As Safir Logo
المصدر:

كتب.»المشروع النهضوي العربي«لمحمد عابد الجابري دعوة إلى التخلص من»إيديولوجية الإحباط«(صورة)

المؤلف: معلوف حبيب التاريخ: 1997-02-07 رقم العدد:7614

الكتاب: المشروع النهضوي العربي (مراجعة نقدية). المؤلف: الدكتور محمد عابد الجابري. الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الأولى 1996. يتأمل الدكتور محمد عابد الجابري في كتابه الصادر حديثاً، »المشروع النهضوي العربي«، في تلك القضايا التي شكلت قوام فكر النهضة العربية في القرن الماضي، وما حلّ فيها بعد مرور مئة عام تقريباً، كقضايا »الوحدة العربية«، و»الجامعة الإسلامية«، والوقوف في وجه التدخل الأوروبي، وتحرير المرأة، ونشر التعليم، والأخذ بالصناعة والتكنولوجيا، والتحديث، ومحاربة التخلف، والوقوف في وجه الظلم والمطالبة بالشورى والديموقراطية.. الخ ويدفعه الفضول إلى مراجعة ما كتبه في الموضوع فلاسفة وأدباء وسياسيون ومؤرخون، فيعجب العجب كله من »كون ما حصل وتحقق هو شيء آخر تماماً غير ما توقعه الناس، غير ما كانوا يريدون ويتمنون«. ويحاول المؤلف أن يستجمع شتات الأحداث الكثيرة المتراكمة المتداخلة التي شهدتها السنوات المائة الماضية، ويعمد إلى فرض نوع من النظام عليها فيدخلها ضمن أربعة مشاريع مستقبلية »برزت واضحة في ثنايا القرن الماضي وبلغت في أواخره مرحلة النضج بوصفها مشاريع مستقبلية، (أو مشاريع للمستقبل)«، هذه المشاريع، مع اختلاف مكان وزمان مولدها، هي: مشروع الحداثة الأوروبية، ومشروع الاشتراكية العالمية، ومشروع النهضة العربية (وهو المشروع الذي يهم المؤلف في هذا البحث)، ومشروع الحركة الصهيونية العالمية. ومنذ البداية يحدد المؤلف طبيعة عمله (كما هي مبينة في العنوان الثاني للكتاب)، فهو يميز بين »التأريخ« و»المراجعة النقدية«، مختاراً الثانية منهجيةً لعمله باعتبارها »ممارسة معرفية في الماضي من أجل المستقبل«، وان النقد الذي يمارس في هذا المجال ليس »نقداً للموضوع« كما هو شأن النقد التاريخي، بل هو »نقد للذات«. انطلاقاً من ذلك، فإن الهدف من الدراسة، ليس التأريخ لحركة النهضة العربية الحديثة، بل إنجاز نوع من »المراجعة النقدية« للمشروع النهضوي العربي، يرتكز عليها الباحث لتحليل ظروف نشأة هذا المشروع وتفحص المقولات الفكرية التي انبنى عليها، وذلك »بهدف التعرف على ما بقي منها صالحاً للتوظيف في المستقبل وما لم يعد صالحاً أو يحتاج إلى تعديل أو صياغة جديدة«. تعثر المشروع النهضوي في القسم الأول من الكتاب، يتفحص المؤلف أبرز التأثيرات السلبية والايجابية التي عملت عملها في المشروع النهضوي العربي من جراء احتكاكه مع المشاريع الأخرى. وهكذا فإن تعثر المشروع النهضوي العربي حسب رأي الكاتب جاء نتيجة قدر محتوم شاء له أن يسبح ضد مشروعين يتحركان من موقع القوة والهيمنة والمعرفة والسلطة هما: المشروع الاستعماري الأوروبي والمشروع الصهيوني. بالإضافة إلى موقف الاشتراكية العالمية من الاستعمار ومن القومية الذي لم يكن ليخدم قضية النهضة العربية. وهو يرى أن مشروع الاشتراكية العالمية (بمركزيته الأوروبية) »بقي يتجاهل بل يضايق المشروع النهضوي العربي إلى منتصف الخمسينيات من هذا القرن«. وفي محاولة واضحة من الكاتب لفك طوق »الإحباط« المسيطر على أفكار وآراء المفكرين والكتّاب في العالم العربي اليوم، فهو يتحدث عن إنجازات وإخفاقات قد أصابت المشاريع الأربعة التي ذكرنا، وهي تلتقي، حسب رأيه، في كونها حققت جزءاً من مشاريعها ولم تتمكن من تحقيق الباقي. فالحداثة الأوروبية أخفقت في تحقيق مشروعها كاملاً، مشروع جعل الإنسان القيمة العليا، وفقدت طابعها الإنساني، وأفرزت ما يشبه النقيض لما كانت تطمح إليه في البداية. أما الحركة الاشتراكية العالمية فقد قامت بدورين مخالفين تماماً لما كانت تنادي به وتطمح إلى تحقيقه، ويردد الباحث هنا، ما قيل وتردد منذ زمان حول هذا الموضوع، ان الماركسية نجحت في تنبيه الرأسمالية إلى نقاط ضعفها، فعملت هذه على تلافيها وطوّرت نفسها فتجنبت المصير الذي تنبأت لها به الماركسية. أما المشروع الصهيوني فقد عرف هو الآخر النهاية نفسها، لقد حقق جزءاً من أهدافه ولم يحقق كامل مشروعه (الامتداد من النيل الى الفرات).. وهكذا ليصل في السياق المنطقي نفسه الى الاستنتاج أن مسار المشروع النهضوي العربي لا يختلف، في إنجازاته وإخفاقاته، عن مسار المشاريع المنافسة له. فمن إنجازات هذا المشروع، انتصار الشعوب العربية في معركة الاستقلال ووقوفها في وجه التوسع الصهيوني خارج فلسطين المحتلة.. الخ. وفي العودة إلى أهداف هذا المشروع، التي كانت تتمثل في تحقيق »الاتحاد والترقي« للشعوب العربية، أي »الوحدة والتقدم« (أو »التضامن والتنمية«) بلغة اليوم، فيعتبر المؤلف انه على صعيد »الاتحاد«، أصبح »الانتماء إلى الأمة العربية« اليوم، من الخليج الى المحيط، مسألة نهائية. ومن المنجزات أيضاً محافظة هذا المشروع على »وحدة الثقافة العربية«، على الرغم من قيام الدول القطرية العربية المستقلة. أما حول أسباب التعثر الداخلية لهذا المشروع، فيردها الباحث من ناحية إلى الآثار السلبية التي تركتها »عملية التوظيف«، أو »السلوك البراغماتي في توظيف التراث العربي الإسلامي الديني منه والحضاري في مشروع النهضة«، أي اللجوء إلى التراث بوصفه وسيلة تعبئة وتجنيد، والاقتصار على مخاطبة وجدان الناس وتحريك المخيال الاجتماعي في مقاومة الغازي والمستعمر، ومن ناحية ثانية إلى تأسيس الفكرة القومية على اللغة والتاريخ واستبعاد التراث العربي والإسلامي كثقافة، ما أفسح في المجال أمام معارضي الفكرة القومية العربية لطرح اللهجات المحلية بديلاً من اللغة الفصحى والتاريخ السابق على الاسلام بديلاً من التاريخ الإسلامي، وبالتالي طرح الوطنيات القطرية اللبنانية والمصرية والسورية.. الخ، بديلاً من القومية العربية، والتمسك بالدولة القطرية بديلاً من دولة الوحدة. تكريس التجزئة وينتهي الدكتور الجابري في مراجعته النقدية للهدفين الرئيسين، أو الركنين الأساسين، في المشروع النهضوي العربي (الوحدة والتقدم)، الى نتيجة عامة تفسر ما تعرض له كلا الهدفين من انتكاسات وصعوبات في طموحهما الى التحقق الفعلي، هذه النتيجة هي: انفصال السياسة عن الإيديولوجيا، ففي حين كانت الإيديولوجيا القومية تبشر بالوحدة العربية وتشرع لها وتعبئ العواطف والعقول للعمل في سبيلها، كانت السياسة، سياسة الحكام والأحزاب والبيروقراطية، تعمل بالعكس من ذلك على تكريس »التجزئة« وتثبت دعائم الدولة القطرية. ويرد الباحث أسباب هذا الانفصال بين السياسة والإيديولوجيا الى عوامل عدة منها، إغراق إيديولوجيا »الوحدة« و»التقدم« في الوطن العربي في الحلم وعدم انطلاقها من تحليل الواقع في صوغ طموحاتها وأهدافها، ومنها أيضاً، أن هذه الإيديولوجيا قد استقت مفاهيمها وتصوراتها من الواقع الأوروبي والإيديولوجيات التي تعكسه وتعبر عنه، فأغفلت الواقع العربي والتراث الذي يسنده، وان من أهم هذه العوامل أخيراً، »تعارض مصالح وطموحات المحكومين مع مصالح وإرادة الحاكمين«. وبعبارة أخرى وأخيرة، يرد الباحث انفصال السياسة عن الإيديولوجيا في دولة الاستقلال بالدرجة الأولى إلى »غياب الديموقراطية« فيها، هذا الغياب ليس على مستوى السياسة، مستوى أساس الحكم وأسلوبه، بل هي غائبة أيضاً على مستوى الإيديولوجيا نفسها داخل المشروع النهضوي العربي ككل. ودليله على ذلك، أن الفكر القومي العربي قد سعى دائماً نحو »تأجيل الديموقراطية«، فقد أجلها أيام الكفاح الوطني »من أجل الاستقلال«، »ومن أجل الوحدة« بعد الاستقلال، أما بعد منتصف الخمسينيات حين رفع الفكر القومي شعار »الوحدة والاشتراكية«، فقد كان تأجيل الديموقراطية يبرَّر بضرورة تحقيق »الاشتراكية أولاً«.. الخ. وهكذا يخلص الباحث في استشرافه للمستقبل وفي محاولته لتحديد آفاقه، الى أن تأجيل الديموقراطية أصبح غير قابل للتبرير، ويجب على التغيير أن يبدأ من تغيير طريقة النظر إلى الأمور، »من تحليل الواقع تحليلاً يجمع بين النظرة الموضوعية والهدف الاستراتيجي، هدف التغيير وإعادة البناء«. وهو يدعو الى التخلص من حال »الإحباط« و»إيديولوجية الإحباط«، تلك الإيديولوجية التي تنظّر للهزيمة والسقوط. كما يدعو الى التخلص من »الأسئلة المزيفة« كتلك التي تطرح على التاريخ أسئلة لا تاريخية من نوع: هل يقبل الإسلام الديموقراطية؟ وهو يستلهم ويتبنى في هذا الخصوص الطريقة الرشدية في الحل. أي ذلك المنهج الذي عالج به ابن رشد العلاقة بين الإسلام والعلوم القديمة من منطق وطبيعيات وإلهيات، وخصوصاً في كتابه الشهير: »فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال«، والذي طرح الموضوع حسب السؤال التالي: »هل النظر في الفلسفة وعلوم المنطق مباح بالشرع أم محظور أم مأمور به، إما على جهة الندب وإما على جهة الوجوب«؟ الشورى والديموقراطية ويعتقد الدكتور الجابري ان هذا النوع من الطرح هو وحده الطرح الصحيح في ما نحن بصدده، ذلك أنه سواء تعلق الأمر بسؤال الأمس حول العلاقة بين الدين والفلسفة أو بسؤال اليوم حول العلاقة بين الإسلام والحداثة المعاصرة، »فإن ترتيب هذه العلاقة يجب أن يتم من داخل الشرع لا من خارجه«. وبما أن الدين، عند أهله على الأقل، يعلو ولا يعلى عليه، فإن كل ما يقع خارجه يجب أن يلتمس المشروعية داخله وليس خارجه. وبما »أن الشرع قد أوجب النظر بالعقل في الموجودات واعتبارها« فالعقلانية تصبح واجبة، حسب تعبير ابن رشد. وهكذا يعتبر الباحث أن هذه الطريقة التي سلكها ابن رشد هي أنسب وأقوم للإجابة عن أسئلتنا الحاضرة. فالديموقراطية والاشتراكية وحقوق الإنسان.. الخ »يمكن أن يلتمس لها هي الأخرى حكم الوجوب كما في العقلانية«، وذلك بتوظيف مفاهيم »الشورى« و»تكريم الإنسان« والدعوة إلى »العدل والإحسان«، وغيرها من المفاهيم الواردة في القرآن والحديث، بصيغة فعل الأمر، في كثير من الأحيان. ولكن هذه الطريقة التي يتبنّاها المؤلف في النهاية، تطرح بدورها العديد من الإشكاليات المنهجية وتوقع الجابري في التناقض بين طروحات سبق ان رفضها وأدانها، وأخرى مماثلة يتبنّاها في النهاية. من هذه الإشكاليات التي تطرحها اقتراحات الجابري: كيف سيتم توظيف مفهوم »الشورى« مثلاً لمصلحة الديموقراطية، ما لم يتم الاتفاق بشكل مسبق، وحتى الآن، على تحديد معنى الشورى أولاً؟ فقد لا نجد مبدأً من مبادئ الإسلام اختلف فيه الفقهاء والمجتهدون اختلافاً بيّناً وجاءت آراؤهم متفاوتة كل التفاوت كما حدث لمبدأ الشورى بالذات. لذلك كان على الجابري أن يسأل من البداية: هل يمكن أن يسعفنا التراث الفقهي الموجود، في الوصول الى معنى وفهم للشورى يواكب ويتلاءم مع العصر الحديث ويتحدى الديموقراطية كبديل محتمل وممكن؟ هل يمكن الاتفاق حول تفسير لفظة أو مفهوم »الشورى« بشكل عام؟ هل هي ملزمة أم معلمة واستشارية (أي إلزامية أو عدم إلزامية الشورى للحاكم)؟ ثم ما هي أمور الشورى وما هي الموضوعات التي يمكن أن تتم الاستشارات حولها؟ ثم من هم أهل الشورى (الأمة أم الأئمة)؟ وهل يمكن إنشاء مؤسسات للشورى؟.. الخ. إذاً، أما كان أقوم للباحث أن يبحث حول ماهية الشورى قبل التطرق إلى الحديث عن كيفية أو إمكانية توظيفها؟ ثم كيف يتحدث المؤلف عن »عملية التوظيف«، هنا، في حين كان قد اعتبرها في السابق من »الآثار السلبية« على عملية النهضة ومشروعها المستقبلي، حين تحدث عن »السلوك البراغماتي« في »توظيف« التراث العربي والإسلامي، الديني منه والحضاري. وبعد، أليست »عملية التوظيف« كما تبيّن، هي نفسها »عملية التوفيق« التي يحاول الجابري أن يتجاوزها.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة