As Safir Logo
المصدر:

تقرير.مأساة بلقانية إسمها الإحتيال

المؤلف: عيتاني حسام التاريخ: 1997-02-08 رقم العدد:7615

عشرات الآلاف يتظاهرون في شوارع تيرانا وفلورا وغيرهما من المدن الالبانية مطالبين باستعادة مدخراتهم التي اودعوها في شركات استثمار انهارت في كانون الاول الماضي لتدخل البلاد في ازمة يجتمع فيها انسداد افق النمو الاقتصادي مع المراوحة السياسية في ظل حكم »ديموقراطي« من صنف فريد. والمتظاهرون يمثلون الفئات الاكثر يأسا وغضبا من مئات الآلاف الذين صدقوا وعود شركات استثمار ك»فيفا« و»جافري« و»بوبولي« بجني ارباح تصل الى ثلاثين في المئة شهريا في بلد يوازي متوسط الدخل الفردي فيه 64 دولارا في الشهر. ولم يبذل اكثر المودعين جهدا كبيرا في التحقيق من السبل التي ستستثمر فيها هذه الشركات الاموال فوقعوا ضحية فخ مثلث: السذاجة والطمع واليأس من احتمال تحسن وضعهم الاقتصادي والاجتماعي، وفعلت الاعلانات التي نشرتها الشركات في الشوارع الرئيسية فعلها واستسلم المودعون لإيحاء وسائل الاعلام التي ما زالت الدولة تقبض عليها بيد من حديد على الرغم من تأكيدها عمق ايمانها »بديموقراطية السوق الحرة«، وزاد من اقتناع بسطاء المودعين الصلات الغامضة التي تربط القائمين على الشركات برموز السلطة فرئيس »فيفا« وهبي علي موكاج يستخدم في اسفاره جواز سفر دبلوماسيا وموّل الحملة الانتخابية للحزب الديموقراطي الحاكم العام الماضي. اما المودعون فيحملون السلطة مسؤولية نكبتهم التي اودت بدولاراتهم القليلة التي حصلوا عليها بعدما باعوا منازلهم ومقتنياتهم او وضعوا في صناديق الشركات ما وفروه من عمل اولادهم، المهاجرين الى اصقاع اوروبا، ويعتبرون انهم »لم يكونوا يعرفون شيئا عن الرأسمالية« بعد اربعين عاما من الحكم الستاليني لأنور خوجا وخليفته رامز عليا. وتقوم الشركات على اساس »هيكلية الهرم« فتدفع من اموال آخر المستثمرين لأوائلهم الفوائد الكبيرة اما كيف كانت تخطط لدفع اموال آخر المستثمرين فهو ما لم يكن احد يعرفه وحتى صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، المشجعان الدائمان على اتباع الصيغ الاقتصادية الاكثر تحررا بغض النظر عن كلفاتها الاجتماعية، حذّرا من مخاطر هذا النوع من الاستثمار الذي يفترض وجود اقتصاد من دون قعر يمكن دوما ان يظهر فيه المزيد والمزيد من »اواخر« المستثمرين ويعتمد عليهم لدفع الفوائد »للأوائل«، وهو افتراض أقل ما يقال فيه انه غير واقعي عدا انه يخفي نوايا احتيالية مبيتة ومخبأة بعناية وراء شعارات الربح السريع والثروة الموعودة. وشهدت اكثرية الدول الأوروبية الشرقية، بعد انهيار انظمة الحكم الشيوعي فيها، ظهور شركات مشابهة لاقت مصيرا لا يختلف كثيرا عن مصير الشركات الالبانية، قد تكون اشهرها شركة »ام.ام.ام« التي انهارت العام الماضي وسط دوي اعلامي كبير في روسيا ولم تكن بعض الدول العربية كمصر ولبنان بعيدة عن التعرض لتجربة »بائعي احلام الثروة« التي مني المصدقون بها بخسائر واقاموا دعاوى ما زالت المحاكم تنظر فيها مع آمال ضئيلة بالتعويض على المتضررين. وربما تتشارك هذه الدول في جملة نقاط اهمها ان الشركات المذكورة ظهرت في فترة تغيير سياسي او اضطراب اقتصادي (انهيار الشيوعية في اوروبا الشرقية و»الانفتاح« في مصر والازمة الاقتصادية الاجتماعية بعد انهيار العملة الوطنية في لبنان) اضافة الى استخدام اكثرها »رمزا« لتدعيم مصداقيتها في اوساط المودعين (كالتدين في مصر مع »الريان« والعلاقة مع السلطة في شرقي أوروبا) واللجوء المكثف الى الاعلان. وفي الحالة الالبانية تجتمع الأمور هذه جميعا مع اعتماد الشركات على غياب اية ثقافة اقتصادية بعد قرون من الحكم العثماني وعقود من المصادرة الستالينية لوسائل التعبير، جعلت السلطة في نظر الشعب شيئا غير ملموس بل ربما غير خاضع لقوانين هذا العالم وبالتأكيد لا يقع تحت محاسبة المواطنين. ولم تغير الحكومة الحالية كثيرا من الاساليب السابقة، فالمعارضون يضربون في الشارع جهارا نهارا من قبل عملاء لأجهزة الامن باللباس المدني كما حصل مع الفنان عيدي راما فيما القضاء ما زال يخضع لتوجيهات الحكام. اما المعارضة التي قررت الشهر الماضي تشكيل تحالف يضم الاشتراكيين الذين خلفوا الشيوعيين، وضحاياهم السابقين في »جمعية السجناء السياسيين« للتصدي للرئيس سامي بريشيا، فمتهمة بعدم التورع عن دس المسلحين وسط المتظاهرين وإطلاق النار على رجال الامن اثناء قمع هؤلاء لتظاهرتين على الاقل. كل ذلك يدور في بلد هو بحسب المعايير الغربية، ساحة كبيرة للانقاض وللفقر المدقع في اوروبا لا ينافسه على احتلال هذا الموقع الا البوسنة ذات الاكثرية المسلمة هي الاخرى (صدفة؟)، اما الاستثمارات الغربية فلا تزيد عن مصنع لزجاجات »الكوكاكولا« ونسبة النمو التي تحققت في العام 1995، وبلغت ثمانية في المئة لا تخفي ان اكثر من 19 في المئة من السكان من العاطلين عن العمل وان نسبة اكبر من المواطنين يفتشون عن مفر، تارة الى الخارج كمهاجرين غير شرعيين وطورا الى الداخل نحو »الاقتصاد الموازي« (بحسب تعابير وأرقام صندوق النقد) الذي يشمل تجارة المخدرات وتبييض الاموال وغيرهما من النشاطات غير المشروعة. وبنى الديكتاتور السابق انور خوجا الذي كانت فكرة ان بلاده ستتعرض لغزو من »الامبريالية« الاميركية او »التحريفية« السوفياتية قد استحوذت عليه، نحو نصف مليون ملجأ من الاسمنت المسلح في شتى ارجاء البلاد ذات الثلاثة ملايين و400 الف مواطن على الرغم من ان الوثائق التي كشف النقاب عنها تؤكد ان القوتين العظميين لم يخطر في بالهما غزو ألبانيا، لكن الوظيفة السياسية وراء بناء الملاجئ كمحاولة من خوجا لتبرير عزلة بلاده عن العالم الخارجي والطابع الفردي للحكم المستنفر للتصدي لعدوان خارجي، ربما فسرت هذا الهاجس، اما األبانيو اليوم فلم يعد من ملجأ، حتى لو كان وهميا، يحميهم من واقعهم المقيم. لقد نجت ألبانيا من الوقوع في واحدة من الحروب المتناسلة في البلقان لكنها أصيبت بكارثة اوردتها مأساة اسمها الاحتيال. حسام عيتاني

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة