ربما في غد قريب واذا اتبعنا قاعدة قلب الاسماء وتحويرها قليلا قد نجد اسم اغوتا كريستوف، اكثر شهرة من اسم اغاتا كريستي. صحيح ان هناك فرقا واضحا بين عالمي الكاتبتين، ومع ذلك، فإن الرواية الرابعة لكريستوف (التي صدرت ترجمتها العربية مؤخرا) تخبرنا عن كاتبة كبيرة تعرف كيف تبني عالمها، حجرة وراء اخرى، لتشيِّد لنا بناء شامخا في عالم الرواية العالمية الراهنة. شهرة اغوتا كريستوف، بدأت عمليا، مع كتابها الثالث »الكذبة الثالثة«، وهي كانت الجزء الاخير من ثلاثية، بدأتها مع »الدفتر الكبير«، ثم »البرهان«، وتتابع فيها مسيرة وسيرة اخوين مجريين، داخل حقبة محددة من تاريخ بلدهما، وهو المهجر، في الفترة التي سبقت الشيوعية اي خلال الحرب العالمية الثانية وصولاً الى »الرعب الاحمر«، ثم مغادرة احد الاخوين، بلاده، اذ اختار المنفى والهجرة. في »الدفتر الكبير«، تكتب كريستوف روايتها بصيغتين الحاضر ونحن. فنصها هذا، هو عبارة عن يوميات شابين مشاغبين، سريعا ما »تلوّثا« بالحياة، هما توأمان، عبّرا عن وحشية الحرب وفظاعتها، فتعلما ان يصبحا اكثر وقاحة واكثر فظاعة وقسوة من الذين كانوا يقصفون مدينتهما ليل نهار. ثم يكبران، فنعود ونجدهما في الرواية الثانية »البرهان«، الاول يذهب الى المنفى، والثاني يبقى في وطنه، اسير ثنائيته على »ارض الدموع والرماد«، في »الكذبة الثالثة«، نجدهما وقد بلغا الخمسين من العمر، وكل واحد منهما يقول »أنا« بدوره، يحكيان بصوتين مختلفين حكاية موسومة بمأساة: حين كانا لا يزالان طفلين صغيرين، افرغت امهما، امامهما، رصاص مسدسها في جسد ابيهما، قبل ان تغرق كليا في الجنون. انها مأساة الغيرة التي مزقت العلاقة بين الشقيقين للابد. وبعد مرور نصف قرن، من هذه المأساة، وبعد عودته الى الوطن، يقرر لوكاس ان يبحث عن شقيقه كلاوس الذي يرفض التعرف اليه، لانه لم يعد يمتلك شجاعة »اعادة فتح الجرح الفظيع والمخيف«. أمس مع رواية »أمس«، لا نقع على اية علاقة بأي من روايات اغوتا كريستوف السابقة، فهي لا تشكل اي امتداد لهذه الكتب كما لا تشكل اي تنويع لها، وان كنا نقع على فكرة الهجرة والمنفى، والاوضاع الحياتية والنفسية التي يتعرض لها »المهاجر« و»المنفى«. »... اعرفك منذ اعوام، ومنذ ان عرفتك لم تضحك مرة واحدة./ نظرت اليها واطلقت ضحكة مدوية/ افضل ان لا تفعل، قالت« (ص9). هذا هو رهان اغوتا كريستوف، بلا ضحك وبلا انين، فعندها يكون الامر اسوأ. فشخصيتها الروائية او اشخاصها لا يرفعون ضد مصيرهم، اي احساس اي لا يرفعون ضحكة ولا انينا. فهم اشخاص هادئون، يمتلكون هدوء المصدومين بعنف، المصدومين بالحياة. انها صدمة الحياة التي تبدو كبابٍ، ننسل منه كي ندخل عالم الرواية والروائية. ندخل، كما لو اننا ندخل الى احدى تلك المطاعم المنتشرة على محطات القطارات الاوروبية. قد يكون الوقت ليلاً، وحين نصل الى الداخل، يبدو وكأننا نعرف ما بداخلها حتى وان كنا نزور ذلك المكان للمرة الاولى. فالديكور هو ذاته، ذلك الديكور البائس، والرائحة تبدو مألوفة، والزبائن يطرقون رؤوسهم، حتى لنعتقد انه سبق لنا ورأيناهم قبل الآن. بهذا المعنى، لا تمت »أمس« الى الروايات السابقة، وان كان هناك ذلك الطفل، الموهوب الذي نشأ في البؤس الاعنف، والذي انقذ نفسه، حيث تسلل من نقطة ما على الحدود، ليتم استقباله تحت اسم مستعار في مخيم اللاجئين، ومن ثم حين يغادره وهو لا يزال عندها فقيرا ومستوحدا يبدأ تمضية أمسياته بين »الحانة«، حيث يحتسي الخمر، وبين »دفاتره المدرسية«، حيث يعمل على كتابة اعماله الادبية، اذ لربما اصبح كاتبا كبيرا ذات يوم، مما قد ينقذه من مصيره البائس. انها قصة ساندرو ليستر، واسمه الحقيقي طوبياس هورفات، ويحلم او يفكر بأنه سيوقّع كتبه، بهذا الاسم، الذي يبدو اسما مستعارا فيما لو نشر ذات يوم. لكن في انتظار ان يتحقق ذلك الامر، نراه يعمل منذ سنين وسنين في مصنع ساعات، حيث ينهض في الخامسة صباحا، ويركض في الشوارع »للحاق بالباص، الوصول الى البلدة الرابعة، بين جدران المصنع. الاسراع في ارتداء المنزر الرمادي، التدافع لتسجيل الحضور امام ساعة ضبط الدوام؟ الركض نحو الآلة، تشغيلها، ثقب القطعة بأسرع وقت ممكن (ص 14). انه عمل لا يطيقه احد لكن لا احد يموت منه. البعض قد يصبحون مجانين منه، لكنه أمر نادر. يعيش ساندور مع هلوساته ورموزه، النمر الباسم الذي تغلب على وجوده، الموسيقى التي يلعبها والتي تسقط العصافير الميتة والاغصان. هذه الامور، ليست في واقع الامر، الا محاولته ليخفي هويته الحقيقية، فلماذا يعترف، انه كان في بلاده، اين عاهرة القرية، التي تعاقب عليها الجميع، فحين كان يأتيها الزبائن، وهم من الفلاحين الذين كانوا يجلبون لها الطعام، لم تكن حتى تفرّد الستائر. »أنا، كنت جالسا امام المنزل، ألعب بالتراب الصلصالي، أعجنه، اصنع منه اعضاء ذكرية ضخمة وأثداء ومؤخرات. وفي الطين الاحمر، كنت انحت جسد امي حيث اغرز اصابعي الطفولية لأجعل فيه ثقوبا«. (ص 2322). هل كانت والدته، امرأة طيبة؟ امرأة سيئة؟ لقد كانت امرأة قاسية. اما اباه، الذي يكتشفه ذات يوم، فكان استاذ القرية، وقد فضى بكارة والدته، حين كانت في السادسة عشرة من عمرها. هل كان هذا »القذر« والده رجلا طيبا؟ دنيئا؟... كان رجلا قاسيا بدوره. اذ حمى زوجته واولاده الشرعيين، لكنه أغاث طوبياس في المدرسة، ورغب فيما بعد في ان يرسله الى مدرسة داخلية (مجانية) لانه كان طفلا ذكيا (ولينقذه من امه في واقع الامر). يقتل طوبياس والده بطعنات سكين (هذا ما كان يعتقده) لينقذ نفسه، بعد ان يدخل الى ميتم يستقبل ابناء الحرب. ومن يومها، يبدأ باختراع هويته الجديدة، وحياته المغايرة. كان يقول »انني طفل سعيد« لانه »لم يعرف والديه«. هل كانت قضية طوبياس ساندور، وهو رجل راشد الكتابة ام الحب؟ (او ان القضيتين هما في النهاية امر واحد). في مدرسة القرية، شغف بفتاة صغيرة، شاحبة، نحيفة، خبيثة ومتكبرة. انها لين (واسمها الحقيقي كارولين)، ابنة الاستاذ، والتي هي في واقع الامر، اخته من ابيه. لكنه، وبالرغم من علاقته الجنسية بتلك البائعة (يولاند) اللطيفة والبلهاء، وبالرغم من علاقته بإيف، تلك المرأة الغنية، الجميلة والذكية، لم يستطع نسيان لين. لانها كانت تسكن رأسه. يقول: »لقد قرأت، او سمعت، في مكان ما، ان الزواج المثالي لدى الفراعنة كان الزواج بين الاخ واخته« (ص 74). منطق المأساة وحين تصل لين، الى العمل، عن طريق الصدفة اذ كانت قد تزوجت من عالم فيزياء، حصل على منحة للقيام بأبحاثه، ونظرا الى كثرة مشاغله احبت ان تمضي الوقت، في العمل، فتصل الى المصنع يكتشف حقيقتها منذ النظرة الاولى. وهنا، يبدأ منطق الرواية، او لنقل منطق المأساة، اذ ينفجر حب طوبياس مجددا لها، ذلك الحب الذي من غير الممكن تجنبه، ذلك الحب المحرّم. فما كان على زواجها الا ان يتحطم، بعد ان تفقد ابنتها الرضيعة، اذ قرر الوالد احتضانها، (بالرغم من انه كان يخون زوجته بدوره). في فترة هذا الحب وهي فترة صغيرة اصبح طوبياس مليئا بالآمال، وايامه في المعمل اصبحت ايام فرح، واستيقاظه باكرا، اصبح سعادة. والباص الذي كان ينقله الى المعمل، اصبح يقوم برحلة حول الارض. ومع ذلك، فإن لين الشاحبة دوما، و»الخبيثة دوما« اي المعشوقة دوما ترفضه، وترفض الزواج منه، اذ كيف تستطيع ان تقدمه الى اهلها؟ »هذا هو طوبياس، زوجي، ابن استير العاهرة؟«. ولا يثور طوبياس، ولا يئن، انه قاس، بل يعترف: ان »واحدنا لا يصبح كاتبا الا اذا اصبح نكرة« (ص 97). عند ذاك، نجد طوبياس، المحطم، يعود الى بائعته، الى هلوساته، فبائعته ام مثالية، ويبقى اسمه ساندور الى الابد، لكنه لن يكون ولن يصبح كاتبا، بل عاملا في مصنع الساعات، و»شخصية« روائية لكاتبة كبيرة، تدعى اغوتا كريستوف، تلك الكاتبة الاخصائية في كتابة آلية البؤس المستمرة وبالتحديد، تلك الكاتبة التي تملك القدرة على توصيف وعلى »حل ألغاز« العالم الذي نعيش فيه حالياً. من هذه النقطة، علينا ان ننقاد الى قراءة رواياتها والاهتمام بها، فهي ادب، يسيطر عليه وجهان اشكاليان، هما وجها فترة ما بعد الحرب الباردة: الهجرة والمنفى. ان اغوتا كريستوف، تعرف كيف تفتح لنا عصر الخراب المسكون بكائنات مهملة. ليس فقط من قبل الآخرين، وانما من قبل انفسها، انهم مقطوعون جذريا عن الذين يجاورونهم او الذين يعاشرونهم. اي بمعنى آخر تجعلنا نعيش ونشعر مجددا بما كتبته حنة ارندت وحلّلته بعباراتها الفلسفية، اي تلك الحالة من انعدام الجاذبية الاجتماعية والانسانية الراديكالية، التي تقضي على اي معنى للتحاور مع الآخر. انها حالة حيث الحب والصداقة ليس لهما، فيها اي حق من حقوق المواطنية وحيث الكتابة تهب فرضية اننا قد نستطيع اعادة ترميم ما يشبه العلاقة الاجتماعية، وفي ان نبني جسرا صغيرا، هشا، نحو الآخرين وأن نعيد اصلاح احد اشكال الوعي للذات والعالم. الاندماج لكن كل ذلك يبوء بالفشل. فطوبياس، يتخلى عن هويته الحقيقية، ليصبح ساندور. يتخلى عن احلامه في الكتاب، ليصبح عاملا في مصنع للساعات السويسرية. يتخلى عن حبه الكبير، ليتزوج من امرأة، تنجب له ولدين هما لين وطوبياس، وكأن اسمهما فقط، هو الذي على علاقة بكل ماضيه. اهكذا هي اغوتا كريستوف في واقع الامر؟ ربما. فهذه الكاتبة المولودة في المهجر، غادرت بلادها ابان »الاجتياح الاحمر« العام 1956، لتقيم في سويسرا. وهي ايضا، عملت في مصنع، قبل ان تتفرغ للكتابة. لكنها لم تستطع تحقيق احلامها الا بعد اندماجها بالمجتمع الجديد. طوبياس او ساندور، اندمج في مجتمعه الجديد، لدرجة انه لم يبقَ شيء من ذاكرته الماضية، سوى اسمي ولديه. انها الضريبة التي دفعها. اغوتا كريستوف، مسّاحة الاشياء بحسب المفهوم الكافكاوي راوية تفاصيل الهجرة. فكم من الادب، يستطيع اخبارنا عن جوهر الاشياء، اكثر من جميع الخطابات السياسية والابحاث الفلسفية. أليس بهذا المعنى، يأتي ادب سولجنتسين وغوسمان وزينوفييف، بشكل اصدق من جميع الذين حاولوا رسم صورة »الرعب الاحمر«؟. اسكندر حبش