بين جامع بيضون وصيدلية بيرتي يمتد الشارع بارداً وقد ارتدى عباءة المساء موشاة بقطرات مطر سابق جاءت بشارة بمطر الليل الغزير. لم يكن في ذلك الشارع إلا لافتة كهربائية بيضاء تحمل الاسم، الى اليسار، وبعدها بقليل والى اليمين »حركة« تؤكد لك انك قد وصلت، ثم تلك الوجوه المرحبة، ورياض فاخوري الذي بدا أشبه بناطور الضوء. هبطنا مع السلالم الى القاعة الدافئة، وفاض نهر الصداقة بالود فكاد يستحيل الوقوف الى منبر حرصاً على الجو الحميم. لكم هم باهرون هؤلاء البخعازيون الذين نجحوا في أن يقيموا عشاً للجمال، في هذا الشارع التجاري البارد. »قصائد« رياض فاخوري تنثر أبياتها الملونة على الجدران التي تصاغرت لكي تمنحها أبعادها التي تقول ربما اكثر مما قصد رياض. البخعازيون يدورون متفقدين الحضور، وحشد رفاق الزمن الجميل يزدحم ساحباً معه الشوق والذكريات الطيبة والحنين الى ما لا يستعاد: أميلي التي تكتبنا وتكتب عنا جميعاً، ويونس الابن الذي يحولنا الى مقطوعات شعرية أحلاها تلك الصبية التي تعيد »نظمه« عبر ابنائها والاحفاد، وجان مشعلاني الذي عشي بصره وهو يقرأ غيب المستقبل في رحم الماضي، ومعه جان شاهين الواقع في »الشبكة« برغبته.. ياسين رفاعية يحتضن »أمله«، وشاعر الحنين الى الأرض و»سلوى« مارون كرم، وسامي الرفاعي الذي جاءه الفن في سن النضج يستحضر فنه بقيافته وتعليقاته، وبعض الزملاء الذين دخلوا الصحافة من باب الثقافة مثل يحيى جابر وزاهي وهبي، ثم كوكبة من الذين يلوذون بعش الجمال ذاك يعطونه ما يوفر له الحماية ويأخذون منه شحنة من الأمل بالغد. لكم هي متعددة مواهب هذا الآتي من بيت شباب بعبق الحبق ورنين الاجراس والحامل على رأسه »قندولة« علقت به في الطريق لتحمل عنه بعض أثقاله. تكاثفت العاطفة فألغت المسافة، حتى إذا سرى صوت ماتيلدا فرج الله بما اختارته من نصوص الهوامش سمعه الحضور بقلوبهم خصوصاً وقد حولت شعراً ما ليس بالشعر بما اضفته على الكلمات من رجع الحنين وهمسات الوعد بالأجمل. هنا نص المداخلة التي ألقاها طلال سلمان في غاليري بخعازي بعنوان »هوامش على الحياة الادبية« مساء الخميس الماضي: »الشعراء يتبعهم الغاوون.. ولقد رغبت في ان اكون من بين الغاوين فتبعت الشعراء حتى وجدتني اركب هذا المركب الخشن وأقف هذا الموقف المحرج امام لجنة فاحصة صارمة لم أقدر يوماً انني سأؤدي أمامها الحساب عن غواياتي ومعابثاتي وعن صداقاتي لبعض من تصادف أنهم من الشعراء. لذا فإن فاتحة كلامي هي الاعتذار عن انتحال صفة ليست لي وإن كنت حلمت بها ولم أنلها. لقد كان بين احلامي ان اكتب في الأدب، رواية او قصة او ان ارتقي الى مصاف الشعراء، ثم ألزمني النقص في الموهبة بأن اكتفي بمقعد في صفوف القرّاء المتذوقين، حتى جاء صديقنا رياض فاخوري فورطني وورطكم وكان هذا اللقاء.. ولعل بين ما يخفف عني العقاب وإن لم يغفر لي، انه قل في هذه الايام من يشتغل شغله الأصلي، فالمهرب نائب، ورجل الدين يصارع السياسيين على ملاعبهم، والمهندس شرطي، وأمير الظلام مسؤول عن التنوير، والتشريع لجمهورية الوحدة الوطنية في أيدي الطائفيين والمذهبيين، والتخطيط في أيدي المقاولين، والتمويل في الباطن، والشعر غب الطلب، وصندوقة الاقتراع في عهدة المزورين، ولوائح الشطب بأيدي حفاري القبور لكي ينصروا الديموقراطية بالاموات ويقهروا الاحياء بإرهاب التزكية الغراء. أما بعد... فإن مهنتنا، الصحافة، تحكمنا بالمتابعة. ليس من حق من يمارس الصحافة ان يقول انه لا يعرف، او انه لم يقرأ، او انه لم يسمع بالخبر او بالحكاية، بل عليه ان يرويها كاملة وبالأسرار المغلقة جميعاً وبالاسماء مكشوفة كالخطيئة. وتحكمنا الصحافة بالاطلاع »الافقي« وإن ضاق وقتنا معها عن القراءة المتأنية، خصوصاً لنتاج المبدعين من صناع الوجدان والمطلين على فجر الغد. اما في زمن السقوط والتردي السياسي الشامل، بكل آثاره المدمرة على الافكار والقيم الاجتماعية والدورة الاقتصادية والنشاط الانساني عامة، فيضاف الى همومنا الثقيلة عبء الحفاظ على البديهيات وعناصر التكوين الأصلية للمجتمع ومقوّمات الحوار، وبينها على سبيل المثال لا الحصر: اللغة. إننا نعيش في قلب ليل الليل: ننظر فلا نرى، وإذا رأينا لم نستوعب، وإذا ما رأينا ووعينا واستوعبنا عجزنا عن الفعل فلجأنا الى التحسر والندب ونظم قصائد الرثاء في زين الشباب الذي لم يمتع بالشباب! لقد خرّب التردي السياسي كل شيء في حياتنا. الارض مليئة بجثث الاحلام المحترقة، والنضالات الموؤودة والافكار التي اغتيلت وهي في كمونها كأكمام وردة همت بالتفتح ثم ضربتها ريح صرصر فبعثرتها أشلاء معطرة. كل شيء يتهاوى امامنا وبين ايدينا، بينما الانسان في العالم يتجاوز ذاته بقوة اكتشافاته العلمية، كل يوم، فيحرق العصور والقرون وليس المراحل فحسب، متقدماً الى حيث لم يكن يصل بأحلامه قبل سنين معدودات.. ونحن نقعي على مؤخراتنا كالبُلهاء، نتفرج على هزائمنا في C.N.N، ونتعرف على ما يدبَّر لمستقبلنا في الانترنيت، ونسمع نعينا على التلفزيون الاسرائيلي، فنحزن ونغير المحطة بجهاز التحكم نحو دولاب الحظ، ونراهن مجدداً على واحد من الأرقام لعلنا نربح احدى الراقصتين وكفى الله المؤمنين شر القتال. لم يتبق لنا الا شيء من الطموح الثقافي، نحاول به استعادة اعتبارنا لذاتنا وتأكيد اهليتنا بأن نكون من اهل هذا العصر وفيه. ولأنني من المهتمين بالشأن الثقافي عموماً، بالرغبة والميل والهوى، قبل مهنة الصحافة وعبرها، فلسوف اسجل امامكم بكثير من التهيب ملاحظات سريعة على هامش الحياة الادبية، معتذراً سلفاً عن التسرع او الابتسار او السطحية، فما أنا من اهلها المبدعين ولا من المتعمقين في مدارس النقد، وإنما انا مرة اخرى من الغاوين الذين يتبعون من يغوي القلب والعين والقلم واللسان والنفس الامارة بالسوء.. خسارة الشعر بين هذه الملاحظات: 1 اننا خسرنا الشعر، ولم يعوضنا الشعراء خسارتنا. كان الشعر نوعاً من الرباط المقدس بين العرب، يعبر عن وحدة الوجدان وعن سمو اللغة وقدراتها العظيمة ويؤكد جدارة الشاعر بتمثيل مجتمع ما دام يعبِّر عن وجدانه وبأرفع مستوياته الثقافية الموحدة. ولم تكن مصادفة ان تحتل القصائد الممتازة للشعراء الكبار صدور الصفحات الاولى من الصحف، فهي كانت الافتتاحيات الجامعة والتي تخاطب الناس جميعاً، في المشرق والمغرب وبين بين، متجاوزة انقساماتهم الطائفية وخلافاتهم السياسية وصراعاتهم المحلية. كانت مؤشراً على اتساع ارض اللقاء، التي تبدو الآن متروكة للريح. وعلى مر التاريخ، فقد حفظ لنا الشعر بلسان شعرائنا الكبار تاريخنا. ومؤكد اننا عرفنا انفسنا من خلال الشعر بأكثر مما عرفناه من قصائد النقط التي لا تقول لغير صاحبها شيئاً. 2 اننا فقدنا الاتصال وهجّنتنا القطيعة، فأنكر الأخ أخاه وأنكرنا مجتمعين ما يجمع بيننا، وهو اللغة ونتاجها الابداعي. انقطع العرب عن العرب، فصار لكل قطر أدبه. ووجد من يغذي هذا الانقطاع ساحباً المفاهيم السياسية المستولدة حديثاً على النتاج الادبي، فسمعنا من يتحدث عن الادب الخليجي وعن الادب المغاربي والادب المصري والادب اللبناني او السوري او الفلسطيني او حتى الثقافة اللبنانية والثقافة المصرية الخ.. زادت المهرجانات والمناسبات الاحتفالية ولم يتوطد الاتصال. 3 لعبت الرواية العربية دورا رائدا ومتميزا في تعريف العرب بعضهم ببعض، لكن الرواية الآن نادرة. كذلك فإن القصة القصيرة التي التمعت كنجمة صبح في السماء الثقافية في الخمسينيات والستينيات الى تراجع. 4 تزايد الابداع في مجال الفن التشكيلي بأكثر مما تزايد عدد المتذوقين، ودخل مال النفط الميدان فضرب المقاييس جميعا وحول الكثير من المبدعين الى مهندسي ديكور. صارت اللوحة من ضرورات تزيين القصور، فذهبت الى القادرين على الشراء بأكثر مما ذهبت الى مقدري الفن وغالبيتهم الساحقة من الفقراء الذين لا يملكون في بيوتهم جدرانا فسيحة تتسع للاعمال الكبيرة. اللوحات الاجمل في المصارف. والمنحوتات الابدع في قصور اهل النفط. وكتب التراث مرصوصة على ارفف مكتبات خشبها من الابنوس، يأكلها الغبار في بيوت الجهلة الذين يدفعون عنهم تهمة الجهل بتعظيم حجم المكتبة في دورهم ذات الهندسة الغربية الانيقة. صارت اغلفة الكتب جزءاً من الديكور، أما مضمونها فللفئران. وفي كثير من دور اغنياء الحروب او النفط ترسم أغلفة الكتب رسماً، اذ المطلوب الشكل لأنه يغني عن المضمون. التلفزيون الشرير 5 ثم نجيء الى التلفزيون ودوره الشرير في ضرب الثقافة وتعميم الجهل ومسخ الذوق العام. من منكم سمع عبر التلفزيون قصيدة؟! او تعرف الى شاعر او اديب مبدع؟! من منكم جلس يتابع نشرة ثقافية تعرفه الى وجوه الابداع المحلي او العربي او العالمي عموماً، في مختلف مجالات النتاج الثقافي؟! لقد اوقفت جميع البرامج الثقافية في محطات التلفزيون اللبنانية كافة.. وحتى ذلك البرنامج الجيد الذي كان يقدم كتابا كل يوم في ثلاث دقائق، اوقف مع انه لا يروي الغليل، وأضيف وقته الى برنامج منوعات او لعبة حظ جديدة. ان التلفزيون يخرب ذوقنا، لكنه اولاً يدمر لغتنا الجميلة.. تساعده في ذلك وسائل الاعلام الاخرى مرئية او مكتوبة وبينها الصحافة. انه يغلّب التفاهة على الابداع، ويروِّج للسخافة على حساب الذوق العام، ويشوّه اللغة، ويزرع مجموعة من المفاهيم الخاطئة والمضللة الكفيلة بتدمير عالم بكامله. 6 أما الغناء فحدث عنه ولا حرج. وإذا ما تجاوزنا انكر الاصوات فكيف يمكن تجاوز الكلام المنحط، الذي يوجه ضربة قاضية ليس فقط الى اللغة بل اساساً الى الحب بكل نبله. كيف بالمبتذل من الكلام واللحن والنشاز في الصوت والأداء يمكن التعبير عن أرقى وأسمى المشاعر الانسانية؟! لقد حفظنا أغاني محمد عبد الوهاب وأم كلثوم وفيروز لأن الشعر فيها، ومن بعده الصوت واللحن، كان يشدنا الى حيث الزهر والندى والوجع المغزول حلماً باللقاء. ولعلنا عرفنا احمد شوقي والاخطل الصغير وابراهيم ناجي وأبا فراس الحمداني وإيليا ابو ماضي وجبران خليل جبران، كما عرفنا احمد رامي وبيرم التونسي والرحابنة ومن ثم نزار قباني من خلال الحب المرسل رقراقاً بأصوات ملائكية بأكثر مما عرفنا اولئك الشعراء من دواوينهم، بل لعلنا ذهبنا بعدها الى الدواوين. 7 كتبنا فلم تقرأوا.. قرأنا فلم تطبعوا.. يشكو الكتّاب، ومعهم دور النشر، من ضآلة التوزيع. ومع ان أعداد النسخ المعلنة رسمياً لبيع امهات الكتب العربية، وفي مجالات الابداع والنتاج الادبي، تكاد تكون مخزية، الا ان تحول معارض الكتاب السنوية في بيروت كما في القاهرة ودمشق الى تظاهرات (غير مرخص لها طبعاً ولكنها شرعية) يدل على ان القارئ موجود ولكن الطريق الى الكتاب مقطوع. فبين الرقابة الرسمية وتعنتها وضيق افقها وتجسيدها لخوف الحاكم من الكلمة ومن قارئها، وبين مصاعب التوزيع وكلفته العالية إذا ما اضيفت اليها اجور الشحن، وبين تلاعب بعض الناشرين بإعادة النسخ المطبوعة والعمولات، وبين مصاعب تحصيل المستحق من أثمان الكتب.. بين هذه وتلك من المشكلات تضيع الكتب ويضيع المؤلفون والقراء، وتزداد نسبة الأمية ويتزايد تردي الذوق العام. لقد خشّبت الرداءة او التردي او الانحطاط في الحياة السياسية لغتنا، وجعلتها محدودة ومحدودبة الظهر مثلها، وأعطتها الكثير من عجزها ونقص الخيال بل العقم والشخصانية وأسباب المرض الكامنة في سياسيينا. لقد غادرنا مواقع الجمال والغنى والجزالة في هذه اللغة الرقيقة والفياضة بقدراتها على التعبير عن الارق من احاسيسنا والاعظم من أمانينا. ان مجموع الكلمات التي نتداولها يومياً محدود جداً، مبنى ومعنى، وهي ركيكة غالباً، ومستخدمة في غير موضعها، إلا نادراً. لقد تيبّست الكلمات وانتُهك المعنى ووئد الشعر فبتنا قطعاناً خرساء، نتفاهم بالهمهمة او بالغمغمة ولذلك لا يعمر تفاهمنا ولا يمكن البناء عليه. كم من أبنائنا يعرف لغته ويستطيع ان يعبر بها عن عواطفه، عن افراحه وأحزانه، عن بهجته او سعادته او بؤسه. كم منهم يستطيع الارتقاء بعواطفه وتذوقه للجمال الى مستوى ما تتيحه له؟! حبّ مستورد إن لغتنا أرقى منا. لهذا فنحن لا نعرف كيف نعبر بها عن أنفسنا. إننا نعيش خارجها في غربة التأتأة. اننا نستورد المشاعر ووسائل التعبير كما نستورد الاعياد والبضائع وعلب الفول المدمس والبطاطا المقلية! حتى الحب بتنا نستورده جاهزاً بقديسه وطقوسه وهداياه المصنعة، كأننا لم نعرفه من قبل ولم نأخذ منه معنى أعمارنا والأجمل من ايامنا والابهى من ابنائنا. قطعنا شجر البيلسان، لم نزرع الياسمين، وأهملنا ري الورد والقرنفل، ورمينا عن النافذة اصص الحبق والعطر والزنبق، وضعنا عن النرجس والفل بينما الشذى يعطر الافق كله، لكننا فقدنا حاسة الشم أيضاً. كان الحب هو العيد، فبات للحب عيد سنوي عالمي لا يكون إلا فيه. لا أتقن الكثير من اللغات، لكنني اتعشق لغتي ويؤسفني أنني لا اعرف منها إلا هذا القدر. فهي الغنى وهي مجمع المعنى. هى أرق من حلم وأندى من الموعد الاول وأبقى أثراً من القبلة الاولى. هي جناح فراشة لو احببت، وهي السيف متى أحوجك زمنك الى السيف. وكما كنا نهرب بحبنا الاول الى خميلة أو عريشة او سقيفة تدارينا عن العيون، كذلك نهرب الآن بلغتنا او ما تبقى منها الى الهوامش، بعيداً عن المتن الذي احتله الجهلة من حكامنا والمتحكمين بأذواقنا في الوسائل المهيمنة على السمع والبصر وأوقات الفراغ. ليس لي من الشعر إلا تذوقه. وليس لي من الجمال إلا التعبد له. أما الحب فلا حياة إلا به، وما يخلو منه هو العدم. لا إنسان من دون الحب. من لا يحب من أول العمر والى آخر العمر وعلى مدار العمر يعِش ولكنه لا يحيا. ونحن أبناء الحياة نذهب بالحب اليه ونعيشها فيه. وليكن الحب سلامنا وأرض اللقاء.