في كل مرة تخرج فيها الانواع الأدبية عن مجاريها التاريخية التقليدية، وتحفر مجاري جديدة خارج اطار الضفاف التي ميزتها عبر التاريخ، يقوم النقد برصد هذه المجاري، وتقصِّي كمّ الخروج ونوعه، متلمساً معالم الابداع، قائساً درجاته في هذا النوع او ذاك، ولا فرق ان كانت عملية الرصد والتقصي والقياس عاجلة او آجلة، ما دام الاثر المرصود قد تشكل او اتخذ ملامحه والقسمات. فالتبكير في النقد او التأخر فيه ليس مهماً بقدر اهمية النتائج التي تتمخض عنه، والتي ترتبط بمنهج النقد وأدواته، اكثر من ارتباطها بزمنه، بل قد يكون التأخر عنصراً ايجابياً يتيح للناقد الاطلاع على ما سبقه من نقد، فيصوِّب اذ ذاك، نظرته الى الاثر المنقود، وتأتي نتائج القياس اكثر دقة وموضوعية. من هذه الشرفة يمكن الاطلالة على الكتاب الجديد »جسور الحداثة المعلقة« للدكتور سامي سويدان المتضمن نقداً جديداً لنصوص قديمة حديثة، والمتمظهر في مقدمة وثلاثة فصول وملحق. فما الذي ينقده المؤلف وكيف يفعل ذلك؟ محطات يتناول سويدان في كتابه ثلاثة آثار ادبية تنتمي الى ثلاثة انواع مختلفة، ويشكل كل اثر ذروة معينة في انتاج صاحبه، وعلامة فارقة على مستوى النوع الذي ينتمي إليه. مثل هذا التقويم للأثر قد يأتي في مقدمة الدراسة المتعلقة بالنص، ويقوم الباحث بالبرهنة عليه في سياق الدرس، وقد يأتي في نتيجة العمل النقدي، وقد يجمع بين الموقعين. وقبل الولوج الى مقاربة كل عمل على حدة، نشير الى ان سويدان يعرض في المقدمة رؤيته للحداثة وحقل معركتها وقضاياها ومقارباتها، فيرى انها »عملية تطور مفتوحة أبداً«، تسعى الى مواكبة التطورات وتخطّيها، ويضيء رؤيته بمفردات من قبيل: تحدٍّ مستمر، تحول وخروج، انعطاف وانحراف؛ ما يوحي ان الحداثة معركة دائمة واستجابة داخلية لتطورات خارجية تنفعل بها وتفعل فيها، ويحدد العدو في هذه المعركة زمنياً بالماضي والحاضر، وقيمياً بالأحكام الجمالية الموروثة والتطورات الجارية الراهنة. ويحدد زمان المعركة بكل زمان يحدث فيه احتكاك بالغرب الرأسمالي، متوقفاً عند ثلاث محطات حصل فيها هذا الاحتكاك الاصطدام هي الحرب الاولى والحرب الثانية وهزيمة العام 1967، معتبراً ان النتاج الابداعي لهذه المحطات كان يشهد صراعاً بين التطلع الى الغرب من جهة والتشبث بالتراب من جهة اخرى. وهنا، نتساءل: هل هذه المحطات هي الوحيدة التي تم فيها الاتصال بين العرب والغرب؟ وبالتالي، لماذا البدء بالحرب الاولى والقفز فوق محطات سابقة كثيرة؟ ثم، ألم يشر المؤلف الى ان مسألة الحداثة اخذت تطرح في المساهمات الابداعية والنقدية منذ القرن التاسع؟ وبعد هذا التحديد لأرض المعركة ومكانها وزمانها يتوقف المؤلف عند القضايا التي أثارتها الحداثة بدءاً من قضية التحرير الاجتماعي والابداعي، مروراً بقضية الجِدة والطرافة التي جعلت النتاج الابداعي يسقط في تقليد الغرب ومحاكاته، فينتقل من تحت دلف التراث الى تحت مزراب الغرب، وصولاً الى قضية الرسالية التي انعكست في النتاج الحداثي اهتماماً بالاساطير والرموز. على ان المؤلف في مقاربة الحداثة ونصوصها يستخدم بعض مفردات الخطاب الماركسي في تحليل الظروف التاريخية المنتجة لها واستخراج الدلالات العامة منها. وهو في تحليل هذه الظروف وإفرازاتها لم يسلم من الخلط والتشوش في استخدام المصطلحات، فإذا به يصنف الاعمال المتشبثة »بالقيم والاساليب التقليدية المتوارثة« في خانة »الإنتاجات الإبداعية الحديثة«، فيخلط بين التقليد والإبداع وبين القديم والحديث (ص12). »ما تبقى لكم« ومن المقدمة الى الفصل الاول، يتوقف سويدان عند الثورة والتجديد في النص الروائي الحديث من خلال، رواية »ما تبقى لكم« لغسان كنفاني. فيحاول القيام بدراسة منهجية لإظهار تراثها الدلالي وشعريتها أو روائيتها، منطلقاً من الإشارة الى انعطاف دلالي وسردي تحققه الرواية، منتقداً القراءات السابقة لها وما يعتورها من مغالطات وسوء تأويل يردها الى المنهج الذي اتبعته، فعلى المستوى الدلالي يتملى سويدان الدلالة العامة للرواية من خلال شخصيتي حامد ومريم، ويستخرج من الوقائع والمواقف والايحاءات التي تتعلق بالصراع الفلسطيني الاسرائيلي مسقطاً الخاص على العام، رابطاً ما بين الشخصي والتاريخي باعتبار ان العمل الروائي انعكاس لمحيطه، يتأثر به ويؤثر فيه. غير ان الناقد قد يحمّل بعض الشخصيات اكثر مما تحتمل ويغالي في استخراج الدلالات العامة منها، ولا سيما في تحليله لشخصيتي حامد ومريم حيث يرتقي بهما الى مستوى الرمز في الوقت الذي يفتقران فيه الى مثالية الرمز ومواصفاته. أما على المستوى الشعري الروائي الفني فيرى المؤلف ان الرواية تشكل انعطافاً في المسار الروائي العام. وإذا كان كمال ابو ديب يرى ان الشعرية تقوم على التضاد، فإن الناقد يدخل الى شعرية الرواية او روائيتها من هذا المدخل، فيرصد التضاد والتعارض بين الشخصيات والمواقف والأزمنة والامكنة متوقفاً عند تعدد الرواة في الرواية وتداخل أصواتهم وحركاتهم المتقاطعة، الملتحمة، المتمازجة، رابطاً بين بنية الرواية وبنية المجتمع الذي تعبِّر عنه. ومن اجل تلمس جمالية الرواية يدخلنا سويدان في عمليات إحصائية معقدة للمتتاليات السردية وفي رسوم بيانية يدرس على ضوئها الدلالات وأحجام الشخصيات، وتعكس هذه العمليات جهداً كبيراً من قبله تفكيكاً وتبويباً وتحليلاً واستنتاجاً، غير ان مقدار الجمالية الذي يقبض عليه هو اقل بكثير من ذلك الجهد المبذول. ولعل الاغراق في الاحصاءات والرسوم يحجب من جمال النص اكثر مما يكشف. »بيادر الجوع« في الفصل الثاني من الكتاب يقارب سويدان نوعاً أدبياً مختلفاً، فيدرس كلاسيكية الحداثة في الشعر العربي من خلال مجموعة »بيادر الجوع« للشاعر خليل حاوي، تلك التي تمثل اقصى درجات تجربته الإبداعية المتميزة كما يرى. ويهدف الى الاحاطة بالابداعية الشعرية المتميزة في القصائد. ولتحقيق هذا الهدف يقوم بدراستها على المستويات الدلالية والرمزية والجمالية محاولاً الامساك بخيط الشعرية الذي ينتظم هذه القصائد، غير انه يمهد لدراسته بنقد القراءات السابقة للمجموعة، محاولاً، عن قصد او غير قصد، الظهور عليها، ولا يتورع، في سياق هذه المحاولة، عن وصف قراءة حسين مروّة لها »بالترهات«، فهل يدخل هذا الوصف في باب الخطاب النقدي العلمي الذي يعتمده المؤلف؟ مهما يكن من امر، فإن الدراسة على المستوى الدلالي تكشف عن تماثل بنيوي في الرؤية المأسوية بين القصائد الثلاث، حيث تقوم كل منها على التضاد بين قطبين دلاليين: ايجابي ماضٍ، وسلبي حاضر، تتصاعد فيه سيطرة القطب الثاني تدريجاً حتى تطبق على القصيدة الثالثة، ويبلغ الموقف الفجائعي الذروة. غير ان هذه السلبية تختلف من قصيدة الى اخرى كما يرى سويدان، فهي فردية في القصيدة الاولى، واجتماعية في الثانية، وحضارية في الثالثة. ولا تستقيم دراسة المستوى الدلالي من دون التوقف عند مكوِّن رئيس من مكوناته هو الرمز، فيرى سويدان ان الرمز مستوحى من التراث، غير انه يتحول في الاستعمال تحولاً جذرياً يكاد يقلبه الى نقيضه. وفي دراسة المستوى الجمالي يرصد المؤلف حركات القصائد ويتلمس تضافر المستويات المتعددة في تشكيل الجمالية الشعرية. وقد ينطلق من الايقاعي والتركيبي ليستخلص دلالات معينة، ومن الذاتي الخاص الى العام، يستنتج ان ائتلاف المستويات هو الذي يعطي المجموعة شعريتها وجماليتها غير ان سويدان كثيراً ما يغرقنا في التفاصيل والجزئيات فيحول بيننا وبين رسم الصورة الكلية للقصائد، فينجح في التفكيك من جهة ويفشل في التركيب من جهة اخرى، وتتسرب الجمالية من يده كما الماء من بين الاصابع. »حفلة سمر..« الفصل الثالث والاخير في الكتاب يفرده سويدان لمسرحية »حفلة سمر من اجل 5 حزيران« لسعد الله ونوس، فيبدي في المقدمة ملاحظات منهجية مفيدة في مقاربة العمل المسرحي، مميزاً بين التعليمات المسرحية والنص، محدداً الهدف من دراسة النص المسرحي ب»بلورة خصوصيته وجماليته المتبدية بشكل خاص في الاستعراض المشهدي للصراعية الدرامية التي يقوم عليها؛ وذلك من خلال تقصي اوضاع بنيته الدلالية العامة والخطاب المعتمد فيه تعبيراً عنها«. (ص120). وإذ يخص اعمال سعد الله ونوس بموقع متميز بين الكتابات المسرحية العربية، يرى فيها متابعة للمنحى الالتزامي في هذه الكتابات، ذلك انها تطرح القضايا العربية الأكثر راهنية وأهمية بأساليب فنية أكثر ملاءمة وإثارة. وبالعودة الى المسرحية موضوع الدراسة يرى سويدان انها »علامة فارقة في اعمال ونّوس تستدعي التوقف عندها وتملّي دلالاتها وجمالياتها«. (ص113) فعلى المستوى الدلالي يشير الى غنى المسرحية النابع من تعدد زوايا الرؤية فيها، ومن جملة التعارضات التي تؤسس نظام المعنى وتندرج تحت تعارض اساسي هو تعارض الحقيقة والزيف. وعلى المستوى التكويني يرى ان البناء المسرحي يقوم على ثنائية كامنة في علاقة جدلية بين طرفيها تجعل النص مفتوحاً على آفاق الحرية والتغيير. وينتقل الى الكشف عن الازدواجية والتعارض بين المساعي المتعددة لأبطال المسرحية أفراداً أو جماعات، فاضحاً من خلال هذه التعارضات العديد من الاوهام، مضيفاً على تشكيلات الفضاء المسرحي دلالات سياسية »فتتماثل علاقة السلطة بالشعب بعلاقة المخرج بالمتفرجين والخشبة بالصالة، في تشابك يعكس الوضع المركب للصراعات الطبقية في المجتمع والصيغ المتنوعة التي تتخذها«. (ص114). ويصل المؤلف الى القول بالتلازم بين الجمالية الفنية والدلالة الثورية في المسرحية، ما يجعل منها علامة فارقة مرتبطة بالمعطيات التاريخية التي حكمتها. وبعد، على الرغم من الهنات التي تطل برأسها من ثنايا الكتاب، فإن »جسور الحداثة المعلقة« يندرج في إطار النقد التطبيقي العملي، تتعدد فيه زوايا الرؤية ومناهج الدراسة، ويعكس جهداً رصيناً، ويقيم جسوراً تستحق العبور. سلمان زين الدين