As Safir Logo
المصدر:

الشيخ محمد خليل الزين:ورحلة النجف العلمية الطويلة

المؤلف: الحر عبد المجيد التاريخ: 1997-02-19 رقم العدد:7622

أجل، انه الدرة الثمينة، من لآلئ العقد الماسي، في سلسلة العلماء والاعلام، المختزنة وهج إشعاعهم النوراني مكنونات التراب العاملي، الاصيل حسبا ونسبا، وفكرا خلاقا، وإبداعا عقليا، تتصدر ساحق رفعته قمتان: قمة الشريعة السمحاء، وقمة العلم الذي لا يهتك بابه، ولا يرد طالبه. ايه يا نفس، كيف يطيب لك العيش، وتحلو الحياة بمرها، وقد هوى احد كواكب الشعلة المضيئة بعلماء عاملة الابرار، الدائرة في فلك القيم الروحية الخالصة لوجه الله، العارفة بعلم الاولين والآخرين، المستنبطة لأحكام شريعة الدين الحنيف بذكاء ندر مثيله، وعمق أحكام قلَّ نظيرها، وتواضع نفس ماتت شهواتها، يمشي جسدها على الأرض هَوْناً، وإذا خاطبها الجاهلون قالت سلاما. بمثل هذه السجايا الندية الصفات غادر آخر علماء السلسلة الذهبية العاملية، سماحة العلامة، المغفور له الشيخ محمد خليل الزين عتبات سرادق هذه الفانية، الى رحاب روضات جنان تلك الخالدة، بنفس آمنة مطمئنة تسعى الى ربها راضية مرضية. بيد ان القلم الذي يكاد يجف مراده، وقد احس بالوحدة والغربة، بعد غياب آخر نجم من سماء الجبل العاملي، الذي كان بالامس متوهجا بأنجم الرعيل الفذ من خيرة أساطين خلفة الانبياء تقطر مع صريره الحزين، دمعة لوعة وأسى، مع رؤية عالم يهوي من عليائه. المفعم بذخيرة ما صفا ذكره وقد توهج من حوله تراث أمة بكاملها، لا تزال حتى يومنا هذا، تهتدي به، وبمن كانوا يحفون به أتقياء أنقياء. وهذه الدمعة تحمل فراق اعوام سمان، تجلببت ذكرى العلامة الراحل، سماحة الشيخ محمد خليل الزين وهو فتى يتوقد فطنة وذكاء، وقد يمم وجهه شطر جامعة النجف الاشرف، وحاضرتها المضمخة بعطر فوح مقام إمام البلغاء وسيد العظماء (علي) عليه السلام، ينهل من معينها العذب، مع رفقائه العلماء، ذخيرة الدين والدنيا، وبهجة الحياة، معرفة وإرشادا واجتهادا. ويعود الى جبل عامل مع الفوج المضمخ بكنوز الفقه والشريعة السمحاء، والادب الرفيع، من ابناء بعض العائلات لينشر أريج فوج ذلك العلم، في الربوع العاملية، الممتد إشراق ساطع توهجها النير، الى جميع أقطار وأمصار البلاد العربية والاسلامية. وحين أنس سماحة العالم الراحل استقرارا للنازحين العامليين في عاصمة لبنان بيروت، شد رحاله اليها، ليكون الى جانب جيله، يأخذ بيدهم ويمدهم بالصبر على تحمل مشاق الدنيا، وشظف العيش الممزوج بمرارة الكد وعناء المجاهدة. وكان وهو يشرع بابه في محلة البسطة التحتا اولا، وفي رأس النبع آخرا، لكل سائل فتوى، او طالب معرفة، او ملهوف لحاجة، او متعطش الى سد رمق، او قطرة إغاثة تبعد عنه شبح الضياع، يفكر كيف يلملم اطراف أذيال إخوانه العلماء في حاضرة يلتف حولها المتفرقون مكانا وأحياء، ليرشفوا من معين علمهم، ويستعينوا بهمة عطائهم للصمود في وجه الشتات. وكان أن وفق معهم الى إنشاء جمعية الهداية والارشاد، التي يحضرني من أسماء مؤسسيها سماحة الأجلاء العلماء: الشيخ عبد الكريم الحر، والشيخ حسن الخطيب، والسيد نور الدين شرف الدين والسيد حسين الحسيني، والشيخ محمد علي قبلان، والسيد علي محمد ابراهيم، وغيرهم ممن لا يحضرني ذكرهم. وكان سماحة الشيخ محمد خليل الزين لولب هذه الجمعية الدائر في علاقاتها العامة، وتعريفها الاعلامي، وصلاتها الزمانية والمكانية ومتضرعاتها العلمية والدينية، وتجمعاتها المادية والمعنوية للصلاح والاصلاح. ومن منحى ذلك الجمع العلمائي، نشر صلاته الحميمة مع الموفدين لجمع الكلمة، وإصلاح ذات البين، بين سائر المذاهب الاسلامية، لتوحيد كلمة المسلمين، في مجلس شرعي أعلى يضم نخبة مصطفاة من العلماء النيرين المستنيرين: سنة وشيعة مناصفة، لتكون بهم الوحدة في جسد واحد، اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الاعضاء. وقد كاد يوفق مع من اعانوه وأعانهم، من رجال السياسة والدين، لولا طارق لا طاقة لردة في الساعات الاخيرة من الانجاز، حال دون التمام والاتمام، وكانت المحاكم الشرعية على اختلافها تشهد له مناظرات ومحاورات فقهية وأصولية تسد فراغ استنباط الاحكام التي تجمع المختلفين والمتنازعين حول طلاق او زواج او إرث.. الخ. فتبعد عنهم كأس التفرقة والفراق. ولعل مكتبته التي قل نظيرها بجمع امهات المخطوطات والمجلدات والاسفار وأصول القوانين الشرعية والوضعية، والتي لا تزال الى يومنا منتشرة في منزله: في بيروت وجبشيت، تشهد له بعلو الهمة، في احضار أجلّ المصادر والمراجع الفقهية، الى القضاة الشرعيين والوضعيين ليستعينوا بها في استنباط الاحكام التي تساعد في إصلاح ما فسد، وسد ثغرات البين، بين المتخاصمين. ومن اجل ذلك كانت له رحلات جمة، متصلة السنين الى سائر الاقطار والامصار المحيطة ببلد النور لبنان، يجمع منها ما قل نظيره وغلا ثمنه من المخطوطات والمطبوعات التي يغني بها الحركة المتمحورة حول الدراسات والابحاث، كما يسد ثغرة اجتهاد في حكم، او نزاع جدال في أصل، او فراغ علة في شرح. ولا أغالي اذا قلت، انه أصبح مقصد كل باحث عن أساس لبحث عرف عنوانه وفقد محتواه، او ناشط لجمع شتات فصول مدارك علمية، حضر بعضها، وفقد كثيرها، فاستعين به لإحضار ذلك الكثير. وكم جاءه طلاب علم، يسألونه العون في الحصول على مراجع، يرجون الاستعانة بشواهدها، وأساس قواعدها وتعرفاتها، فيلبي سؤالهم بهمته التي لا تعرف الكلل، وجدته التي لا تعرف الملل. ويقول الكثيرون ممن هديتهم الى دارته في بيروت، او تلك التي في جبشيت، لإغناء أبحاثهم الجامعية التي كنت أشرف عليها في الجامعة اللبنانية لمصادر ومراجع مكتبته، انهم كانوا يرون في بيت سماحة الشيخ الراحل ما يشبه الجامعة من طلاب علم يسألونه العون، لمدهم بما غاب عن مكتبات جامعاتهم وهذا دليل أكيد على الجهد المشكور، الذي بذله من نفسه ونفيسه، في سبيل إغناء ناشئتنا، بما يمنع عنهم الفشل في الوصول الى الغاية والإحباط في السير الى النهاية المرجوة الهدف. وإذا كنا أنسنا في سماحة الشيخ الجليل همّة عالية في جمع كل غالٍ ونفيس، من المؤلفات الضخمة النفيسة فإننا أدهشنا إعجابا وتقديرا بما وفره لنا في أسفاره العلمية من علاقات اجتماعية ربطت شطر لبنان المقيم، بشطره المغترب عن طريق الصلات الحميمة التي ربط عرى وثائقها بين الشطرين. كما انه ألف بين حناية المفكرين والادباء والكتاب العرب وبين اخوانهم اللبنانيين فجعل التقارب المتبادل التأليف والكتب والمراسلات، يؤلف بين القلوب ويشيدها بأواصر الاخوة العلمية والانسانية والسعي الى الوحدة في الهدف والمصير المشترك. ومن شاء ان يرجع الى الصحف والدوريات في حقبة الخمسينيات والستينيات، وأوائل السبعينيات لهذا القرن العشرين، لعثر على الكثير الكثير، مما كتب فقيدنا سماحة الشيخ عن مؤسسات علمية وإدارات رسمية مدت اواصر العلاقات الحميمة العلمية مع نظيرتها في لبنان، عن طريق ما سعى سماحته لجمعها، وربط علاقة بعضها بالبعض الآخر، ولعل العمر المديد الذي عاشه منذ ولادته سنة 1909 ميلادية حتى انتقاله الى الرفيق الاعلى يوم الاثنين 13 كانون الثاني سنة 1997، أعطاه حقبة زمنية، فيها المنحة المترامية لعمله الدؤوب في سبيل العلم وأهله. كما انه أفاد من عزيز اطلاعه، وموسوعية معرفته، للوصول الى منال علمي، مكّنه من تأليف العديد من الكتب في مختلف الموضوعات الكثيرة الصلات بالدين والدنيا، ومنها على سبيل المثال الاصول والفروع الاسلامية تاريخ الفرق الاسلامية. ولما كنت شديد الصلة بسماحة الراحل الجليل، عن طريق العلاقة الاخوية العلمية والانسانية، ورفقة الزمالة النجفية التي تربط بينه وبين والدي العلامة المرحوم الشيخ عبد الكريم الحر، فإن ما اختزن بذاكرتي عن حياته الحافلة، بكل نادر ونفيس، لا تسعه هذه الاسطر التي لا تسمن من معرفة مما قدم وأعطى، ولا تغني عن مقالات ومؤلفات تظهر كفاءته الجهادية، في المعرفة الفقهية، والمحصلات العلمية والعطاءات الاجتماعية، بل يتطلب ذلك سوانح مستقبلية، تمدنا بالوقت الكافي، لنشر ما ثقل حمله وغلا ثمنه عن حياة درة العقد الثمين، التي بفقدها تهاوى من علياء الشعاع السماوي، نجمّ ثوى من لألاء نوره، فثلم في الاسلام ثلمة، هيهات ان تسد ونحن نعلم ان العلماء خلفة الانبياء وبفضلهم يُفقد ركن، ويهدم صرح، وتغيب شمس، ويعم ظلام. في جنة الخلد يا سماحة الخليل، وفي دار النعيم يا زين العلماء، والى مثواك الاخير تحف بك ملائكة الرحمن، وشآبيب الرحمة. * أستاذ في الجامعة اللبنانية.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة