.. ومضى »ابو حيدر« هاني الفكيكي قبل ايام إثر مرض عضال عانى منه وكابد، وتألم كثيرا، بل كانت معاناته النفسية أقسى من معاناة الجسد. وهكذا كتب القدر على جيل الفكيكي ومن سبقه في البعث ان يعانوا مثل معاناته من القهر والغربة ومحاسبة الذات ايضا... وهو ما يسميه في كتابه »النقد الذاتي«. التقيته آخر مرة قبل سنة او اكثر في سهرة عند رفيقه القديم الصديق العزيز طالب شبيب في دمشق وحيث يلتقي فيها عادة كثيرون من ابناء العراق وأمثالهم من المقيمين او اللاجئين السياسيين او العابرين من ضيوفها على اكثر من هوية او انتماء... وهي دمشق العاصمة العربية الاموية الخالدة. ولقد سألت الفقيد الراحل لماذا لا يقيم هو وغيره (ومن هم في مثل وضعه) في دمشق او بيروت او اية عاصمة عربية تكون »أقرب« الى بلدانهم من لندن وباريس واحيانا واشنطن؟ قال لي: »ربما لأن هذه العواصم العربية لا تقبل ان نكون اكثر من ضيوف اعزاء فيها او كلاجئين سياسيين، وفي نطاق انساني بحت بينما نحن نتحرك هناك بحرية اكثر كمعارضة«.. ولم أشأ مجادلته في ما لا طائل تحته حول مساوئ هذا التواجد هناك وما يُعرّض »المعارضة«.. اية معارضة عربية.. للاتهام والتشكيك بالتعاون مع جهات خارجية تتربص بالامة العربية ككل وليس بهذا البلد العربي او ذاك فقط. ثم التقيته على موعد بيني وبينه ثانية في اليوم التالي. وجدته شغوفا بأن يعرف رأي كل من يلتقيه بكتابه المعروف والمقروء والذي صدر قبل سنوات ولم يلق التجاوب والترحيب عند الكثرة، وهو الكتاب الذي حمل عنوانا استفزازيا: »أوكار الهزيمة.. تجربتي في حزب البعث العراقي«، سألني: هل قرأت الكتاب؟ أجبت قرأته بدقة وإمعان وكنت في سبيلي للرد عليه او نقد بعض ما جاء فيه ثم عدلت لأنني وجدت بأنك لم تتخذ موقف المؤرخ المحايد او صاحب الدور الكبير في مرحلة من أهم مراحل مسيرة البعث، بل انك اتخذت موقف من اصبح يريد تسخير كل البعث وتشويه تاريخه للنيل من نظام الحكم القائم في العراق... نعم صحيح انك لم تتعرض لسوريا وتجربتها الثورية بالتحديد، لكن كل ما جاء في الكتاب يصيب رذاذه سوريا وتجربتها الماثلة. وكتابك يتناقض مع كل ما عرفته وخبرته بنفسك وحاضرت وكتبت فيه عن هذا الحزب العظيم، اذ ليس هناك كما تعرف شيء اسمه بعث عراقي او بعث سوري او اردني مثلا، بل هناك حزب واحد هو »حزب البعث العربي الاشتراكي« او حزب البعث في سوريا وحزب البعث في العراق وحزب البعث في الاردن... وهكذا. والاصح ان يكون عنوان الكتاب »تجربتي في حزب البعث« لأنك لم تتحدث عن الحزب في العراق وحسب، بل عن تجربتك فيه على مستوى سوريا والعراق في آن معاً، وكنت كما تعرف وكما ذكرت في كتابك عضو القيادة القطرية في الحزب في سوريا ايضا وهو وضع تنظيمي ازدواجي لم ينل مثله كثيرون، ويدل على وحدة الحزب ووحدة القضية من جهة، ووحدة امتنا ووطننا من جهة اخرى، وكما هي ايديولوجية البعث اصلا. وأعود للقول بأنه لا يعتد بأوضاع الخلافات الحالية لأنها الى زوال مهما بعُد الزمن. وانت ترفض ان تسمي الاشياء بأسمائها، فثورة البعث في سوريا والعراق لم تعد عندك اكثر من »انقلاب« بالنسبة الى ثورة شباط رمضان في العراق، وبالنسبة الى ثورة آذار 1963 في سوريا وهي الثورة الممتدة في الاجيال حتى يومنا هذا وعبر »حركة التصحيح« التي تنتمي لتلك الثورة الشرعية الام، وهي تعترف بأنها امتداد لها، واستمرار لمبادئها واهدافها، وتحتفي بميلادها حزبيا وشعبيا ورسميا كل عام. وقلت له بأنه لم يحظ اي بعثي بما حظيت به انت من ثقة القيادة التاريخية لحزب، فإما انها كانت سيئة الاختيار بدليل ما حواه كتابك من تشكيك وتهم ظالمة، او ان الثقة لم تكن بمحلها مع شديد الاعتذار. كان فقيدنا الراحل يبتسم بمرارة ويهز رأسه من دون اي جواب. ولم اجد لكلامي اي وقع سيء عليه حتى عندما قلت له بأن البعث لم تكن عنده »اوكار للهزيمة« بل اوكار للشجاعة والكفاح والنضال، وكنت انت مشاركا بإخلاص في تلك الاوكار، فلماذا تتبرع حتى بإهانة نفسك؟ أن نتخلى عن البعث شيء وان ندينه ونؤذي سمعة رجاله وقادته من قبل ان ندين انفسنا هو شيء آخر، ومع ذلك فإن كل من قرأ كتابك احسب بأنه يعتبره وثيقة تاريخية على رغم المآخذ عليه، وهي كثيرة، وكان مستغربا صدورها عنك لأن صورتك فيها مختلفة عن تاريخك الحزبي القديم وما عرف عنك من نشاط وشجاعة واخلاص، لكن انت و»آخرين«، تبدلت مواقعكم وليس الحزب او قادته. إن الشيء الغريب حقا والذي لم اكن اتوقعه هو ان الرجل نظر اليّ طويلا وكنا نجلس في مقهى »ابو شفيق« في الربوة (هو الذي اختار المكان لأنه يحبه كما قال). نظر اليّ طويلا وقال لي بأنه يوافقني تماما على هذه الملاحظات وانه سمع كثيرين يقولون مثلها، واعترف ايضا بأنه لولاها لحقق الكتاب اهدافه بشكل افضل وللقي رواجا اوسع ولما كان له ان يُمنع تداوله في هذا البلد العربي او ذاك. وفجأة اجهش بالبكاء، وصار يتوجع حتى، لكنه لم يتنازل ابدا عن اتهام من اتهمهم بكتابه وحمّلهم مسؤولية ما أسماه »ضياعنا وضياع البعث« والعراق. ولم أشأ ان ارد عليه او أجادله لأنه كان في وضع نفسي محزن. ثم استراح قليلا وقال انا ابكي باستمرار والرجال يبكون ايضا، لكن ليس عن ضعف بل عن دفق انسانيتهم فيهم. ثم قلبنا الصفحة وتحدثنا في امور كثيرة عديدة اخرى... وفهمت منه انه ليس على علاقة جيدة مع الفئات المعارضة الاخرى، وكان أمْيَل لإدانتهم بأشياء كثيرة والتبرؤ منهم ايضا وانه يعمل لخلق نواة معارضة افضل، لكن المرض لم يمهله لتحقيق امنيته. ولم يكن هاني الفكيكي وحده هو من انقلب على »البعث«، فهناك آخرون وعلى رأسهم علي صالح السعدي وحمود الشوفي وحمدي عبد المجيد وياسين الحافظ وخالد الحكيم وآخرون اصحاب »حزب العمال الثوري« الذي ارادوه بديلا للبعث العظيم. هذه كتابة في التاريخ وليست طعنا بأحد وكلهم او معظمهم اصدقاء ورفاق قدامى لكنهم اختاروا الخطأ والانحراف عن خط البعث في المدلول العام فغابوا وتبددوا... وبقي البعث شامخا في كل ارض عربية. ويبقى القول بأن »الرثاء« الذي قدمته »السفير« مذيّلاً بحرفي (ط. س) في مناسبة رحيل هاني الفكيكي في الصفحة 11 الثلاثاء 21/1/1997 لم يكن متلائما كثيرا مع المناسبة، وجاء تعريضاً بالحكم في العراق اكثر مما هو عملية رثاء لم تعودنا عليه »السفير« ويبدو ايضا بأنها استمدت المعلومات عن ترجمة حياة الفقيد الحزبية من مصادر غير دقيقة تماماً. يبقى القول ايضا بأن الفقيد الراحل كان رجلا شجاعا مثقفا ويتمتع بصفات طيبة واخلاق حميدة وينتمي الى اسرة درجت على الوطنية في تاريخ العراق... وكان صاحب رأي وموقف معلن يتمسك به ويدافع عنه تحت أسوأ الظروف، وهو جيل العذاب... جيل الاحباط والمعاناة والغربة القاسية عن الوطن... وان تكون له اجتهادات ومواقف بذاتها لا يلغي تاريخه الحزبي المشرّف هو او بعض اخوانه.