كتب زهير هواري: قضى ميثاق الطائف الصادر في العام 1989 ودستور البلاد بتوحيد كتابي التاريخ والتربية الوطنية، اضافة الى ما ورد من »اعادة النظر في المناهج وتطويرها بما يعزز الانتماء والانصهار الوطنيين والانفتاح الروحي والثقافي«. وانطلقت وثيقة الوفاق والدستور تباعا من مبدأ دور التربية في تأسيس حياة وطنية جديدة وتجاوز مرحلة الحرب الاهلية نحو السلم.. ومنذ العامين 89 و1991، اي منذ ثماني وست سنوات على صدور الدستور، قيل كلام كثير في شأن كتابي التاريخ والتربية الوطنية، وعقدت ندوات ومؤتمرات وصدرت مقالات وحتى كتب تناولت قضيتي التاريخ اللبناني والتربية والتنشئة الوطنية. بعض المؤتمرات التي عقدت كانت ضمن مناخ دولي يتعلق بفض النزاعات عبر الحوار ورفض اعتماد اساليب العنف والتربية على السلام او التربية الشمولية الخ... الكلام الكثير والكبير الذي قيل في مناسبات متعددة، وكذلك المناخات السياسية كانت في اساس السعي نحو الوصول الى غاية التوحيد. المركز التربوي للبحوث والانماء، وباعتبار ان اعداد المناهج من مسؤولياته شكل لجانا لهذا الهدف. وسنحصر الحديث الآن في موضوع مادة التاريخ، باعتبار ان مسألة المناهج تتجاوز المادتين اللتين كانتا مصدر خلاف، واعتبرتا في عداد اسباب اخرى مسؤولتين عن الحرب، نظرا لأثرهما في توسيع شقة التباين بين اللبنانيين، خصوصا اذا ربطنا كل ذلك بمشروع الهيكلية التربوية الجديدة التي أعلن عنها العام الماضي. بالنسبة لمادة التاريخ جرى تشكيل لجنة اولى من اساتذة جامعيين تم اختيارهم وفق معادلات مزدوجة اكاديمية وطائفية. اذ كان الحرص طاغيا على ان يكون كل استاذ جامعي يمثل طائفة بعينها. اكثر من ذلك، يقال ان الاختيار بالاصل خضع لاستنسابية المراجع الروحية او الطائفية، التي وافقت على هذا وأبدلت ذاك، اذا ما وجدته بعيدا عن »خطها« و»رؤيتها«. ولكن في المحصلة اجتمع الاساتذة الجامعيون، وقدم كل ورقته، وبعد 17 جلسة بالتمام والكمال، واستشارات مع كبار المؤرخين اللبنانيين في لبنان وخارجه، توصلوا الى ورقة عمل موحدة، وهي ورقة مهمة، وإن كانت لا تصل الى درجة الكمال، باعتبارها مفتوحة على قراءة علمية لتاريخ لبنان. ثم بعد ان انجزت هذه اللجنة ورقتها رفعتها الى لجنة استشارية عليا، وهي لجنة ايضا تتمتع ايضا ب »الطابعين العلمي والمذهبي«، ووضعت الاخيرة ما وصفته بأنه منهاج تعليم مادة التاريخ، بما هو عبارة عن خطوط عامة تتعلق بالاهداف العامة والخاصة و... الاخيرة تراجعت عما انجزته الاولى، وأبقت خطوطها العامة مفتوحة على ثغرات، ستترك بصماتها على الكتاب او الكتب.. هذه بعض عوالم العمل على اوراق العمل، وهناك تفاصيل كثيرة تتعلق بهذا الموقف او ذاك في هذه الفقرة او تلك.. مما يؤشر الى مشكلة وإن كانت تتمظهر في كيفية رؤية التاريخ اللبناني، الا انها تعبر عن الانقسام السياسي القائم والمستمر برغم صيغة الطائف ونص الدستور التوافقي. وهنا يمكن ان يقال كلام كثير، ليس مجاله الآن يتعلق بدلالات هذا الانقسام والمسؤولية عنه. واختصارا قبل العرض، لا بد من القول ان الطلاب اللبنانيين لن ينعموا بكتاب تاريخ واحد موحد، كما كانوا يأملون.. ستكون هناك الكثير من النقاط المشتركة، الا ان الصياغة النهائية ستكون متباينة بل ومتباعدة. وعليه ستتكرر قصة الخلافات المعروفة التي أبقت 25 سنة في حرز حريز عن التعديل أو التطوير.علما ان الدول الراقية بعيدا عنا تلجأ الى تعديل شبه سنوي للكتب كافة على ضوء مستجدات العلوم والتحولات الكونية في كل المجالات، مما يجعل من المادة حيوية، متحركة، متطورة، قادرة على مجاراة الواقع. والآن لنعد الى اللجان وما انتهت اليه. وهنا ندخل في التفاصيل والوقائع: النص الجديد يأتي النص الاخير الذي وضعته اللجنة الاستشارية العليا والمؤلفة من رئيس المركز التربوي البروفسور منير ابو عسلي والدكتور هنري عويط والدكتور رضوان السيد والدكتور شفيق المعلم والدكتور محمد كاظم مكي وانور ضو، في خمس صفحات فولسكاب، ويحمل عنوان »منهاج تعليم مادة التاريخ اقتراح نص جديد«، وهو الاساس الذي سيتم وفقه اعداد منهاج مادة التاريخ للصفوف الابتدائية والتكميلية والثانوية. ويسمح النص بإعداد اكثر من منهاج واحد. وهو امر لا يضر في حال توافر رؤية »وطنية« وعلمية واحدة وموحدة للمادة. والواقع ان هذا النص يبدأ بمقدمة تعريفية عامة، مستشهدا خلالها بما جاء في مقدمة وثيقة الوفاق الوطني التي صارت دستور البلاد، معطوفا على مضي اكثر من ربع قرن على صدور مناهج التعليم المدرسي في لبنان، وما طرأ خلالها من تعديلات جذرية على مناهج هذه المادة علما بأن التعديلات على مناهج تدريسها عمرها حوالى القرن، كمدخل لتطويرات متلاحقة ومستمرة ومتواصلة. المهم، ان المقدمة تحدد الاهداف الخاصة المتوخاة من تدريس هذه المادة في لبنان، بما هي تعود الى »المبادئ الوطنية والثقافية والتربوية الواردة في الدستور اللبناني« حول لبنان الوطن الواحد السيد الحر النهائي لجميع ابنائه العربي الهوية والانتماء.. ورفض اي شرعية تناقض ميثاق العيش المشترك. ومن المقدمة اى المبادئ العامة، التي ترى ان تعليم هذه المادة يستند الى مبدأ البحث العلمي عن الحقيقة بما لها وما عليها.. والمزيد من الشروحات تأتي اضافات من نوع المنهجية والادوات المعرفية المرتكزة على الموضوعية وتجنب اسقاط الحاضر على الماضي والعكس.. وتبدل وسائل الوصول الى الحقيقة وحاجة الكتاب المدرسي الى عدم تجاهل التبدلات والمكتسبات.. »من هنا فإن التاريخ، باعتباره تسجيلا لمجرى الحضارة بأبعادها المادية والروحية، لا يقتصر فقط على عرض المتغيرات التي تطرأ... بل يأخذ في الحسبان جميع الوثائق والمستندات المكتوبة منها والمادية ومن اي مصدر اتت.. باعتبارها عناصر متكاملة تشكل في مجموعها الإرث الوطني الذي خلّفته المجتمعات السالفة«، كما جاء حرفياً. بعد صفحتين كاملتين ندخل في الاهداف العامة لتدريس التاريخ عنوان فرعي بما هي تنمية روح البحث العلمي القائم على الفهم والتعرف والتحليل والتعليل والنقد والتقديم واكتساب المهارات العلمية القائمة على المقابلة وتبيان العلاقة والاستدلال و... ادراك مفهوم الزمن وتسلسله وتغذية الذاكرة بأحداث الماضي.. »لأن التاريخ يعطي صورة واضحة عن الحضارات المتعاقبة وعن التطور، وادراك ابعاد التفاعل الحضاري بين مختلف الشعوب والجماعات بمعزل عن فوارق اللون والجنس والدين والثقافة وغيرها وإظهار عناصر التواصل بين المنجزات الحضارية«... وهذا التحديد يمكن إدخاله هو الآخر في المقدمة من دون اي افتئات. في الثلث الاخير من الصفحة الثالثة وتحت بند ب: الاهداف الخاصة بتدريس تاريخ لبنان، يتم الدخول في الموضوع وتحت عناوين فرعية تتناول ثمانية نقاط هي: ادراك الاهداف الوطنية، بناء الذاكرة الوطنية، ادراك ارتباط تاريخ لبنان بجغرافيته الموحدة، وعي اهمية الثقافة اللبنانية ودور اللبنانيين في الثقافة العربية، وعي سلبيات النزاعات بين اللبنانيين، ادراك دور القوى الاجنبية، وعي القيم المسيحية والاسلامية ووعي ابعاد الخطر الصهيوني اخيرا، مع خاتمة تتضمن النص التالي: »لذا وجب على كتاب التاريخ المدرسي الابتعاد عن العموميات والشعارات ومحاذرة اجتزاء الاحداث او تغييب بعضها والسعي الحثيث وراء الحقيقة التاريخية وعرض الوقائع كما حصلت وتقديم اكثر من رواية او قراءة للحدث، اما عن طريق النص مباشرة او عن طريق الوثائق المرفقة بالكتاب، وذلك لتعزيز ثقة الطالب بالكتاب الذي بين يديه وحثه على النقاش والاستنتاج«. النقاط وتدرّج النص ولكن كيف تدرج النص وعبر النقاط التي قدمناها في الوصول الى استنتاج من النوع الذي عرضنا له: يتم الانطلاق بداية من ان اللبنانيين هم ورثة مجمل تاريخه بحسناته وسيئاته هل هناك تاريخ حسن وآخر سيء واين ذهبت فكرة التطور التي وردت في المقدمة وانهم ورثة جميع الامم والشعوب والحضارات والكيانات التي شهدتها ارض لبنان على مر العصور. ويتعين بالتالي الاعتراف بأن مجموع تواريخ المناطق اللبنانية بات يشكل ارثا مشتركا لجميع اللبنانيين، وبأن كتاب التاريخ سيدرس كل تاريخ لبنان. وذلك لتعزيز الايمان بلبنان وطنا نهائيا لجميع بنيه استمرار لاواع لفكرة الجدل حول الكيان التي انطلقت في العشرينيات وما زالت قائمة برغم النص على خلافها »وترسيخ الاعتزاز بالهوية الوطنية اللبنانية التي لم تأت من فراغ، بل هي حصيلة التواصل التاريخي والتراث الحضاري منذ أقدم العصور وحتى اليوم، وتقوية حس الانتماء والولاء والالتزام بقضاياه وتنمية الشعور الوطني.. وتعزيز الشعور بهوية لبنان وانتمائه العربيين من خلال تدريس تاريخ العرب وابراز القواسم المشتركة.. وتنمية الروح المدنية والقيم الاخلاقية.. وجدلية العلاقة بين المواطن والسلطة على قاعدة الديموقراطية واحترام حقوق الانسان وحريته وكرامته«. أما كيفية بناء الذاكرة الوطنية وارتباط تاريخ لبنان بجغرافيته الموحدة فيتم كما يرى النص من خلال كتابة تاريخ وطني يبرز اهمية التراث والمنجزات المشتركة ووحدة المصير، بالرغم من المعاناة خلال مراحل النزاع والانقسام كما هو وارد في الاصل.. وكذلك من خلال تعليم تاريخ لبنان انطلاقا من جغرافيته الموحدة.. وعدم الاقتصار على تدريس تاريخ منطقة جغرافية معينة او محددة منه السؤال هل كان يتم ذلك سابقا على صعيد كتاب التاريخ للشهادات الرسمية على الاقل، والجواب بالنفي طبعا. وتدعو الفقرات اللاحقة الى ابراز مقومات الثقافة الوطنية اللبنانية وخصائصها واهمية الثقافة العربية ودور اللبنانيين فيها والانفتاح على الثقافات العالمية. وتدعو الى فهم النزاعات بين اللبنانيين وانعكاساتها السلبية.. وترسيخ الوعي بأن حاجات الحاضر وطموحات المستقبل تكمن في تعزيز الوحدة الوطنية في حال انتبه الى »في حال« هذه تطبيق قاعدة المساواة والعدالة وتكافؤ الفرص. وحول دور القوى الاجنبية في »مجريات الكثير من الاحداث التي عرفها لبنان... والاقطار العربية وإظهار اشكال المقاومة والرفض للتدخل الاجنبي.. والافادة من هذه التجارب بهدف تعزيز الشعور بالمصير العربي المشترك والوحدة العربية في مواجهة التدخلات ووعي دور الحركات الاصلاحية والثورية النضالية اللبنانية والعربية والعالمية في تحرير الشعوب من الاستعمار. (الكلمات المستعملة حرفية من النص). ويؤكد على ان المسيحية والاسلام هما مصدران اساسيان لمبادئ وقيم اخلاقية تتنافى وجميع مظاهر التعصب الديني والطائفي. اما حول الوعي لأبعاد الخطر الصهيوني فيعرّف بالحركة الصهيونية واخطار اسرائيل وأطماعها في لبنان خاصة والاقطار العربية عامة وتاريخ القضية الفلسطينية وتقدير النضال اللبناني والعربي في مقاومة الاحتلال الاسرائيلي. بعد هذه البنود تأتي الخاتمة التي اقتبسناها سابقاً. المشروع الأولي والأهداف النص الذي توصلت اليه اللجنة الاستشارية استند الى نص وضعته لجنة التاريخ الاساسية وهي لجنة تشكلت من اساتذة جامعيين هم الدكاترة: الياس القطار، حسن منيمنة، عباس ابو صالح، احمد حطيط، وهيب ابو فاضل وانطوان مسرّة. لكن قبل ان تصل اللجنة الاخيرة الى نصها النهائي وضع كل من اركانها ما يشبه ورقة عمل او تصوره للمهمة التي جرى انتدابه لها. ومن دون الخوض في تفاصيل هذه الاوراق، والنقاشات التي دارت بين اعضائها، وهي نقاشات معبرة عن تباين في النظرة السياسية الى كيان لبنان و»عصبيته« الداخلية وتراتبية مكوناته، وعلاقاته الاقليمية والدولية.. وتاريخه بالتأكيد، لا بد من الاشارة الى ان الورقة النهائية للجنة التاريخ هذه اكثر تفصيلا وتحديدا من النص الذي انتهت اليه اللجنة الاستشارية. علما بأن الاخيرة عملت على »تشذيب« او »تشحيل« الكثير مما يمكن وصفه بأنه جوهري ايضا في الورقة الاولى. وهو ما يتبين من خلال المقارنة التي سنعمد اليها لاحقا، في القسم الاخير بعد التقديم الاجمالي ل »المشروع الاولي للاهداف العامة والخاصة لتدريس مادة التاريخ« الذي وضعته لجنة التاريخ الاساسية. يبدأ النص هنا بمقدمة عامة تتطرق بداية الى التطور العلمي الذي شهدته طرائق تدريس هذه المادة التي تلعب دورا في تنمية ملكات التلميذ ومعارفه العلمية والثقافية وفي توجهاته الوطنية والانسانية.. كونه من أهم المواد الدراسية في تربية النشء تربية وطنية سليمة. وبالنسبة للمبادئ العامة التي تستند اليها عملية تعليم مادة التاريخ في المراحل الدراسية ما قبل الجامعية يرد انها تستند الى »المبادئ الوطنية والثقافة التربوية الواردة في الدستور اللبناني«، بعده مباشرة نجد نصوصا تتناول علم التاريخ ومنهجيته وادواته المعرفية وقراءته بمقياس كل عصر والمقارنات الحضارية وشموله النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.. ومن هذا التحديد يتم الدخول الى الاهداف العامة لتدريسه، ويرد اولا الاهداف التربوية بما هي (باختصار عن النص) تغذية الذاكرة بأحداث الماضي وتنمية روح البحث ومهارات التفكير العلمي القائم على التحليل والنقد والمقابلة والاستدلال والتعليل والاجتهاد وتنمية الروح المدنية لأنه يسهم في تربية الناشئة على مفهوم الشأن العام والممارسة السياسية... وتنمية القيم الاخلاقية من خلال النماذج والمثل العليا واستخلاص العبر وتنمية الخيال ومتعة التعرف على الماضي وادراك ابعاد التفاعل الحضاري بين مختلف الشعوب بمعزل عن الفوارق واظهار عناصر التواصل بين المنجزات الحضارية وادراك مفهوم الزمن وتسلسله. اما الاهداف الوطنية فهي تعزيز وتعميق الشعور الوطني بأن لبنان وطن نهائي لجميع بنيه عربي الهوية والانتماء.. وتكوين رؤية وطنية موحدة قائمة على وعي اللبنانيين السياسي لتراثهم اللبناني العربي وحضارتهم العربية وتأكيد وحدتهم الوطنية لا على التعايش بين الطوائف. أما الاهداف الخاصة فتتحدد هنا ببناء ذاكرة وطنية جامعة متحاورة مع ذاكرات الجماعات الدينية مما يستدعي كتابة تاريخ وطني، ذلك ان كلا من هذه الجماعات تعتمد، في سبيل تمايزها وفئويتها، على بناء ذاكرتها التاريخية من خلال البيئة الضيقة والمدرسة الفئوية والتاريخ الشفهي والصور البطولية لرموزها التاريخية.. مما يؤكد اهمية بناء ذاكرة وطنية من مكونات التراث التاريخي والمنجزات المشتركة ووحدة المصير، فضلا عن المعاناة خلال مراحل النزاع والانقسام. نص شبه حرفي تقريبا. ويؤكد النص على ترسيخ الاعتزاز بهوية لبنان وانتمائه العربيين وسيرورة الارتباط العضوي بين لبنان والأقطار العربية بتنمية الشعور الوطني العربي.. فهوية لبنان لم تأت من فراغ، بل هي حصيلة التواصل التاريخي والتراث الحضاري، مما يستدعي الاهتمام والعناية بالتاريخ العربي قديما ووسيطا وحديثاً.. ويشدد على ان تعليم التاريخ يجب ان ينطلق من جغرافية لبنان الموحد بحدوده المعترف بها دوليا، لا تاريخ جزء منه... لان هذا يشعر كل تلميذ في كل مدرسة وفي كل مناطق لبنان بأن تاريخ لبنان هو تاريخه في مكان مولده واقامته وانه ينتمي اليه. ويؤكد على الالتزام بالثقافة العربية وابراز دور اللبنانيين فيها، ويفهم النزاعات بين اللبنانيين في انعكاساتها على وحدة الوطن واستقراره وترسيخ الوعي بأن حاجات الحاضر وطموحات المستقبل تكمن في تعزيز الوحدة الوطنية تكمن في تعزيز الوحدة الوطنية على قاعدة المساواة والعدالة وتكافؤ الفرص. وتلحظ الفقرة التي تتناول ادراك دور القوى الاجنبية في مجريات الاحداث اللبنانية سياسات التتريك والانتداب نصا. ويؤكد على تقديم القيم المسيحية والاسلامية بما يتنافى »مع السلوك السياسي الهادف الى عزل اتباع كل منهما عن الدين الآخر، وان الطائفية هي بالدرجة الاولى، اعتداء على مبادئ وقيم المسيحية والاسلام كما هي اعتداء على سوية الوحدة الوطنية«. ويدعو الى تعريف النشء على الحركات الاصلاحية والثورية وتاريخ الحركة الصهيونية والقضية الفلسطينية واخطار اسرائيل واطماعها في لبنان والاقطار العربية الاخرى، والعمل على مقاومتها. مراحل الدراسة بعد هذه التحديدات الاجمالية تخصص هذه الورقة او المشروع ثلاثة صفحات تتناول الاهداف الخاصة للتاريخ في المراحل الابتدائية (حلقتان) والمتوسطة ثالثة. بالنسبة للحلقة الاولى يتم التعرف الى معاني العبارات الزمنية والمكانية والعلاقات البسيطة بين الموضوعات التاريخية والبيئية المباشرة للمتعلم وذلك عن طريق المشاهدة المباشرة وتنمية روحه الوطنية عبر تعريفه على لبنان ومميزاته البشرية والعمرانية واكسابه مهارات التعبير الشفهي والكتابي ومهارة رسم خريطة والتدرب على رسم الخطوط الزمنية وتعويده جمع ادوات ورسوم وصور ذات دلالات تاريخية والمحافظة على الآثار وتنمية مخيلته وحب الاستطلاع من خلال زيارة والاماكن الاثرية وتعزيز روح الحوار الديموقراطي وتشجيعه على التعاون مع اقرانه والاعتماد على النفس وضبطها. اما في الحلقة الثانية فيكون الانتقال الى التمييز بين العصور التاريخية واكتساب معاني بعض المصطلحات وتعريف المتعلم الى لبنان في التاريخ وميزاته البشرية والعمرانية لتأمين التواصل بين الاجيال، وتعريفه بتاريخ العرب واثر حضارتهم في بناء الحضارة الانسانية الشاملة واهم محطات التاريخ العالمي من مرحلة ما قبل التاريخ الى القرن العشرين، واكسابه مهارات التعليم الشفهي والكتابي وتعويده نقل الوقائع بامانة واستخراج الافكار الرئيسية من نص معين وتعلم مهارة قراءة الخريطة التاريخية ورسمها وجمع المستندات التاريخية والمحافظة على الآثار وتنمية مخيلته بعرض وقائع التاريخ واساطيره وحب الاستطلاع لديه من خلال زيارة المتاحف والاماكن الاثرية وتعزيز روح الحوار وتعريفه اخيرا على نماذج من مقاومة الاحتلال والظلم في مراحل مختلفة من تاريخ لبنان والعرب والعالم لاكسابه بعض القيم الانسانية كالحق والعدالة والمساواة والديموقراطية واحترام الحريات. الاضافات في المرحلة المتوسطة عما ورد في الحلقتين تتناول استمرارية الحضارة وارتباط الفرد بالمجتمع ووحدة البشرية وتمييز خصائص كل مرحلة تاريخية والخطوط العريضة للثوابت والتحولات التي عرفتها الشعوب والحضارات من التاريخ القديم الى التاريخ الحديث وادراك حقيقة التغيير ومفهومه ووسائله ومغزاه، وادراكه للتطور لمؤسسات المجتمع والدولة برصد اهم المتغيرات ووعي اهمية هوية لبنان العربية وانتمائه الى محيطه العربي الواسع والاهتمام بالحضارة العربية وما بلغته من تقدم ورقي و... ادراك احداث بارزة او حياتية يومية في تاريخ لبنان والمنطقة، والتعرف على انماط العيش في الريف والمدينة في حقبات منوعة، والتعرف على حقبات بارزة من تاريخ لبنان والعرب والعالم من النواحي السياسية والاجتماعية والثقافية... وتنمية التفكير العلمي القائم على نقد ووزن الادلة والتحليل والتفسير والتعليل والربط... لمقاربة الحقائق وقراءة صور ونصوص الخرائط ورسمها، وتعزيز قدرته على جمع المعلومات واعداد الملفات فرديا او ضمن فريق وتشجيعه على المطالعة وتعويده الافادة من وسائل الاتصال المعرفية الحديثة والتعرف على ابرز المفاهيم والنظريات في مجالات الاقتصاد والثقافة والعلوم والتكنولوجيا. واخيراً، الاسهام في تنمية القيم المدنية والانسانية من خلال شواهد مستمدة من تواريخ لبنان والعرب والعالم. مقارنة بين النصين: هذا العرض شبه الحرفي وان يكن غير كامل يستهدف تقديم صورة وافية للقارئ تمكنه من المقارنة بين نص »المشروع الاولي« ومنهاج تعليم مادة التاريخ« كما انتهت اليه اللجنة الاستشارية. الا ان هذا التقديم لا يمنع من الاشارة الى الفوارق بينهما. وهي فوارق تجزم لصالح »المشروع الاولي« وليس لصالح المنهاج، علما ان هذا المنهاج كما هو واضح ليس منهاجا بقدر ما هو خطوط عريضة لمنهاج لاحق او منهاج لاحقة. تحت عنوان مقدمة والمبادئ العامة الواردين، هنا تركيز في النص »الاستشاري« على وثيقة الوفاق الوطني والمبادئ الوطنية والثقافية والتربوية الواردة في الدستور، بينما المشروع الاولي ينطلق من مناهج المادة وطرائق تدرسيها، مع العلم انه يشير الى المبادئ الدستورية، الا انه يعطفها على منهجية دراسة التاريخ، مع لفت الانتباه الى ان تحديد منهجية هذا العلم وصولا الى الحقائق التاريخية، هو في المشروع الاولي اكثر تماسكا على صعيد بلوغه رفض الانحياز الذاتي والديني والعنصري ومتجنبا اسقاط الحاضر على الماضي والعكس وهو ما سقط في النص النهائي. وبالنسبة للاهداف العامة لدراسة التاريخ وردت في المشروع الاولي تحت عنوانين اهداف تربوية واهداف وطنية بينما اجملت في الثاني تحت عنوان واحد، مع حذف النقاط التالية من النص الأساسي مفهوم الشأن العام والممارسة السياسية وجدلية العلاقة بين المواطن والسلطة على قاعدة الديموقراطية وحقوق الانسان وحريته وكرامته... استخلاص العبر التي تشجع على شجب الظلم والعدوان وعلى تعزيز روح المقاومة لدى الشعوب المضطهدة... وتنمية الخيال... وتعزيز وتعميق الشعور الوطني وان لبنان عربي الهوية والانتماء ووعي اللبنانيين السياسي لتراثهم اللبناني العربي. وحضارتهم العربية والتأكيد على وحدتهم الوطنية لا على التعايش بين طوائف«. هذه الجوانب جميعا سقطت او اسقطت من النص النهائي. واذا كان بعض النقاط المسقطة يدخل في باب التفاصيل، الا ان غالبيتها تنتظم في إطار خط جامع مشترك، متى ربطنا بين تعزيز روح المقاومة وتعميق الشعور الوطني وهوية لبنان العربية والتراث اللبناني العربي والحضارة اللبنانية العربية، والتأكيد على الوحدة الوطنية وليس على التعايش بين الطوائف. من دون استطرادات في هذا الجانب نعود الى المقارنة ونصل الى الاهداف الخاصة بتدريس تاريخ لبنان بين النصين. يسقط في »المنهاج« ما يصفه المشروع الاولي بناء ذاكرة وطنية جامعة متحاورة وكذلك الواردة حول الذاكرات التاريخية من خلال البيئة الضيقة والمدرسة الفئوية وكذلك التراث التاريخي والمنجزات المشتركة ووحدة المصير«. يتم استبدال هذه جميعا ب»اللبنانيين القائمين هنا«. ضمنا هذا يعبر عن وجود اللبنانيين القائمين هناك... مما يعني اللبنانيين المهاجرين، وهذه مسألة كان يجب التطرق لها. كما يرد مجمل تاريخ لبنان بحسناته وسيئاته، من دون اي اشارة الى البنية السياسية والعوامل التي تلعب دورها في توليد هذه »السيئات« وهذه ليست حصرية للشعب اللبناني، بل تتعلق بمنطق التكون والتطور لدى الشعوب. يرد في المشروع الاولي بعد العنوان الاول ادراك هوية لبنان، اما في المنهاج فيرد تحت عنوان ادراك الاهداف الوطنية. وهنا تعود الفوارق التي سبق وأشرنا الى بعضها للظهور ثانية. ففيما المشروع الاولي ينص صراحة على »الانتماء العربي للبنان وسيرورة الارتباط العضوي بين لبنان والاقطار العربية الاخرى، بتنمية الشعور الوطني العربي، يرد في الثاني الهوية الوطنية اللبنانية التي لم تأت من فراغ... منذ اقدم العصور وحتى اليوم، ثم يليها تعزيز الشعور بهوية لبنان وانتمائه العربيين وابراز القواسم المشتركة... ضمنا في النص الثاني هناك الخصوصية، ولكن ماذا مثلا لو كان الفينيقيون عربا، كما يؤكد كتاب »أثينا السوداء« او مدينة إيزيس او التاريخ الحقيقي للعرب والعشرات من المراجع؟. وهل الوطنية اللبنانية لا تستقيم الا على مستندات وهمية موروثة عن بعض المستشرقين؟. ايضا يجري حذف الاشارات الى التواريخ اللبنانية المجزأة من النص النهائي في مجال ارتباط تاريخ لبنان بجغرافيته الموحدة. وحول الثقافة العربية ووعي دور اللبنانيين فيها، يتم ابراز مقدمات الثقافة الوطنية وخصائصها وغناها وبعده اهمية الثقافة العربية ودور اللبنانيين فيها، بينما في النص الاساسي يبدأ بالالتزام بالثقافة العربية ثم ابراز دور اللبنانيين فيها، اما بشأن سلبيات النزاعات، فإن النصين متماثلان باستثناء »في حال« الواردة في الثاني. وحول ادراك دور القوى الاجنبية، يطير من النص النهائي الاشارة الصريحة في النص الاول الى مقاومة سياسة التتريك ومقاومة سياسات الانتداب، وانتفاضات جبل عامل وبعض المناطق اللبنانية الاخرى والثورة السورية الكبرى... وآخرها مقاومة الاحتلال الاسرائيلي. ويمكن لحظ تمايز في النصين بشأن القيم المسيحية والاسلامية. ففي الاولى ورد العنوان الفرعي تحت عنوان »تقدير القيم...«، بينما في النهائي »وعي القيم«، والتقدير نسبي بينما الوعي شمولي. هذا اولا، لكن الاهم هو حذف ما ورد في المشروع الاولي لجهة اعتبار القيم الاخلاقية والانسانية لهما، »تتنافى مع السلوك السياسي الهادف الى عزل اتباع كل منهما عن الدين الآخر، وان الطائفية هي وبالدرجة الاولى اعتداء على مبادئ وقيم المسيحية والاسلام كما هي اعتداء على سوية الوحدة الوطنية«. هذا الحذف قصر في النص النهائي على الاشارة الى ان هذه القيم»تتنافى وجميع مظاهر التعصب الديني والطائفي«، اي ان السلوك السياسي والطائفية والاعتداء على قيم الدينيين والاعتداء على سوية الوحدة الوطنية... كل هذا تم التخلص منه. كذلك جرى استبعاد الفقرة الواردة حول وعي دور الحركات الاصلاحية والنضالية العربية والعالمية برمتها. وتبقى الفقرة الاخيرة التي تتعلق بوعي ابعاد الخطر الصهيوني... وهنا يبدو نص »المنهاج« متمايز عن سابقه، ففيما الاول يعرف به وباخطار اسرائيل على لبنان والاقطار العربية و»العمل على مقاومتها« يكتفي الثاني بالتعريف و»تقدير النضال اللبناني والعربي في محاربة الاحتلال الاسرائيلي. ولعل الفارق بين »العمل« و»التقدير« هو الفارق بين المعني وصاحب العلاقة، وبين المقدر عن بعد ومن دون مساهمة في المواجهة. خلاصات لا بد منها لم يتقصد العرض التفصيلي ولا عمليات المقارنة بين النصين الوصول الى قناعة او استنتاج عدمي، خصوصا في حال النظر الى منهاج التاريخ في المدارس اللبنانية بقطاعيها العام والخاص وفي مراحلها ما قبل الجامعية، لجهة تخلفه المنهجي من جهة والحدثي من جهة ثانية، وهو تخلف لا يمكن تحديده فقط، او نسبته الى تقادم عهد انجازه قبل اكثر من ربع قرن. مع ان هذا الجانب يجب ان يؤخذ بعين الاعتبار لدى محاسبته. والمقصود من الاشارة هنا يتعدى هذا الجانب »الشكلي« ليطل على الجانب الاساسي من موضوع كتاب التاريخ، بما هو موضوع وان كان يتعاطى الاحداث والوقائع الغابرة والاحوال وتبدلاتها، الا انه في لبنان يتعاطاها من موقع استمرارها في الحاضر، وبهذا المعنى فإن التاريخ المدرسي »اللبناني« كان يقرأ التاريخ مشدودا الى الوظائف الايديولوجية الاساسية السياسية التي نشأت منذ ما قبل الاستقلال وانهارت مع اندلاع الحرب الاهلية. هذا مع العلم بأن المقصود في هذا القول ليس نسف فكرة الكيان اللبناني من اساسها ما دامت الكيانية التي تحكم لبنان والمئات من الدول ستظل قائمة حينا من الدهر، وقد راكمت وقائع ومعطيات منذ بروزها والى الآن. اذن المقصود من وراء هذه الاستخلاصات هو التأكيد ان الكيانات العربية الاخرى ليست اشد رسوخا من الكيان اللبناني، لكن هذا موضوع آخر، نضرب عنه صفحا، لنشير الى ان الفوارق التي اظهرتها، عملية المقارنة بين نصي المشروع الاولي و»المنهاج«، ليست فوارق اكاديمية بين اساتذة في التاريخ وآخرين، خصوصا اذا ما تذكرنا ان بين عداد اللجنة الاستشارية من لا يستهان بمقدراتهم التأريخية. وهنا ندخل في صميم »الضوابط« التي طغت على النص الثاني، علما بأن الاول لا ينجو من النقد هو الآخر. لكن الفارق بين النصين، ان اللجنة الاولى كانت مشدودة اكثر الى عملية اعادة بناء مادة التاريخ اللبناني انطلاقا من منهجيات علمية. بينما كانت الثانية اكثر انجذابا الى تقديم نص محكوم بالادوار السياسية لاعضائها ومجموعها كتركيبة، وما ينضبط تحت السقف السياسي الاجمالي للمعادلات القائمة منذ توقيع اتفاقية الطائف وحتى اليوم، اذن يمكن الاستخلاص بثقة ان اللجنة الاولى كانت ومن خلال المنهج التحليلي الذي اعتمدته اكثر قربا من »النظرة الباردة« للتاريخ، مع استهدافات مستقبلية، تتجاوز الجوانب الطائفية والانتمائية الضيقة (الطائفة المنطقة)، وهي نظرة علمانية تقدم على التحليل والنقد ودراسة الوثائق وتراتبية المستويات وتداخلها بين السياسي والاقتصادي والاجتماعي و... داخليا وخارجيا، بينما كانت اللجنة الاستشارية بوصفها »لجنة عليا« محكومة بتقديم انجاز لا يفيض عن المعادلة السياسية ذات الارتكازات الطائفية، التي لا تخفيها تلك الاحالات على ما ورد في وثيقة الطائف ومواد الدستور. بهذا المعنى، واذا كان النص »النهائي« من العمومية بمكان، ومع انه يعتبر نقلة متقدمة على الكتب المعمول بها، الا انه ظل محكوما بقراءة الماضي من منظار التوازنات والمعادلات القائمة، دونما سعي نحو الوصول الى الحقيقة التاريخية العلمية التي يجب ان تكون الاساس بعيدا عن اي اعتبار ذاتي او ايديولوجي سياسي او خلافه. وعليه يمكن الاستنتاج سلفا ان النص النهائي يفتح على عودة النزعات والنزاعات بأشكالها، ومثل هذا القول لا يستهدف البتة ايجاد »وصفة« او »ترسيمة« واحدة، ثابتة، سرمدية لتاريخ لبنان، لكنه يحاول التأشير الى استمرار الخلل السياسي في البلاد، الذي يدفع الى بروز الكثير من المضمرات، التي وان وجدت صياغة عمومية لها في النص الاخير، إلا ان ما هو معروف ان الخلافات سرعان ما ستبرز في التفاصيل، وعندما تتم عملية »ملء المراكز الشاغرة«. من هنا يمكن القول ان المستند الذي عرضنا له قبل نقاشه سيعيد انتاج الكثير من المقولات والضمنيات التي طالما ظلت كتب التاريخ المدرسية، والتي منعت في وقت من الاوقات المركز الوطني للبحوث والانماء من انتاج كتاب التاريخ الموحد، وكذلك كتاب التنشئة الوطنية. بالتأكيد ان اي مادة تاريخية محكومة بالنص الرسمي، بما هو سياسة قائمة مع ان التجربة غير مشرفة بتاتا ستعيد في جانب رواية الماضي مجتزءا ومنقوصا من جهة، طالما انها محكومة بتوازنات طائفية، لا مجال لكسرها. وهنا ايضا، وهذه المرة بالتأكيد يسقط علم التاريخ، وتلك الانجازات التي راكمها المؤرخون اللبنانيون، في اكثريتهم عبر منهجياتهم العلمية تحت وطأة تراكيب تخدم ايديولوجيات معينة... وعندها يسقط التأريخ الحقيقي تحت ضربات التاريخ المزعوم، من دون ان ننسب لهذا الاخير قدرات عجائبية على اشعال الحروب الاهلية والفتن الداخلية بالتأكيد... لكنه يظل معطى يتمم صورة التشوه الحاصل في ال