As Safir Logo
المصدر:

نقد.الفضاء المكاني في الرواية اللبنانية الملازمة لمرحلة الحرب كوريغرافيا الغرفة وذاكرة متحركة قلقة تفيض وتضيق على الراوي(صورة)

المؤلف: ابو زيد انطوان التاريخ: 1997-02-14 رقم العدد:7618

إنه لمن العسير على نظرة خاطفة، كالتي باشرتها ههنا أن تنفذ إلى كوامن الرواية اللبنانية، أو تضيء جانب الفضاء المكاني فيها إضاءة كاشفة. في حين يفترض بالدراسات المعمقة أن تؤدي قسطها في إدراك العوالم أو أشباه العوالم التي أمكن الروائيين هؤلاء ترسيمها في نتاجهم على امتداد القرن العشرين، قبيل أفوله. وإن هي إلا التماعة ضوء أجهد في أن ألقيها على ذلك النتاج، لا انتصاراً لوجهة نظر إلى العالم لدى هذا الكاتب أو ذاك، وإنما لإخراج تلك الفضاءات المعينة في النتاج المذكور إلى نطاق التداول، واستنطاق مدلولتها، ما أمكن. ذلك أن إدراك مواقع الروائيين، كلاً على حدة من هذه العوالم، ما دام »تفكرهم العالم لا يستوي إلا عبر تصورهم (المكاني الزماني) له..« على حد ما يقول مرلو بونتي. ولما كنت تناولت في مقالة سابقة صور المكان في روايات المؤسِّسين (توفيق يوسف عواد، مارون عبود، يوسف حبشي الأشقر، فؤاد كنعان، سهيل إدريس) أرى اليوم أن أتناول رعيلاً آخر من الروائيين كان واكب من التغيرات الحضارية والسياسية (الحرب اللبنانية) والثقافية والفنية ما جعله ساعياً إلى وجهات مخالفة لتلك التي سلكها أسلافه. تنتهي إميلي نصر الله في روايتها »الإقلاع عكس الزمن« تماماً من حيث انتهى يوسف حبشي الأشقر في روايته الأخيرة »الظل والصدى«، حين تجعل بطلها »أبو نبيل« يقتل، على يد مسلحين، غير محددي المعالم، بعد أن كان قفل عائداً إلى قريته »جورة السنديان« الواقعة على سفوح العرقوب، اثر زيارة لأبنائه في كندا. غير أن الظاهرة العامة (موت البطل) المماثلة بين العملين كانت قمينة بأن تكشف عن مواطن التميز الحقيقية في رؤية كلا الكاتبين للعالم: ففي حين يتبدى موت »أبي نبيل« في رواية إميلي نصر الله، أنبل لحظة وأسماها لكونها تؤكد فعل المصالحة ما بين الذات المتجذرة في موطنها الأصلي (الأرض، الوطن، القرية) وبين الجماعة الحاضنة والمصالحة (إذ أقبل الناس من كل القرى المجاورة، مسلمين ومسيحيين، للتعزية بوفاة أبي نبيل) مما يدحض الحرب ويميت فصلها المخرِّب الذي يعكس تيار الزمن والحياة الحقيقيين الأبديين، يبين مقتل »اسكندر الحماني« الذي توحي به خاتمة الرواية إيحاءً راجح الدلالة، على يد مسلحي صديق الأمس »أسمر«، على انه اتهام شديد القسوة للمجتمع اللبناني (الريفي منه، قبل المديني) الذي بات منساقاً انسياقاً غريزياً وحيوانياً إلى الثأر والقتل، وكأنما هذان يرقيان لديه إلى مصاف الغاية والحياة ومثالها. إميلي نصر الله: مثالية الريف إذاً، تصدر الروائية إميلي نصر الله عن رؤية تصالحية، ليس في معالجتها موت »رضوان أبي نبيل« فحسب، بل في انتقائيتها الريفية الاغترابية، إذ تتبنى وجهة نظر »رضوان« بطلها وتروح تصف، بواقعية مضبوطة، ولغة صافية مخففة قدر الإمكان من الشعر، مراحل الرحلة التي جعل يخوض فيها لزيارة أبنائه وعائلات أقربائه في كندا، ولتسقط بعض الأخبار عن إخوته الثلاثة الذين كانوا هاجروا إلى أميركا لستين عاماً خلت، إثر الحرب العالمية الأولى وانقطعت أخبارهم بالكامل. تلملم الروائية »إميلي نصر الله« في روايتها »الإقلاع عكس الزمن«(1) شتات ذلك المسرح المكاني الذي تتم في تضاعيفه رحلة الاغتراب المشهودة، من الأرياف اللبنانية الأصلية (»جورة السنديان« مجازاً، و»كفير« حقيقة)، إلى بلاد الاغتراب الأميركية، وكندا بالتحديد، حيث اختار المهاجرون العيش والنجاح المعنوي والمادي، منخرطين في تمدنها وتحضّرها أرسخ الانخراط، من دون أن يهملوا روابط القربى والصداقة في ما بينهم، ومن دون أن يغفلوا عن ذكر بلادهم ووطنهم الأم. على أن إميلي نصر الله لا تكاد تخرج عن تلك الترسيمة المكانية التي كانت صاغتها في تجاربها الروائية والقصصية الأولى، من مثل »طيور أيلول«، كما في تجاربها الراهنة من مثل »الجمر الغافي« و»محطات الرحيل« وغيرهما، والتي تنحو فيها إلى حصر الفعل الدرامي في المسرح الريفي الأثير، على أنه خازن القيم المثالية وموئل البطل الأمثل: »في قريته الإنسانُ لا يزال كبيراً.. والإنسان في قريته، يعيش ضمن دائرة عالمه الصغير معتزاً، مكرماً، محمياً..« (»الإقلاع عكس الزمن«، ص 66)، أما مد الأبصار إلى خارج الإطار الريفي، سواء أكان ذلك بإطالة رحلة البطل إلى المدينة، وبلاد الاغتراب، أم بجعل المصائر والأقدار تتلاقى وتتصادم في المسرح الريفي عينه مشفوعة بعوامل غريبة عنه مدينية على الأرجح، فالغاية منه معروفة: المفاضلة ما بين خير الريف وشر المدينة وما يلحق بها، وإعلاء صورة القرية باعتبارها العالم المثالي الذي لن يطاله تشوه المدينة. وذلك هو إيمان يعاكس يقين »يوسف حبشي الأشقر« في أن التسوس كان نخر، وللأبد، روح القرى فجعلتها صنو المدينة فساداً، حتى بات من غير المعقول نسبة الخير الى مكان واقعي بذاته، مسرح للأبطال، سواء أكان حقيقياً أم صنيع التخييل والتفضيل. الياس خوري: شتات الأمكنة بيد أن الحرب اللبنانية لم تمر مرور الكرام على الرواية، فأصابت فيها مقاتل، وما زالت تعاني من ندوبها الى يومنا هذا: إذ أدخلت (الحرب) في روع بعض الكتّاب ولا سيما الياس الخوري، أن من الممكن إحداث »ثورة أو خلل في قوام الرواية اللبنانية، يكونان معادلين للثورة الحاصلة في الوقائع اليومية للحرب الدائرة رحاها بأرجاء بيروت، وفي أغلب المناطق اللبنانية. ومما لا شك فيه أن هذا الزعم كان نامياً، بالضرورة إلى منطلقات إيديولوجية كان الراوي آخذها مأخذ الجد، وحاملاً لواءها، ليس في انتقائه المشاهد من المدينة وهي نهب لنار »الانعزاليين« فحسب، بل في تعليقاته على مجريات الحرب اللبنانية الأولى (1975 1976) وصدوره فيها عن رمزية ثوروية فاقعة، تحيك الأفعال كلها الى مرجع مبسط للغاية وإلى ثنائية إيديولوجية أرادها مانحة للدلالة والقيمة لشخوص عالمه أبطال حربه وشهدائها على السواء: ففي كتابه »الجبل الصغير«، وهي روايته الثانية، تجد الروائي متلبساً صوت الراوي وقد يكون المؤلف قصد إلى هذا التلبس تطلباً للمزيد من الصدقية ناهضاً إلى رسم مساره النضالي، الجارية فصوله أمام ناظريه وبيديه: من »الجبل الصغير« كناية عن الأشرفية مسقط رأسه ومحط أحلامه التي ما ونيت تتلاشى أمام مد المدينة، من حيث أجبر على النزوح مطاردا من قبل مسلحين »يقرعون أجراس الكنائس، ويطرقون الباب ويسألون عني« (»الجبل الصغير« ص 24)، الى شارع فرنسا من شوارع بيروت إبان الحرب، وقد غدا مقاتلاً »البندقية بيد والحلم بيد أخرى« (»الجبل الصغير« ص 29) في صفوف المقاتلين »من مختلف المنظمات والأحزاب (اليسارية) (»الجبل الصغير« ص 30). وفي حين تجد الراوي قانعاً بانتقائية في اختيار المشاهد والأماكن خام، »يسمونه الجبل الصغير، وكنا نسميه الجبل الصغير« (ص 9)، إذ يتصدى لوصف مسقط رأسه في الأشرفية، مستعرضاً محطات سريعة في مسار انحدارها الى النمط البورجوازي، ومبرزاً بعض لقطات من ذاكرته الطفولية يوم ألبسه أهلوه عباءة القديس أنطونيوس على الطقس الشرقي، تراه مسلطاً عيناً جامعة وجامحة وتفصيلية في آن، إذ يعمد إلى وصف المعارك الجارية في شارع فرنسا، فينقلها (عدسته) من »الكنيسة« التي كانت موقعاً »للانعزاليين« أخلوه تحت وطأة الهجوم من قبل القوات المشتركة، الى البحر الذي كان يزمع هؤلاء على بلوغه في معاركهم السالفة، وصعوداً إلى جبل »صنين« حيث اجترح الرفاق بطولات ضد الأعداء وأسروا، وبلوغاً إلى مشاهد من سيرة رجل عادي في حي من أحياء المدينة أثناء الحرب بل في خواتيمها، وقد أكلت نيران الحرب سيارته وأغرق في دوامة من الهموم المعيشية، وتآكلته المخاوف من استطالة الحرب بعد انتهائها الرسمي (عام 1976)، وانتهاءً بوقائع المصادرات التي خاضت فيها الجموع تنفيساً عن قهرها، وختاماً مع رحيل »برجيس«، إلى مدينته الثانية »باريس«. من الجلي أن الروائي الياس الخوري، إذ انصرف إلى وضع الإطار المكاني العام، حيث تجري أفعال أبطاله إذ لا بطل مفرداً بالمنظور النضالي البحت، وإنما الجمهور أو الشخصية المجمهرة أو الفصيل خانه التعيين والرسم التفصيلي وأقنعه الذكر المحصن: ذلك أن المكان، بيقينه، يفيض بمعناه وبمحتواه، وهو المعنى الطافي عينه الذي قصد الراوي الى استنطاقه منه، وأن التعيين المكاني يكون لازماً وسامياً في موضع (وصف المعارك في »الكنيسة«)، ويكون نافلاً وغير لازم وفاتر الترميز في موضع آخر (وصف الجبل الصغير، مسقط رأس الراوي). وفي روايته الثالثة »الوجوه البيضاء« وجدت المؤلف ممعناً في بداهته المعهودة، وفي رسمه الأطر المكانية، كما في سرده التفاصيل المستفيضة التي يدعي بها إخراج »سيرة جماعية« لعامة المناضلين والشهداء الذين سقطوا دفاعاً عن الثورة والعروبة والتقدم وعن المقاومة الفلسطينية وعن سائر الشعارات مما حفلت بها الحرب اللبنانية. ولما كان الروائي متلبساً جلد المحقق الصحافي وكان في رواية »الجبل الصغير« متلبساً جلد المناضل، المقاتل اليساري فقد رأيته في »الوجوه البيضاء« يتابع نسج العلاقات العامة التي كان يقيمها المغدور »خليل أحمد جابر« مع بيئته وأصدقائه، فإذا كلام هؤلاء ينداح لترتسم به لوحة عظيمة الاضطراب والتعدد عن الحرب اللبنانية وهموم الناس في منطقة المعاناة الحقة (المنطقة الغربية من بيروت) على حد وصف الروائي. لا بطل في رواية »الوجوه البيضاء«، وإنما وهم الأسطورة السياسية ما يسعى المؤلف إلى استنهاضه من الرحم الشعبي، أي من المادة الإخبارية الخام التي يستبعدها الروائيون البورجوازيون من اختيارهم على ما قد يصف الروائي بحكم قانون الانتقائية المألوف لديهم، باعتبار طبيعة شتاتها ورثاثة نماذجها. وكأن الرواية لدى الياس الخوري، نظير الحكاية الشعبية، لا تستوجب بناء شبه عالم واحد (لا غير) ذي أمكنة مضبوطة، بانضباط الإيقاع الحكائي فيها، ولا تتطلب اختصار الرؤية في عدسة الروائي القادرة على النفاذ إلى ما تعجز عنه العين الشعبية العادية والمسطحة. فالعين التسجيلية، إذاً، لدى الراوي أو الروائي الياس الخوري، إذ تقع على الشخصية المنمذجة على نحو تقريبي، مثيل »كامل أبو مهدي«، وقوعا فطريا، فإنها سرعان ما تنزلق انزلاقا إلى الإطار المكان الأعم (الشارع، الجامعة، شارع الحمراء، المقهى، المنزل..) ثم تعود لتقع، وكأنما بالصدفة، على أطر أصغر تكون المجال الحقيقي للسرد، لا الحكاية. وهكذا، تتناوب لحظات هذه العدسة، بين الانزلاق والوقوع البديهي، وبين التأليفية والتعليق الانفعالي، والسردية المشتتة، حتى ليمكن القول إن أقصى ما يفلح الروائي في إخراجه إلى حيز الوجود المكاني لا يتعدى المشهد الواحد ذا الأشتات المتداعية معه تداعياً معقولاً. أما القاع الدلالي الباقي تحت هذه المشاهد، فلا يعدو كونه ركاما من الأصداء النامية إلى الخطاب السياسي اليساري، وإلى الرومنطيقية المكبوتة، وإلى الحكم السائدة في حينه. رشيد الضعيف: توليف الفضاء المكاني وفي المقابل، فقد رأيت الروائي »رشيد الضعيف« خارجاً من الحرب اللبنانية، وقد طبعته بطابع عدوانيتها العميقة، إذ أصابت كيان الفرد في جوهره وبالصميم. بيد أن الروائي كان مدركا للفروق الكامنة ما بين الذات العامة والعامية، وبين رؤية المؤلف الخاصة والمشغولة بعناية، في نتاج أدبي متواصل. ففي روايته الأولى »المستبد« يحكي الراوي حكاية أستاذ جامعي كان أخافه قصف الطائرات الإسرائيلية وهو في ملجأ قريب، ولما اشتد القصف وجدت طالبة من طالبات الجامعة ممن وجدن في المكان، تهوي في حضنه، خائرة القوى. وفي لحظات ملؤها النشوة، يدخل الراوي الطالبة وسط الظلام وضباب الغبائر المنبعثة من الانفجارات القريبة. وما أن تنتهي الغارة ويخرج الجميع، حتى يبدأ الراوي بحثاً متواصلاً، وعبثياً، عن تلك الطالبة. ولئن تقاطعت مع الحكاية المحورية وقائع أخر، من مثل الترجمات التي كان يباشرها الراوي في الصف، وسرقة سيارة أحد الزملاء، والسيارات المفخخة في أحياء بيروت وجرح الراوي بانفجار إحداها، فإن قوام الحكاية ماثل أبداً، في تناميه، مشهداً إثر مشهد، حتى بلوغه حده الفني النموذجي، إذ نفح الروائي الراوي من الحوافز النفسية الكافية شوقه إلى المرأة وهو المستوحد العازب، والمنعزل خوفا على نفسه من الموت اغتيالاً وتفجيراً جعله ماضياً في منطق بحثه عن الطالبة معشوقته، حتى حدود الهوس بها، والظن أن كل طالبة من طالباته ممن أتين منفردات، إنما هي تلك الطالبة المنشودة. ومهما يكن من أمر تلك الحكاية الذاهبة إلى ختامها الفني على أتم وجه، فإن »رشيد الضعيف« كان على إصراره لإخراج إطار مكاني يليق بحكايته الآنفة، مع كونه شاهدا صادقا على أزمة الكائن، شخصيته النموذجية »الأستاذ الجامعي س«، وذلك كله، ضمن محيط وأحداث عاصفة في حينه، أي مطلع الثمانينيات. والحال أن نظرة تفصيلية إلى ثبت الأماكن الموصوفة في الرواية، تدل على أن الروائي كان حصر إطار الحدث في سبيل مرسوم بعناية، من البيت إلى الشارع، فإلى الكلية، ومن الكلية إلى الكافيتريا، ثم إلى الشارع والحي والمقهى والمستشفى، والبيت، والسيارة، منطلقاً بها إلى الريف، حيث أمه والخلاص، في آخر المطاف. ولا شك في كون الترسيمة المكانية هذه التي تكاد تكون منغلقة وخانقة، لولا انفتاحها غير المتوقع، والأخير، على عالم غير مخنوق بعد، وعنيت به الريف، وإنما شاءها الروائي كذلك ليظهِّر بها المناخ الرؤيوي العام الذي كانت مصطبغة به حياة المدينة بيروت، في أوائل الثمانينيات، فأحالها كوابيس بلا قرار. لن أخلص إلى أن الترسيمة المكانية التي انطوت عليها رواية »المستبد« إنما كانت توحي بتلك الكوريغرافية العامة التي انساق إليها أغلب الناس في تلك الفترة العصيبة وهذا ادعاء انتروبولوجي قد يكون صحيحاً بل أنتهي إلى أن الروائي »رشيد الضعيف« كان مال إلى شبيهتها في روايته الثانية »فسحة مستهدفة بين النعاس والنوم« والخامسة »تقنيات البؤس« على السواء. ففي الرواية الأخيرة ينكب الروائي على وصف انشغال بطله »هاشم« في أمور حياته الدنيا والمهم في الأمر أن الروائي ما كان ليبتدع حكاية لها مسارها ومساردها المترابطة في ما بينها، طالما رأيته منصرفا إلى إخراج شخصية نموذجية (هاشم) كان جل اهتمامها منصبا على تدبير أمور يومها بالتي هي أقل سوءاً. ولئن وجدته (هاشم) عازباً، وساكناً وحده في شقة قائمة في بيروت، وساعياً الى امرأة تؤنس وحشته (مريم)، فإن سعيه الدؤوب لإصلاح ما تخرّب من وسائل العيش المدني، ولا سيما المياه والكهرباء، وتعليقه آمالاً عراضاً في تحسين عيشه البائس، جعلاه ينظر إلى ارتباطه بمريم من زاوية نسبية للغاية أبت الأخيرة معها مواصلة صلتها به. والواقع أن إمعان النظر في الإشارات المكانية التي انطوت عليها الرواية يكشف عن إطار غالب يكاد يكون مغلقا، وداخليا في آن: ألا وهو البيت، حيث يقيم »هاشم«، إذ يسعنا أن نعاينه خارجاً من غرفة النوم، إلى المطبخ، فإلى الحمام، والممشى. ومن بعد ذلك نراه نازلاً الى الشارع، فالمقهى، ومن ثم الى المطبخ واللافت في كوريغرافية هذه الرواية »تقنيات البؤس«، وفي ترسيمتها المكانية أنها داخلية بمجملها، كما أشرت: ذلك أن الروائي يروح يثبت النظر إلى البيت باعتباره المحطة المكانية المحورية حيث تتوالى الأعمال المنزلية. بيد أن الأهم في الترسيمة المذكورة، أن الروائي تراه مسلطاً عينه على تفاصيل في المنزل، وفي جسد »هاشم« على السواء ما كان ليقدم على تسليطها في أعماله السالفة. حتى ليمكن القول إن تلك العين التفصيلية إذ تراها تتنقل ما بين الصغير والمتناهي الصغر، وما بين المرتفع والمنخفض، وما بين القريب والأقرب والبعيد والأبعد، وبين الداخل والخارج ثم الداخل، فإنها تصوغ، بلا ريب، هندسة مكانية للحكاية المفترضة، أشبه ما تكون بهندسة الأبعاد الثلاثة، والأحجام المتكاملة، تصير معه الأمكنة البارزة على هذا النحو، كناية عن ضيق وسط العالم أعم وأشمل وأثقل، ولا تقوم الحوافز الخارجية فيه، سوى لتأكيده وترسيخه. ولكن الروائي »رشيد الضعيف« لم يلبث على ذلك التطلب في نشدانه ترسيمات مكانية مدينية على قدر من التراكب كبير في كل من روايتيه الأخيرتين »غفلة التراب« و»عزيزي السيد كواباتا«. فرأيته في »غفلة التراب« ينشد لحنا جنائزيا على موت شابين »بطرس« و»شربل« كان تراب الحفرة العميقة انهال عليهما فأماتهما، وهما في ريعانهما، والحال أن مقتل هذين، وهما من منطقتين في لبنان متباعدتين، كان الحدث الدرامي الذي توسّط أحداثاً بسيطة مبتذلة، من مثل عزم بعض شباب القرية (إهدن) على إعداد حفلة غنائية، وأحداثاً عظيمة بمدلولها الرمزي، من مثل اصطباغ الجبل، حيث كنيسة القرية باللون الأزرق، وشمول هذه الأشعة تمثال »يوسف بك كرم« الشهير. أما روايته الأخيرة »عزيزي السيد كواباتا« فمصوغة من مشاهد مستحضرة على التوالي: من زمنه الحاضر (حين رأى شبيهاً به يسير في شارع الحمراء) إلى ماضيه البعيد (يوم كان منخرطاً في حزب علماني تقدمي، فخان الواقع شعاراته)، إلى ماضيه السحيق (حين كان لا يزال فتى مطلاً على المعرفة المضادة للخرافة والمادية الماركسية، على يد المعلم »صادق«)، وانتهاءً بلحظته الراهنة (التي ينتقد فيها كونه عربياً، ويأسى لموت معلمه صادق، ثم يخلص إلى الطلب من السيد كواباتا الرد على رسالته المطولة تلك، والرواية متخذة شكلها وخطابها). إذاً، يتبدى الفضاء المكاني في كلتا الروايتين خارجياً وريفياً في آن، فضفاضاً وغير سالك على سمت مؤثث كفاية، على ما عهدناه في روايات »الضعيف« السالفة، من دون أن يعني ذلك أن الرواية الواحدة منهما قد تخرج على صدقيتها الواقعية لعدم كفاية الأطر المكانية حاوية الحدث على ما هي الحال في رواية »غفلة التراب« وإنما وجدت الروائي صارفاً من اهتمامه »بالرسالة الموقف« التي يزمع إبلاغها إلى القراء، أكثر بكثير من اهتمامه بتوليف الفضاء المكاني وإيلائه عناية فنية عالية. والحق أن هذا الوصف لينطبق أيضاً على رواية »عزيزي السيد كواباتا«، مع كونها حافلة بإشارات مكانية على امتداد المحطات الزمنية السالف ذكرها وما يستتبعها من أجواء وما يلحق بها من شخوص وعبر وأوصاف. حسب المؤلف، رشيد الضعيف، أن الكتابة الروائية، على كونها مجالاً إبداعياً ثرَّ المدلولات، حري بها أن تتحمل وزر الشهادة لعصرها وزمنها وناسها، وما قيل لن يميته أو يحييه إلا الزمن. حسن داوود: دوائر الذاكرة المكانية يعتبر الروائي »حسن داوود« بدوره، أن من الأجدى أن يباشر المرء مادة روايته مما توفر من وقائع سيرته، وسيرة غيره من الأقربين، ناسجاً منها فضاء الرواية وشبه عالمها وأجواءها ومشاهدها، حتى يخلص منها الى ختام سيرورة منطقي. وتسجل رواية »بناية ماتيلد« الأولى لحسن داوود، بفصولها الثلاثة التحولات التي تصيب بناية ماتيلد، حيث كان الراوي مقيماً مع أهله، فترة من الزمن، اثر انتقالهم من منزلهم الأول في منطقة النهر. »ليست رواية حسن داوود (بناية ماتيلد) عملاً يدور على موضوعة أو فكرة، ولا هي تمثل رمزي على حدث أو واقعة، وإن نمت الرواية بمعرفة روائية غنية بمن تتناولهم وبحركاتهم وسكناتهم وأماكنهم..«(2). إنما الرواية بحسبنا ق صٍّ بانورامي، متأنٍّ وعميق في آن، لشخوص بناية ماتيلد، يطاول ثلاث مراحل زمنية، موزعة في فصول الرواية الثلاثة: في الأول مرحلة إقامة عائلة الراوي وعائلة عمه معاً في البناية، وفي الثاني يصف الراوي البناية بعد أن غادرتها عائلة الراوي، وفي الثالث يسجل التحول المأسوي الذي أصابها (بناية ماتيلد). إذ تقتل »ماتيلد« مالكة البناية، على يد طالب جامعي كانت المغدورة قبلت إسكانه في شقتها. لا عقدة رسمية تحكم الحدث المتنامي وحده في الرواية، وعنيت به حياة بناية ماتيلد وموتها إنما هو الصراع الضمني والعنيف حيناً بعد حين، بين ريفية هؤلاء من سكان البناية الجدد، ومدينية أولئك، وبين نزوع بعضهم إلى »الانتشار«، وبين صفة الإقامة المدينية المطمئنة لدى البعض الآخر. إلا أن كل حركة ونأمة ومشهد وظل لا يني الراوي يصفه بعيني »ماتيلد«، ومن خلال وعيها وحدسها وجماليتها المدينية، وكوريغرافيتها الفرداوية النموذجية. من الجلي، إذاً، أن »حسن داوود« قد استهل نتاجه الروائي بأن ثبت مادة روايته، في مكان قائم بذاته، حافل بصنوف الشخصيات وأنواع الطبائع والسرائر، ثم راح يواصل استنطاق هذه المادة، مراهناً على سيرورة تحولاتها الدرامية الى ختامها المعقول أدبياً، حتى إذا أخرج الروائي صورة نموذجية عن شخصية »ماتيلد« المدينية، انبرت لكل الشخوص ما عداها، الساكنين في طوابق البناية، والنازلين فيها لتوهم من قراهم على السواء، المرآة السلوكية التي انبغى لهم احتذاؤها عن بعد وعن كثب، وإن كان التهشم مآلها الأخير والمحتوم. وفي مقابل الحيز المكاني العمودي والمتسع لفيض من السلوكات والوجوه الذي كان الروائي صاغه في »بناية ماتيلد«، تنهض كوريغرافية الغرفة الواحدة في المنزل الريفي المنعزل، حيث يقيم العجوز البالغ الرابعة والتسعين، وهو الشخصية النموذجية الوحيدة في رواية داوود الثالثة »أيام زائدة«. إنها، أي الرواية الأخيرة، قائمة على الحد المقابل من هندسة الوجود المديني في »بناية ماتيلد«، بل الأحرى أنها (أيام زائدة) تجهد في محو الدوائر المكانية الكبرى، إذ تعيد مركز المكان الى الجسد المفرد جسد العجوز التسعيني، وقد آل إلى انحلال وسط عدوانية الأبناء ورغبتهم في تسريع موته المنفي، والمموَّت تركاً وإهمالاً قبل ان يلفظ الروح بكثير. ولئن جعل الراوي يرسم إطاراً لحركة العجوز محدوداً للغاية، بحيث يغدو تنقله بين الغرف، وفي غرفته بين السرير والمصطبة والمغسلة والباب والدار، كناية عن مآل الجسد وهشاشته وقرب فنائه، فإنه ما وني يستحضر من ذاكرته الحية أسماء أمكنة، من مثل الضياع والأفران التي ساهم في تأسيسها وبيروت، والنبطية والساحة وغيرها مما كان، في ما مضى، مسرحاً لسلطان رجولته وملكيته وإنجازاته المتروكة لأبنائه العاقين من بعده. وفي روايته الأخيرة »سنة الأوتوماتيك« يحشد كل تمرسه في الوصف والانتقاء ليروي حياة شاغلي الفرن، قبالة الجامعة الأميركية في بيروت، وليرصد التحولات التي أصابت المكان والشخوص الدائرين في مداره. لا تحكي الرواية حكاية بعينها، ولا تحصر الوقائع فيها بشؤون الفرن وحده، وإنما تراه (الفرن) ذلك المكان المركزي حيث يستكمل العمال، فتيانا وشبانا، والراوي وأخوه وهما ابنا صاحب الفرن، تلقينهم المديني وإدراكهم لحدوث الحياة دونهم، وكأنما الأخير مشاهد محضة، لا يسع العين، الدربة والمبتدئة على السواء، أن تلتقط منها سوى الواقع في مجال الحركة اللصيق بالفرن. إلا أن الحياة الموصوفة، الداخلية منها والخارجية، على ثرائها، تلبث عصية على النفاذ إلى صميم حياة الراوي، أو أبطاله ممن يقاسمونه عزلات الفرن وضوضائه وتطلعاته النافذة دوماً الى نقطة التخييل والاستحالة، بيد أن اللافت في الترسيمة المكانية التي ينشئها »حسن داوود« في روايته الأخيرة، ليس الخارطة الجغرافية التي تشكل مجال شاغلي الفرن الفتيان والشباب (من الفرن، إلى الشارع، إلى الجامعة الأميركية، إلى شاطئ البحر، إلى الأوتوستراد، وإلى مدينة عاليه، ومن ثم إلى السينما، والبسطة، والمقهى..) وإنما هي زوايا النظر التي يطل منها الراوي ورفاقه إلى العالم (من مثل النافذة، والشرفة، والشق، والفسحة، و..) فتحكم طبيعة الرد المتأسي، والمكتوم، غالب الأحيان، على سيل المشاهد المدينية المنصرمة إلى حياتها المستقلة دونهم. هوامش (1) مؤلفات إميلي نصر الله، صادرة عن مؤسسة نوفل في بيروت. (2) وضاح شرارة، المدينة الموقوفة المطبوعات الشرقية، بيروت، 1985 ص 256.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة