربية، المنعقدة في صوفر في لبنان بين 16 و19 أيلول 1947، تطبيق توصيات لجنة الأمم التحدة. لذا أعلنت بريطانيا في 26 أيلول 1947، على لسان (Greach Jones)، أمين سر وزارة المستعمرات، عن نيتها التخلي عن انتدابها والجلاء عن فلسطين في أول آب 1948. إلا أنها عادت وقدمت موعد هذا الاستحقاق الى 15 أيار 1948. في 29 تشرين الثاني 1947، اقترعت الجمعية العمومية للأمم المتحدة على الاقتراحين اللذين وضعتهما لجنتا التحقيق: دولة فدرالية او تقسيم. فكانت نتيجة الاقتراع تقسيم فلسطين الى دولتين: واحدة عربية وأخرى يهودية مع احتمال اقامة وحدة اقتصادية بينهما (القرار الرقم 18، المقطع الثاني). وأشارت اللجنة أخيراً الى أن الانتداب البريطاني على فلسطين ينتهي في الأول من آب 1948. (جرى تعديله الى 15 أيار) صوّت 33 بلداً لمصلحة هذا التقسيم، بينها الولايات المتحدة الاميركية والاتحاد السوفياتي وفرنسا. وامتنعت عشر دول عن التصويت بينها بريطانيا والصين، فيما اقترع ضد هذا المشروع 13 بلداً هي: مصر، العراق، لبنان، سوريا، اليمن، المملكة العربية السعودية، أفغانستان، ايران، باكستان، تركيا، الهند، كوبا واليونان. ليلة 29 تشرين الثاني خرج اليهود الى شوارع تل أبيب يرقصون ويهللون، فيما عم الاستياء والذهول مجمل الأراضي العربية من المحيط الى الخليج. وسارت التظاهرات في كل من دمشق وحلب والقاهرة وخصوصاً في فلسطين. ووقعت اعتداءات على المصالح الاميركية والسوفياتية أسفرت عن قتلى وجرحى. وبدورها رفضت منظمة ارغون هذا القرار معتبرة أن »تقسيم الوطن غير شرعي وأن اتفاقاً وقعت عليه منظمات وأشخاص، غير قانوني ولا يلزم الشعب اليهودي. فالقدس كانت وما تزال عاصمتنا. و»أرض اسرائيل« سوف تعاد الى شعب إسرائيل كاملة والى الأبد!«. أمام الإرادة العرب بالمقاومة، قررت ارغون وشتيرن وقف اعتداءاتهما على الانكليز وتحويل سلاحهما ضد العرب. بدأت حرب فلسطين وسوف تستمر طويلاً ولم تزل حتى اليوم. ضياع فلسطين سنة 1948 كانت سنة مؤلمة جداً للعرب لأنها سنة ضياع فلسطين. أما الانكليز فقد عمدوا الى تبنّي سياسة شرقية جديدة حتى لا يُحرجوا مع العرب ولا مع الصهاينة، وحرصاً منهم على مصالحهم الخاصة في الشرق (خزان البترول الواسع). وتمثلت سياستهم هذه: بالانسحاب من الشرق بخفي حنين، فلا سلموا السلطة في فلسطين الى العرب ولا الى اليهود. بل تركوا هذين الشعبين أحدهما في مواجهة الآخر وفي حالة نزاع لن يلبث أن يُشعل كل الأرض المقدسة، ليمتد يوماً بعد يوم الى كل أراضي الشرق العربية. عندما شعر العرب بالنيات العدائية والحربية لدى الصهاينة، بدأوا يستعدون للجولة الثانية. بدأت الأعمال الحربية في فلسطين منذ اليوم (فجر 15 أيار) الذي ركب فيه آخر الجنود البريطانيين في السفينة التي ستقلهم الى وطنهم مغادرين الأراضي التي سيطروا عليها طيلة ثلاثين عاماً، وتاركين إياها بلا رئيس ولا حاكم ولا وكيل مسؤول ولا دفاع. كانت خمسة جيوش عربية قد تجمعت على جميع الجبهات التي تحيط بالأرض المقدسة، وراحت تستعد لاجتياحها واستعادتها. وبالفعل، باشرت الجيوش العربية فجر 15 أيار، هجوماً في الاتجاه نفسه ضد الهدف نفسه. فالمصريون هجموا من صحراء النقب والعريش في اتجاه خط غزة بئر السبع. وفيلق الملك عبد الله انقض في اتجاه القدس، الخليل، اللد، الرملة والساحل. أما السوريون فكان محورهم الطريق الممتدة من بيت شان الى عفولة وحيفا على الساحل. وكان على اللبنانيين أن ينضموا الى تحرك القوات العربية المشترك، ولكن كانت أمامهم في بداية الحملة، مهمة تجميد القوى العدوة على طول الجبهة الشمالية من الناقورة حتى جبل الشيخ. وفي فترة لاحقة عندما تكون الجيوش المتحالفة قد بلغت هدفها، كانت الخطة تقضي بتقدم القوى اللبنانية لاحتلال نهاريا وعكا والمنطقة الساحلية غربي صفد وجبل الميرون. وبالاضافة الى القوات النظامية، شكلت فرقتان من المتطوّعين، الأولى في منطقة المالكية بقيادة المقدم السوري أديب الشيشكلي (رئيس الجمهورية اللاحق في سوريا)، والثانية في منطقة صفد والناصرة بقيادة النقيب السابق في جيش الشرق الخاص فوزي قاوقجي وهو لبناني الأصل من طرابلس، التحق بالمقاتلين الفلسطينيين منذ 1936. وكان هذا الأخير قد جند عناصر فرقته من كل البلدان العربية حيث أمضى شهري نيسان وأيار 1948 في جمع الأموال والأسلحة وعناصر الأنصار المتطوعين. كانت مهمة هؤلاء الجنود المتطوعين تتضمن القيام بأعمال مناوشة وغارات لتدمير منشآت العدو الدفاعية ومراكزه وشن هجمات مباغتة، فضلاً عن حماية أجنحة الجيوش اللبنانية والسورية والعراقية. وُضعت كل الجيوش العربية تحت قيادة موحدة بإمرة القائد العام العراقي طه باشا هاشمي، واتخذت من عمان، عاصمة شرق الأردن، مقراً عاماً لها. وبادر سكان المناطق الحدودية في جنوب لبنان، وهم في غالبيتهم من الشيعة، الى حمل السلاح دفاعاً عن قراهم. ومنذ الأول من أيار، زارني الزعيم الشيعي الجنوبي المعروف أحمد الأسعد في منزلي، وأعرب لي عن قلقه، اذ هو لا يملك سوى كمية محدودة من الأسلحة، ولا يسعه أن يترك أبناء عشيرته ومناصريه عزلاً، تحت رحمة اعتداءات العدو، وقد تمنى عليّ أن أعرض قضيته على قائد الجيش من اجل إقراضه كمية من الأسلحة يستعملها لضرورات الدفاع عن القرى الحدودية. لم يكن جيشنا، الذي كان يراقب الوضع ويشعر باقتراب المواجهة العربية الاسرائيلية، يملك في تلك الآونة فائضاً من الأسلحة. غير أن قائد الجيش وافق على منح أحمد الأسعد خمسين بندقية. ومن جهة أخرى، فإن الجيش كان ينوي اللجوء الى القوى المساندة إذا ما استمرت المعارك وقتاً طويلاً فيجنّد في منطقة الجنوب أنصاراً يعهد اليهم بالدفاع عن المناطق المدنية العزلاء، في مؤخرة الجبهة، ضد أي هجوم للعدو. لذا، فإن هذه المساعدة المؤقتة التي اقتصرت على بعض البنادق لن تفي بغرض الحماية المطلوبة، لأن القرى التابعة لسيّد الطيبة سوف تحصل أيضاً على وحدات مسلحة مؤلفة من جنود اضافيين للأنصار مكلفين بحماية التجمعات الحدودية. الجيش على الجبهة منذ الأول من أيار، احتلت القوى اللبنانية مراكزها القتالية على الحدود التي قسمت الى قطاعين: شرقي وغربي. أوكل القطاع الشرقي الى المقدم عادل شهاب، والقطاع الغربي الى العقيد عزيز غازي، فيما ركزت كتيبتان من الفرسان بقيادة المقدم يوسف سمعان في عيترون، نقطة التقاء القطاعين. والجدير ذكره أن عيترون مثل كل نقطة اتصال بين قوتين سوف تشكل نقطة الضعف في مجمل تشكيلتنا القتالية. بدأت الرقابة تطبق على المنشورات (صحف، مجلات، برقيات، أخبار، أفلام) اعتباراً من 5 أيار، وكُلّفت بمراقبة الشق العسكري من هذه المنشورات. نقل قائد الجيش العميد أول فؤاد شهاب (كان الكولونيل شهاب قد رُقّي اعتباراً من أول كانون الأول 1946 الى رتبة عميد أول، وهي رتبة استحدثت حينها) مقر قيادته الى عيترون في 13 أيار، وتركني في الأركان في بيروت. فكانت مهمتي تقوم على: تأمين الارتباط مع الحكومة. تأمين الارتباط مع القيادة العربية الموحدة. تسوية المسائل الجارية في كل الأجهزة والمصالح والوحدات الموجودة في مؤخرة الجيش البعيد عن الجبهة. تأمين الاتصالات مع الجبهة. تموين القوات المحاربة. كما كلفني قائد الجيش بمهمة خاصة تقضي بأن أتسلم شخصياً، أمر العمليات العسكرية الذي سوف يُرسل الينا من القيادة الموحدة بواسطة ضابط رفيع المستوى. وهذا المستند السري للغاية والمرسل منه ثلاث نسخ، يخضع لإجراءات أمنية مشددة للغاية. فكان عليّ، في لحظة استلامي هذه الوثيقة المهمة، أن أرسل النسخة الأصلية منها الى قائد الجيش في مقر قيادته في الجبهة، على أن يكون ناقل هذه الوثيقة ضابطاً من المكتب الثاني. فيما توضع النسخة الثانية في الصندوق الخاص المقفل في مركز الأركان. أما النسخة الثالثة فكان عليّ أن اسلمها يداً بيد الى رئيس الجمهورية الذي يكون على علم بها ويكون في انتظارها ومعه رئيس الوزراء رياض الصلح ووزير الدفاع الامير مجيد ارسلان، في مقر الرئاسة. وصلني أمر العمليات العسكرية في 14 أيار في تمام الساعة السابعة وعشر دقائق مساءً. وبعدما أرسلت النسخة الأصلية بصورة عاجلة الى قائد الجيش، انتقلت فوراً الى القصر الرئاسي وسلمت الرئيس بشارة الخوري المغلف الذي يحتوي على المستند المذكور. وبعد قراءة الوثيقة، تباحث الرئيسان في حضوري في مضمونها ولا سيما الشق المتعلق بلبنان. وراحا يمطرانني بالسؤال تلو السؤال من أجل استيضاحي كيفية التنفيذ وما يمكن ان يتركه من انعكاسات فضلاً عن التطورات اللاحقة المحتملة للحملة العسكرية. اقترح رئيس الوزراء على رئيس الجمهورية اجراء اتصال فوري مع الرئيس السوري شكري القوتلي لمعرفة رأيه الشخصي في العمليات المرتقبة وكيفية تنفيذها من جانب السوريين. إذ، أضاف رياض الصلح قائلاً: يبدو لي أنه لا بد من تنسيق خطط عملنا الخاصة مع مخططات القوات السورية، وخصوصاً تأمين ارتباطاتنا وضمان التعاون المتبادل في ما بيننا على خطوط الالتقاء بين جناحي الجيشين، عندها لفتُّ نظر رئيس الوزراء الى أنه لا يجوز البتة التباحث في مثل هذه المسائل هاتفياً. فوافقني الصلح على الفور. وفيما كنت أشرح له وجهات نظري بالتفصيل، كنت أفكر في الوقت نفسه في أسلم طريقة لإجراء هذا الاتصال مع دمشق. ثم التفت الصلح الى الرئيس الخوري، وأضاف قائلاً: »أقترح على فخامتكم أن ترسلوا فوراً وزير الدفاع الأمير مجيد ارسلان والمقدم بستاني الى دمشق، للتداول شفهياً مع الرئيس القوتلي وبسرية تامة. فما رأيكم؟«. كنت قد سمعت مراراً في السابق العميد أول فؤاد شهاب يمتدح رياض الصلح ويثني على مزايا هذا الرجل »الفطن والبارع والحاد الذهن والبعيد النظر«. الا أنني تأكدت من خلال حواري معه، الذي لم يطل أكثر من بضع دقائق، من موهبته السياسية. فقد جاء وصف قائد الجيش لشخصيته مطابقاً تماماً لما لمسته في هذه الجلسة الخاطفة. عند شكري القوتلي أيد الرئيس الخوري اقتراح رئيس وزرائه، وارتأى كلاهما أن يجري الاتصال فوراً بالرئيس السوري لوضعه في أجواء زيارتنا (وزير الدفاع وأنا) وفحواها. »سوف انتظرهما في مكتبي حيث سأبقى الى حين وصولهما«، أجاب الرئيس القوتلي. غادرنا بيروت عند الثامنة مساءً ووصلنا دمشق عند العاشرة من الليلة نفسها، كان الرئيس السوري في انتظارنا بصحبة وزير دفاعه أحمد شرباتي. وبعد أن نقلنا اليه مضمون الرسالة التي جئنا من أجلها، رحنا نتحدث عما ستؤول اليه الأوضاع على الجبهتين السورية واللبنانية غداة بدء الأعمال الحربية فجر 15 أيار. ثم انتقلنا الى الحديث عن أوامر العمليات وعن خطط البلدين حيالها. »سوف نسهر قال لنا المسؤولان السوريان على حسن التنسيق الكامل بين جيشينا في الأعمال الحربية وخطط كل من بلدينا«. وتفاهمنا على تبادل وحدات ارتباط لبنانية سورية وإبقاء هيئتي أركاننا على اتصال دائم. عندما شارفت محادثاتنا على نهايتها، فتح الرئيس القوتلي أحد أدراج مكتبه وتناول منه علبة بسكويت، ثم قال موجهاً كلامه الى الأمير مجيد وإليّ »أظن انكما لم تتعشيا بعد، لن أفرض عليكما نظامي الغذائي بضع بسكويتات الذي أتبعه بسبب إصابتي بقرحة في الأمعاء بلغت ذروتها هذه الأيام، لذا فقد تقلصت وجبات طعامي كثيراً. وها أنا ألجأ الى قضم بعض البسكويت من حين الى آخر لأهدئ نوبة الألم. سوف يصطحبكما أحمد للعشاء في أحد المطاعم حيث تتوفر لكما مأكولات ألذ وأشهى. انقلا تحياتي الى أخويّ بشارة ورياض«. خلال العشاء، أخبرنا الوزير شرباتي أنهم توصلوا في دمشق نفسها، الى صنع قنابل تستعملها الطائرات ويقوم الطيارون بإلقائها من الجو يدوياً وعلى التقدير وذلك بانحنائهم من حجرة الطيار. كانت سوريا قد فكرت قبل عام تقريباً، بإنشاء طيران حربي. وبعض الطائرات الأولى التي استطاعت الحصول عليها كان من طراز (Proctor) الانكليزي الصنع، والبعض الآخر من نوع (Macchi) من صنع ايطالي، وكلها مخصصة للتدريب. إلا أن القيادات العربية، التي علمت بصورة مفاجئة أن العدو يملك بعض الطائرات الحربية التي حصل عليها من مخلفات المتقاتلين ابان الحرب العالمية الأولى وأنه سوف يستعمل هذه الطائرات في حربه مع العرب، اضطرت تحت الضرورة الحربية الى الارتجال وتحويل طائرات التدريب الصغيرة التي في حوزتها الى طائرات حربية مصغرة. ذكرني ذلك بالمعارك الجوية الأولى إبان الحرب العالمية الأولى، عندما كان الطيارون الشجعان على جانبي القتال، يفلتون عصا القيادة في طائراتهم البدائية القديمة، ومن غرفة القيادة المكشوفة يُطلق بعضهم على بعض العيارات النارية من بنادقهم القصيرة (Mousqueton). أما نحن، في لبنان، فلم نكن قد عرفنا الطيران الحربي. وحدها حرب 1948 أشعرت قائد الجيش بضرورة تأمين هذا السلاح الحاسم في المعارك وذلك بإنشاء سلاح طيران حربي لبناني. بعد انتهاء العشاء، وكانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل، أصرّ الأمير مجيد، قبل عودته الى بيروت، على مقابلة نسيبه الأمير عادل ارسلان، الذي أصبح بعد حصوله على الجنسية السورية، نائباً في المجلس السوري. وقد علمنا أن هذا المجلس مجتمع منذ الثامنة مساءً، حيث يناقش النواب بحماسة موضوع بدء العمليات الحربية على جميع جبهات الأرض الفلسطينية. كان عادل ارسلان يشبه نسيبه الأمير مجيد بطباعه النارية وحميته الفائقة. »لن تنتهي عشرة أيام، إلا وتكون المغامرة الصهيونية في فلسطين في خبر كان«، قالها عادل ارسلان بمنتهى الثقة. غادرنا دمشق عند الثالثة فجراً في 15 أيار، وفي طريقنا تناهت الى سمعنا، عند الخامسة صباحاً، أصداء دويّ المدافع من الجولان حتى الناقورة. انه التاريخ الذي يعيد نفسه من جديد. وقد بدأت حقبة جديدة في بلاد الأنبياء. كان المقدم السوري أديب الشيشكلي، الذي سوف يصبح قريباً ربيب الانقلابات العسكرية ورئيساً لاحقاً للجمهورية قد شكل فرقة متطوعين، وقد جاء في 5 أيار ليقابل العميد أول شهاب ويُطلعه على أمر انشاء فرقته والمهمة الموكولة اليها. ووفق تحركات فرقته كان لا بد له من دخول الأراضي اللبنانية والخروج منها من حين الى آخر، فطلب الاستعانة بضابط لبناني ليساعده في هذه المهمة ويؤمن في الوقت نفسه دور ضابط ارتباط بين فرقة الشيشكلي والجيش اللبناني الموجود على الجبهة. من بين الضباط الذين تطوّعوا للقيام بهذه المهمة، اختارت القيادة اللبنانية الملازم أول محمد زغيب، نظراً لحيويته وجرأته، وهو من يونين البقاعية، ومن عائلة صهرتها الحياة القاسية والنزاع القبلي المألوف بين أبناء المنطقة. كانت فرقة الشيشكلي تضم ثلاثة آلاف مقاتل. فأقام مقر قيادته بادئ الأمر في عيترون الواقعة على الحدود اللبنانية، وهو الذي سيبادر، منذ ساعات 15 أيار الأولى، الى مباشرة العمليات العسكرية على هذه الجبهة، في منطقة المالكية. وقد اصطدم الملازم أول زغيب، على رأس مفرزة من المتطوعين تضم مئة عنصر، حوالى الظهر، بقوة اسرائيلية تفوقه تعزيزاً كانت تحاول التقدم من المالكية في اتجاه مارون الراس. وما كادت تمر أربع ساعات على اندلاع الاشتباك وتبادل اطلاق النار حتى أصيب زغيب في الرابعة والنصف من بعد الظهر برصاصة في بطنه، وكانت اصابته بليغة ما استوجب نقله على جناح السرعة الى مستشفى الدكتور الخليل في صيدا حيث أجريت له على الفور عملية جراحية لاستئصال الرصاصة. وفي ساعة متأخرة من الليل ذهبت الى المستشفى لأطمئن الى حالته بعد اجراء الجراحة، فلم يُخفِ عليّ الطبيب الجراح قلقه وتخوّفه من المضاعفات المحتملة التي يمكن أن تنتج عن التهاب محلي او عام نتيجة الاصابة. وعندما أفاق زغيب من تأثير المخدر، وجدني الى جانب سريره، ويبدو أنه كان يعي خطورة وضعه. فابتسم ابتسامة واهنة وهمس بصوت خافت: »كيف حال زوجتي؟«. الواقع أن زوجته، كانت فجر ذلك اليوم بالذات، قد وضعت طفلة. وعندما طمأنته الى صحتها وصحة المولود، أضاف قائلاً: »أوليست مصيبة، أن يحصل المرء على ابنة ورصاصة قاتلة في اليوم نفسه؟! ليتني أموت تاركاً صبياً، لكان عزائي في أن ذريتي ستحفظ نسلي«. لقد ظل هذا الضابط الشاب يقاوم الموت على مدى خمسة أيام، إلا أنه تُوفي في 21 أيار متأثراً بجروحه. حادثة اللبونة طوال فترة المعارك، كنت لا أنفك أتنقل باستمرار بين مركز قيادة الجبهة في عيترون والأركان في بيروت. وفضلاً عن ذلك، كنت أؤمن الارتباط بين الجبهة ورئاستَي الجمهورية ومجلس الوزراء انتهاءً بوزارة الدفاع. ان حادثة »اللبونة« التي استجدت في 24 أيار، جعلتنا في بيروت في حال استنفار. وقد انتقل على أثرها رئيس الجمهورية في ذلك المساء الى قيادة الجيش حيث مكث في مكتبي حتى منتصف الليل ليتتبع سير العمليات العسكرية لحظة بلحظة. كانت المدفعية الاسرائيلية قد فتحت نارها، ذلك اليوم، على مواقعنا في اللبونة. وأشارت مراكزنا الى حصول تسللات كبيرة من جانب القوات المعادية عبر التلال المواجهة لجبهتنا. فأصدر قائد الجيش أمراً بتطبيق خطتنا الدفاعية: رمايات لشل نار العدو وأخرى لوقف تقدمه. استمر تبادل القصف المدفعي طيلة أربع ساعات، من السابعة مساءً حتى الحادية عشرة ليلاً، حتى أمكن التصدي لزحف العدو ووقفه حيث وصل. وفي اليوم التالي، لاحظ مركز المراقبة على بُعد أربعمئة متر من خطنا الأول، حركة محمومة من جانب المسعفين الذين يبحثون في أرض المعركة عن جثث قتلاهم أو الجرحى الذين لم يتمكنوا من رؤيتهم خلال جولتهم الليلية. وقد أثبت ارتفاع عدد الضحايا أن العدو كان ينوي القيام بعملية عسكرية واسعة النطاق من أجل هدف معيّن. لعل الاسرائيليين توقعوا نجاح هجومهم المباغت، تحت جنح الظلام، اعتقاداً منهم بأن القوات اللبنانية ليست مدربة بعد ولا تمرست على القتال الليلي؟ لم يسقط في صفوفنا قتلى، وإنما أصيب ثلاثة جرحى بشظايا قنابل. في 26 أيار، قصدت »اللبونة« لأقابل الملازم أول انطون سعد قائد هذه النقطة، فروى لي تفاصيل الهجوم على الطبيعة. ثم انتقلت الى عيترون لألتقي قائد الجيش. فعرفت منه أن المعلومات التي وصلت اليه تدل على أن العدو لن يكتفي بالبقاء منتظراً ومراقباً الجبهة اللبنانية، بل ان عمليات عسكرية مثل تلك التي حصلت في »اللبونة«، قد تنقض بصورة مفاجئة على النقاط الحساسة من الجبهة هذه. وإزاء هذا الوضع ارتأى العميد أول شهاب أن موقع عيترون لم يعد آمناً وصالحاً كمقر عام للقيادة. فطلب إليّ أن أجد موقعاً آخر خلفياً ليركز فيه مقر قيادته. اخترت تبنين، وفي اليوم نفسه، نُفذ الانتقال. وحسناً فعلنا. فبعد يومين كانت المفاجأة المزعجة، اذ أقدم العدو على محاولة جديدة لخرق جبهتنا. في 28 أيار، شن العدو هجوماً واسع النطاق على موقعنا في عيترون بهدف قطع نقطة الاتصال بين قطاعينا الحدوديين، حيث فاجأ فعلاً كتيبة الفرسان المتمركزة فيها واضطرها الى اخلاء الموقع والانكفاء الى التلال المحيطة بتبنين من الجهة الجنوبية. وبالتالي فقد أصبحت بنت جبيل، وهي البلدة الأساسية في المنطقة، مكشوفة. والمعروف أن نقاط الوصل بين تشكيلين مجاورين على الجبهة، شكلت دوماً نقاط ضعف في الجهاز الجبهوي العام. كان قائد الجيش موجوداً في مرجعيون عندما تبلغ محاولة الخرق التي قام بها العدو. فاستنتج من المعلومات التي تجمعت لديه أن امكانات العدو الحالية لا تسمح له بالتوغل الى عمق هذه المنطقة، ما سيجعله مكتفياً باحتلال عيترون والتمركز فيها. وبالفعل فقد توقف تقدم العدو عند هذا الحد. رأى قائد الجيش، ان من الحكمة ألا يترك المجال أمام العدو لتحسين موقعه الجديد، فأصدر أمراً الى كتيبتي الخيالة للمباشرة فوراً بشن هجوم مضاد لطرد الاسرائيليين من عيترون واستعادة الأرض التي احتلوها لتوّهم. وهذا ما حصل فعلاً بعد يومين أي في 30 أيار. في الطرف الشرقي من جبهتنا، على الطريق المؤدية من مرجعيون الى بانياس في سوريا، ثمة جسر صغير في منطقة تدعى »ابو زبلة«، على مرمى حجر من الحدود السورية. وهذا الجسر كانت تحميه فصيلة بإمرة الملازم أحمد عرب، وهو شاب طرابلسي كنت قد سهلت العام 1944 دخوله الى المدرسة الحربية. في أول حزيران، كان العدو قد أعد هجوماً على هذا الجسر كي ينفذه ليلاً. فسمع الخفير اللبناني، المتمركز على مسافة مئة متر أمام الجسر من جهة العدو، صوت تحركات مشبوهة وهمسات وحفيف أوراق يابسة. فأخطر الفصيلة بالطريقة المتفق عليها. وفوراً أمر الملازم عرب، الذي كان ساهراً قرب رامي السلاح الأوتوماتيكي، بأن يبادر الى اطلاق النار حالاً طبقاً لخطة النار المرسومة. وعوض أن يفاجئنا العدو، اذا به يُفاجأ تماماً. وقد جرى تبادل اطلاق نار كثيف بين الطرفين، إلاّ أن رمايات العدو لم تكن أكثر من تأمين الغطاء لتراجعه. وقد ساعده على ذلك حلول الظلام. ومع ذلك، فقد وقعت في صفوفه بعض الإصابات اذ كان مقاتلوه قد وصلوا الى بعد أربعين متراً من مركز خفيرنا. وقد لاحظنا في اليوم التالي آثار دماء على الأرض ووضعنا يدنا على بندقيتين وجعب ذخيرة وخراطيش فارغة. عيترون المالكية كانت خطة الجيوش العربية تقضي بشن هجمات خاصة ومحلية، تنفذها في الوقت المناسب وبأمر من قادتها المباشرين. فاختار قائد الجيش اللبناني منطقة عيترون المالكية، المنفذ الموصل الى الجليل، للقيام بهجوم يكون بمثابة الرد الأفضل على الفشل الذي منينا به على يد العدو في عيترون نفسها في 28 أيار. جرت دراسة الخطة الموضوعة لتنفيذ هذه العملية في الأركان منذ أول حزيران وتقرر أن يكون الهجوم في 5 حزيران، وكان الهدف من هذه الخطة شن هجوم لاحتلال المالكية، ذات الموقع الاستراتيجي، والتي تشكل حاجزاً منيعاً على جبهة منطقة الجليل. كانت كتيبة القناصة الثالثة، بقيادة المقدم جميل حسامي، تشكل قطعة المشاة الأساسية التي يرتكز عليها هذا الهجوم، تدعمها بطارية مدفعية بإمرة الملازم أول هنري شهاب وسرية دبابات بإمرة النقيب فؤاد لحود وكتيبة فرسان وفصيلة هندسة. بدأ هذا التشكيل تحركه فجر الخامس من حزيران، واستمرت المعركة 48 ساعة. وبعد ظهر اليوم التالي كانت جبهة العدو في هذا القطاع قد اخترقت وسقطت المالكية في أيدي قواتنا. هذه العملية العسكرية كانت الوحيدة التي استطاع الجيش اللبناني تنفيذها قبل وقف الأعمال الحربية في 11 حزيران، وحقق فيها نجاحاً يستحق الإعجاب بقدراته القتالية واندفاعه في المعركة فضلاً عن كفاءة قيادتنا. وكانت هذه المرة الأولى منذ الاستقلال التي تقدم فيها قوة محض لبنانية بقيادة لبنانية صرف على عمل عسكري على المستوى الوطني. ولقد كانت خسائرنا ضئيلة جداً قياساً على حجم المعركة التي لم يسقط خلالها سوى خمسة جرحى. ولولا حادثة أحد الجنود، الذي كان يتنقل ليلاً في حقل لم يجرِ استكشافه بعد فانفجر فيه لغم أودى بحياته، لما سُجلت حالة استشهاد واحدة. هذا كل شيء. ويبدو أن العناية الالهية كانت تقف الى جانبنا. في 10 حزيران، عشية وقف اطلاق النار، ذهبت الى مقر القيادة الذي أعيد الى سابق موقعه في عيترون. وهنا علمت أن رفاقنا السوريين الذين يسعون الى احراز نصر في الجليل على غرار النصر الذي حققناه، كانوا يستعدون لعملية ما في منطقة المالكية نفسها، وقد طُلب من بطارية المدفعية اللبنانية التي يقودها الملازم أول هنري شهاب أن تقوم بدعم تلك العملية. وبما أنه لم يُتح لي أن أكون على الجبهة خلال احتلال المالكية قبل خمسة أيام، فقد طلبت من العميد أول شهاب أن يفسح لي في المجال للمشاركة في ذلك الهجوم. فكلفني بمهمة تأمين الارتباط بين قيادة العملية السورية والجيش اللبناني. من عيترون الى المالكية، سلكت بفاصل خمسة أيام، طريق المعركة نفسها التي خاضتها قواتنا مع العدو في 5 حزيران، انطلاقاً من منفذ عيترون الجنوبي وحتى المالكية ضمناً. وخلال سيري على هذه الطريق رأيت آثار المعركة بادية عليها. كانت أرض المعركة أشبه بحقل منخفض ومُسطح تشرف عليه تلال المالكية. وعندما وصلنا الى المرتفعات الأولى، دلّني النقيب جورج صوايا الذي كان يرافقني، على حصن صغير يشرف على الطريق، وأخبرني أن الحظيرة القتالية المتمركزة فيه لم تكن تتعدى ستة جنود، بينهم امرأتان، علماً بأن العدد الأساسي للحظيرة هو عشرة جنود بإمرة صف ضابط، وقد كان هذا المركز يفتح النار برمي مركّز على محور الطريق حتى حدود مرمى سلاحه. وفهمت منه أن هذا الحصن الصغير قد أصيب بقذيفة مدفعية أطلقها الجيش اللبناني نفذت من إحدى فتحاته وانفجرت في داخله. ولدى وصول عناصر الجيش اللبناني اليه وجدوا فيه خمس جثث وامرأة تئن من إصاباتها البالغة، فنقلتها سيارة اسعاف الى مستشفى في صيدا. بلغت المالكية حوالى الظهر، واتجهت نحو مركز قيادة القوات السورية المتمركزة في المنطقة. رأيت من بعيد، على أكمة، مجموعة من الضباط بدا من تحركهم وحركاتهم أنهم يتفحصون الأرض امامهم ويدرسونها. فانضممت اليهم، وكان بين هؤلاء الفريق طه باشا الهاشمي، القائد الأعلى للقوات العربية المتحدة والمقدم السوري طالب داغستاني، رفيقي السابق في المدرسة الحربية والنقيب أحمد العظم، تلميذي السابق في المدرسة عينها. وهو نفسه الذي كان ينوي ترك المدرسة بعد القيود التي أدخلها عليها الجنرال هنتزيغر، ثم عاد عن عزمه بعدما أثنيته عن قراره. كانت مجموعة هؤلاء القادة العسكريين تقف على أكمة صغيرة جنوبي المالكية تشرف على منبسط فسيح تحده جنوباً قريتا هراوي وقَدَس القائمتان على تلتين وقد احتلهما الاسرائيليون وعززوا تحصينهما. كان الفريق هاشمي يستفسر من المقدم داغستاني عن تفاصيل العملية التي أمره رؤساؤه بتنفيذها قبل نهاية النهار. وكانت العملية تقضي بشن هجوم سريع ومفاجئ على معقل هرّاوي لتحريره من الاسرائيليين قبل حلول الظلام واحتلال هذا الموقع المنيع في اليوم الأخير من المعارك قبيل تطبيق الهدنة التي قررتها الأمم المتحدة في الغد. وهكذا تبقى كل المواقع المنيعة شمالي الجليل في قبضة العرب لاستعمالها ورقة ضاغطة على طاولة المفاوضات قبل التوقيع على معاهدة الهدنة ولإبقاء تلك المقاطعة الجميلة داخل الأراضي العربية. كُلّفت بطارية المدفعية اللبنانية التي يقودها الملازم أول هنري شهاب، بالاعداد للهجوم ودعم تقدم القوات المهاجمة والمؤلفة من تشكيل يضم كتيبة مشاة معززة، كتيبة خيّالة، فصيلة هندسة ومفرزة اشارة. حددت ساعة الصفر عند الثانية بعد الظهر. وكان لا بد، في أي حال من الأحوال، من انهاء هذه العملية قبل حلول الظلام، لأن وقف اطلاق النار الذي أعلنته الأمم المتحدة يسري اعتباراً من منتصف الليل. وبانتظار لحظة الهجوم، ومغادرة الفريق الهاشمي المكان ليشرف على عملية أخرى أبعد جنوباً، استبقاني داغستاني لأشاركه الغداء، وهو غداء بسيط جلسنا نتناوله على العشب. وكان الحديث بطبيعة الحال يدور حول الهجوم الذي سوف يشنه بعد قليل. طرحت عليه بعض الأسئلة فلم يستطع الإجابة عنها بل حاول التملص منها، ذلك أن العملية قد خطط لها وتقررت على عجل في صبيحة ذلك اليوم نفسه. كانت الوحدات المهاجمة قادمة من مكان بعيد وركزت فوراً في المكان المحدد لانطلاقها ولم يكن لديها الوقت الكافي لاستطلاع الأرض ولا العدو فلا عرفت عدد مدافعه ولا أنواع أسلحته. وبما أنه لم يحصل أي استكشاف أو أي جمع للمعلومات، فإن الهجوم المنتظر سوف يواجه موقعاً يجهل قدرته الدفاعية وقوة حاميته تماماً. وفضلاً عن ذلك، كانت القوة السورية المهاجمة تفتقر الى الدبابات وحتى الى المصفحات الرشاشة، أما المدفعية فليست كافية، اذ لا يمكن لبطارية واحدة ان تُسكت المدفعية المعادية، ما يعني أن كل قوة نار العدو سوف تُصب على المشاة والخيّالة المهاجمة. أضف الى ذلك أن مسيرة الاقتراب سوف تتم في وضح النهار وهي مكشوفة في منخفض مسطح أجرد ومعرض لكل نيران العدو وعلى مرأى منه. عدا عن أن الهجوم الجبهي الذي لا يلحظ التخطيط لأي عملية تسلل أو حركة التفاف هو عموماً خطِر ومكلف، اذ يسهل للعدو أن يركز كل قوته النارية على المهاجمين الذين يتقدمون مكشوفين لا تغطيهم مجموعات مدرعة او طائرات. حتى أن الحقل الخالي من التضاريس لم يكن ليُسهّل زحف المشاة والفرسان في عرائه. اذ سوف يبقون منذ بدء مسيرتهم وحتى لحظة وصولهم معرضين شر التعرض لكل أنواع المخاطر. لقد استندت في ملاحظتي هذه الى المعطيات العملية والواقع على الأرض والى الظروف القتالية. أما العدو فحساباته مختلفة. اذ كانت خطته تقضي بأن يبقى مختبئاً تماماً، بحيث لا يبدو له أي أثر طيلة مسيرة الاقتراب، الا عندما تبدأ القوات المهاجمة بتسلق المنحدر المؤدي الى تحصيناته. ثلاثة عوامل ثلاثة عوامل سهّلت نجاح العدو في خطته نجاحاً تاماً: 1 تعب المهاجمين، اذ كان عليهم اجتياز المنطقة الخالية من المتقاتلين سيراً طيلة ثلاث ساعات في أشد ساعات بعد الظهر حراً من شهر حزيران الحارق. فتصل هذه القوات منهكة القوى أمام موقع العدو. 2 صعوبة التسلق للوصول الى مواقع العدو المنتشرة على تلة مستطيلة الشكل وبالغة التحصين ومقفلة على امتداد المنحدر بصفوف عديدة من الأسلاك الشائكة، بحيث عندما يبلغها المهاجمون سوف يجدون أنفسهم عاجزين عن التقدم ومسمّرين طوال الوقت الذي تستغرقه عملية فتح ثغرات للعبور، ما يترك هامشاً كافياً من الوقت امام المدافعين ليقذفوا المهاجمين برمايات عمودية ومركزة محورياً ويوقعوا في صفوفهم مجازر بقذائف الهواوين والقنابل اليدوية، وبذلك يكون الهجوم قد صد كلياً والعملية باءت بالفشل. 3 مفاجأة الرد. اذ لن يفتح العدو النار إلا في وقته المناسب. وهو ما حصل فعلاً. فعندما وصلت الطليعة أمام الاسلاك الشائكة توقفت، وتابع سائر أفراد التشكيل المهاجم تقدمه، وجاء الجميع ليلتصقوا بالخط الأول اعتقاداً منهم بأنهم يستطيعون الاحتماء بمنحدر التلة من جهة، ويخرقون موقع العدو ويحتلونه قبل حلول الليل من جهة أخرى. إلا أن أحداً لم يشعرهم بالحاجز الفعلي الذي تسمرت أمامه الطليعة. كما أن أحداً لم يُعر انتباهه لهذا الصمت الرهيب والغريب الذي خيّم على جانب الموقع المعادي، وهو ما حيّر داغستاني وحرت معه. كانت بطارية مدفعيتنا قد أطلقت رمايات منتظمة تحضيرية للهجوم ثم طلقات متقطعة تسهيلاً لتقدم القوات العربية، غير أن العدو لم يرد ولم تصدر عنه أية حركة أو أي أثر ينم عن وجوده. في لحظة من اللحظات، التفت داغستاني نحوي قائلاً: »ألم أؤكد لك أن لا أحد في الهرّاوي؟!« فنظرت اليه نظرة ناضحة بالشكوك وأجبته بالحرف الواحد: »كنت أفضل لو كان هناك أحد وخصوصاً لو ظهر هؤلاء في وقت أبكر!«. كانت تخوفاتي الأولية تزداد حدة. فالعملية، من أساسها، بدأت بشكل خاطئ وكيفما اتفق. وعندما لفتّ نظر داغستاني الى الثغرات القائمة في هذه العملية غير الموزونة بدقة والتي تفتقر الى المنطق، اعترف عندها بأن هذا الهجوم قد خطط وقرر على عجل. مع أن جميع السلطات العسكرية، عبر الدوائر التراتبية العالية، كانت تعتبر العملية بمثابة نزهة. ثم أضاف داغستاني: »وها نحن نلاحظ الآن أنهم كانوا على حق، لأن موقع العدو الذي يشغلنا هو على ما يبدو مهجور أو شبه مهجور أي ضعيف«. ما كاد داغستاني يُنهي كلامه حتى انفجر فجأة بركان هائل من جميع الأسلحة: مدافع، مدافع هاون، قنابل، أسلحة اوتوماتيكية. واشتعلت جبهة العدو على نحو مفاجئ وانهال على الخطوط السورية وابل من القذائف وكتل هائلة من الشظايا. ومن موقعنا المراقب كنا نرى بوضوح، بالمنظار، هذه الشظايا وحطام الصخور المتطايرة وأحياناً أشلاء الاجساد المتناثرة في الهواء بفعل الانفجارات وتحت ضغط القذائف. وعلى خط النار، انبطح الجميع أرضاً في وضع اتقائي.. رنّ جرس الهاتف، فإذا بالنقيب قائد التشكيلة الهجومية، يتصل ليطلعنا على الوضع ويؤكد لنا خطورته. فالهجوم قد شُل تماماً والخسائر جسيمة، وبين الضحايا الملازم أول خاني، قائد الطليعة. يسألنا النقيب: »ما عساه يفعل الآن وقد استحال أي تقدم، وحتى أي تراجع، لأنه سيعرض المقاتلين لنار العدو حيث لا تزال قوية وفتاكة. فنظر إليّ داغستاني وكأنه يتوقع مني حلاً لهذا المأزق. كنت قد سمعت بوضوح عبر سماعة الهاتف صوت النقيب، قائد التشكيلة الهجومية، وهو يشرح الوضع مفصلاً. بما أن لا تعزيزات لديكم ولا مجال لأي عملية التفاف أو استعانة بالطيران، قلت له، ان الهجوم المقرر بات مستحيلاً. عليكم سحب عناصركم من هذا الأتون بأقل قدر من الخسائر«. كيف يمكن الانسحاب عملياً وسط هذا الجحيم من النار؟ سأل المقدم داغستاني؟ قل لمرؤوسك ان المدفعية الصديقة سوف تفتح نيرانها التحييدية على موقع العدو كله، وعليه أن يختار الوقت الملائم للتراجع. وقد يكون الوقت الأفضل مثلاً تحت غطاء الظلام. لا بد من الانسحاب من هذا المأزق ومغادرة المنطقة الخطرة بأسرع ما يمكن. هذه الحملة كانت باهظة الثمن، اذ ألحقت في مدى ساعتين خسائر فادحة بقوات الرفيق داغستاني من دون أن تخوض أي معركة. وقد أسفرت هذه المغامرة عن مقتل ضابط واحد وجرح اثنين آخرين فضلاً عن سقوط عشرين رتيباً وجندياً بلا طائل ونقل أربعين جريحاً مع هبوط الظلام!. والمؤسف في القضية أن تنتهي على هذا النحو لأنه بعد خمس ساعات سيُعلن عن وقف المعارك. هجوم العدو المضاد كان فيلق الملك عبد الله قد وصل الى مشارف اللدّ، والمصريون على مقربة من بئر السبع. والعراقيون قد احكموا قبضتهم على مجدّو المطلة على حيفا، والسوريون في قلب الحولة، والقاوقجي احتل صفد وتخطى حدودها، فيما احتل اللبنانيون موقع المالكية الحصين وأصبحت قدس في متناولهم. أما على الساحل فباتت نهاريا والذيب تحت مرمى مدفعيتهم. إلا أن الهجوم المضاد الذي أعدت له القوات الصهيونية بسرية تامة قلب الموازين لمصلحتها في الوقت الذي شهدت فيه القوات العربية بعض الاسترخاء بعدما اطمأنت الى أن منظمة الأمم المتحدة تبحث جدياً في مشروع وقف اطلاق النار. فقد نجح هذا الهجوم الصهيوني في كسب معظم الخطوط التي كانت الجيوش العربية قد احتلتها إبان تقدمها الصاعق في بدء الحملة. وعندما فرضت الأمم المتحدة قرار وقف النار، اعتباراً من 11 حزيران، كانت القوات الصهيونية قد استعادت أكثر من نصف الأراضي التي احتلتها القوات العربية سابقاً. والهدنة التي قررتها منظمة الأمم المتحدة، فرضت وقف اطلاق النار اعتباراً من 11 حزيران عند الثانية عشرة ليلاً، أما وقف الأعمال العسكرية ففي 18 تموز 1948. وصل مراقبو الأمم المتحدة الى مطار بيروت في اليوم نفسه، فكُلّفت باستقبالهم وتوزيعهم في اليوم التالي على خطوط الجبهة حيث سيقومون بمراقبة وقف النار، بانتظار أن يتم التوقيع في رودس على هدنة بين المتحاربين. أخذت الشائعات تروج عن احتمال تنازل العرب عن بعض المناطق التي احتلوها لمصلحة اسرائيل التي تطالب بها، تؤيدها في ذلك الأمم المتحدة التي بدت ميّالة الى هذا التنازل. وبالنسبة الى لبنان، يبدو أن المالكية ستكون في عداد المناطق التي سيتم التخلي عنها للدولة الجديدة التي أنشئت على الأراضي العربية! هكذا وُلدت اسرائيل، عن طريق الاحتلال واغتصاب الأراضي، وبلغت مساحتها 24 ألف كلم، أي ما يعادل مرتين ونصف المرة، مساحة لبنان! في 15 أيار 1948 وقف بن غوريون، أول رئيس وزراء اسرائيلي، في حرم الكنيست (البرلمان الاسرائيلي) ليعلن قيام الدولة العبرية: اسرائيل. وفي 16 أيار، اعترفت الولايات المتحدة الاميركية بالدولة الجديدة وتبعها في اليوم التالي، أي في 17 أيار، الاتحاد السوفياتي، وكان السوفيات، منذ أيار 1947 (قبل سنة) قد أصروا على إنشاء دولة صهيونية في فلسطين وأقروا تقسيم هذه الأرض العربية بين اسحق (اسرائيل) واسماعيل (العرب). وفي جلسة الأمم المتحدة المنعقدة في 21 أيار 1948، أعلن المندوب السوفياتي أندريه غروميكو من على منبر هذه المنظمة العالمية، أن بلاده تدعم كل حركة تحرير وطنية تنشأ في العالم. وبما أن مطالبة اليهود بوطن لهم في فلسطين تشكل حركة تحرير، فلا يسع الاتحاد السوفياتي إلا أن يؤيد هذا المطلب ويشجع على تحقيقه. إن وجود اسرائيل في الشرق كان نتيجة واقع فرضته قسراً منظمة الأمم المتحدة أكثر مما كان نتيجة أفرزتها أحداث عسكرية. إنه بالأحرى هزيمة سياسية للعرب الذين سوف يقومون من الآن وصاعداً بصراع مستمر وضارٍ وصلب على كل الجبهات السياسية والعسكرية والاقتصادية والجغرافية وعلى الأخص القومية مع الدولة العبرية الدخيلة. النازحون إلى لبنان عيّنت منظمة الأمم المتحدة في 20 أيار 1948 الكونت فولك برنادوت وسيطاً في النزاع العربي الاسرائيلي القائم. إلا انه بسبب اتهامه بالانحياز الى العرب، اغتيل في 13 تموز 1948 في القدس على يد ارهابي صهيوني من منظمة شتيرن. انتهت حرب 1948 بخسارة فلسطين وتكريس الوجود الاسرائيلي على الأراضي العربية بمباركة الأمم المتحدة. إلا أن هذه الحرب أفرزت مشكلة أدهى وهي مشكلة النازحين الفلسطينيين الى مختلف البلدان العربية. فقد استقبل لبنان وحده مئة وسبعين ألف لاجئ قدموا من الجليل، ما اضاف الى عدد سكانه الاصليين والبالغ مليوناً ومئتي ألف نسمة 14 في المئة دفعة واحدة. وقد أدى هذا الدفق الهائل من الفلسطينيين الى إحداث خلل ديمغرافي وفي التوازن الطائفي سوف يؤثر سلباً في ما بعد على استقرار الوضع السياسي، ولا سيما بعدما يتعدى عدد اللاجئين الفلسطينيين، بعد نحو عشرين عاماً، نصف مليون نسمة. هذه الهجرة الضخمة لشعب بكامله من مسقط رأسه في اتجاه البلدان المجاورة لن تلقي بثقلها إلا على لبنان، الذي باستقباله هذه النسبة الهائلة من العناصر غير اللبنانية سوف يتزعزع توازنه القومي وتحلّ عليه مأساة فظيعة، هددت في مرحلة ما، كيانه ووجوده ومصيره. ومع ذلك، فلدى تدفق اللاجئين العام 1948، ألقى الرئيس اللبناني بشارة الخوري، في 20 أيار 1948، خطاباً ترحيبياً بكل هؤلاء الفلسطينيين الذين بدأوا يتوافدون منذ 16 أيار على لبنان الذي فتح لهم صدره وأبوابه وقلبه. وبالفعل فإن جميع اللبنانيين بذلوا في هذه المناسبة جُلّ جهودهم لتأمين المساعدة والمأوى ووسائل العيش »لإخوانهم« الفلسطينيين. وفيما كان العرب ينصاعون لأوامر وقف النار، تابع الاسرائيليون اعتداءاتهم على السكان العرب ممارسين عليهم أقسى أنواع الارهاب والمجازر الجماعية، لدفعهم الى النزوح. وتدفق سيل اليهود من كل أقاصي الأرض وارتفع عدد السكان الاسرائيليين خلال تلك السنة من ستمئة ألف الى مليوني نسمة. وهو الرقم الذي كان هرتزل قد توقعه للأيام الأولى ولإسرائيل الصغيرة، بانتظار جمع سائر اليهود المشردين في العالم، وزرع ما يقارب ال15 مليوناً منهم في اسرائيل الكبرى التي يأمل أن تمتد من الفرات الى النيل. في 16 شباط 1949، انتُخب أول رئيس جمهورية للدولة الفتية: حاييم وايزمن. وعلى رغم أن الأعمال العسكرية كانت قد توقفت منذ 18 تموز 1948 وبرغم الضغوط القوية التي مارستها منظمة الأمم المتحدة والقرار (62) الصادر عنها بتاريخ 16 تشرين الثاني 1948، فقد استمرت المماطلات والتأجيلات والتحفظات بضعة أشهر، قبل أن تبدأ المفاوضات بين المتقاتلين على الأرض المقدسة. في بيروت، بدأت منذ مطلع العام 1949 لجنة التنسيق اجتماعاتها. وخلال تلك الاجتماعات، حاول العرب توحيد مواقفهم حول هدنة مشتركة مع دولة اسرائيل الحديثة العهد، إلا أن وجهات نظرهم كانت في الغالب متضاربة. وبرغم توصيات الأمم المتحدة المعلنة في 16 تشرين الثاني 1948 وجهود ممثل المنظمة العالمية المكلف بالتفاوض (الأميركي بانش)، فقد باءت هذه المحادثات بالفشل. أخيراً، استعادت كل دولة حريتها بالتفاوض المنفرد وتقرر ان يبحث في هدنات منفصلة. واختيرت جزيرة رودس لتلك اللقاءات الثنائية المتتالية. وقد افتتحت مصر تلك السلسلة من المحادثات مشكّلة نموذجاً يحذوه الآخرون وعنصر تشجيع لإبرام الهدنة التي فرضتها الأمم المتحدة على البلدان العربية. فكانت بذلك مصر أول الموقّعين في رودس بتاريخ 24 شباط 1949، على أول هدنة عربية اسرائيلية. ثم ما لبث ان تبعها لبنان، الذي باشر مفاوضاته مع اسرائيل في أول آذار في رودس واستمرت حتى تم التوقيع عليها في 23 آذار 1949 في رأس الناقورة، عند الحدود التي تفصل لبنان عن اسرائيل، وقد حملت هذه الهدنة الرقم س/1269. وقد تمّ الاتفاق على أن يعود كل من الجيشين الى الأراضي التي كان موجوداً فيها قبل بدء العمليات الحربية. هكذا أخلى لبنان المالكية التي كان قد احتلها في 5 حزيران من العام السابق. وقد قاد المفاوضات عن الجانب اللبناني العميد توفيق سالم رئيس الأركان، يعاونه ضابطان آخران هما المقدم جوزف حرب والنقيب منير حمدان، ثم وقع الثلاثة معاً على اتفاق الهدنة. وكان موظف رفيع المستوى من وزارة الخارجية هو محمد علي حمادة يكمل حلقة الوفد بصفة مستشار. أما الوفد الاسرائيلي فكان مؤلفاً من الكولونيل موردخاي مكليف ونياشمه بيلمان وشبطاي روزين. وكان الجنرال (Riley) ممثلاً منظمة الأمم المتحدة. ... وحصل يوم التوقيع التباس طريف، اذ وقع العميد سالم في خانة المندوب الاسرائيلي ووقّع الأخير في خانة المندوب اللبناني. أما الأردن فقد وقع في 3 نيسان 1949 في رودس، فيما كانت سوريا آخر الموقّعين حيث تم التوقيع بينها وبين اسرائيل في 20 تموز 1949 في المنحدر الرقم (232) بالقرب من مهانيم في فلسطين وليس في رودس. كان الموقعون عن الجانب السوري، المقدم فوزي سلو والمقدم محمد ناصر والنقيب عفيف بزري.