As Safir Logo
المصدر:

ذكرى.خمسون عام على الشاعر الرومنسي إلياس أبو شبكة شاعر الحب والتمرد مات فقيرا ولم يطرق باب الزلفي(صورة)

المؤلف: الصباح سعيد التاريخ: 1997-01-25 رقم العدد:7603

حياة الياس ابو شبكة بدأت بالحزن والألم والفجيعة المتولدة من وفاة الوالد في العام 1911، فأثارت في نفس الشاعر السؤال الكبير عن ماهية الحياة والموت، والوجود والعدم، والسيرورة والفناء، لقد غاب المثل الاعلى الذي أخذ هذا الطفل يتماهى به، فنظر الى الوجود نظرة تشاؤمية سوداوية، لا أمل فيها ولا رجاء، تلك هي الصورة الغالبة التي أسرت شاعر اليأس ابو شبكة، لكن ملامح النور في ظلمات الخيبة، ومعالم الخلاص تلمسها الشاعر وأبصر وأدرك خيوطها وتأمل ملامحها في الله والطبيعة والمرأة والوطن وثورة المتهورين. أولغا/غلواء بين الأمل والخيبة، اليأس والرجاء، الاحباط والانطلاق، الدمار والبعث، الكفر والايمان، كان الصراع يعتمل في نفس الشاعر الياس ابو شبكة، مشكلا الخلفية المحركة في لا وعيه لذلك الابداع اللامتناهي في عالم القريض، انه يحلم بعالم محرر من الفقر والموت وخيبات الأمل، فوجد اولغا ساروفيم التي عكس اسمها في قصائد الرجاء فأصبح »غلواء« تلك الواحة التي اطمأنت اليها النفس وتاقت، فهي الملاك المحلق في عالم خياله، لكنها في الآن عينه ذلك الشيطان الغوي الذي يدفع الى الخطيئة المولدة للشعور بالإثم، انه الصراع بين »الهو« و»الانا« العليا الذي حمل الشاعر على البحث عن الله بعدما جدف، وأغرق في اللذة الآثمة، فالتمس غفرانا من الله، لما صورته له المخيلة انه ارتكبه. ذلك الإثم المتجلي في بحث لا متناه عن الحرية، فخال ابنة الحان الوسيلة الفضلى لتحريره من ربقة الآثام وشرور الخطايا، ووطأة المتناقضات المتحركة في ذاته الشفافة، لكن تأثير الخمرة لا يلبث ان يتلاشى مع ضوء الصبح وانبلاج الفجر، فتعاود شاعرنا الهموم والهواجس والوساوس، انها النفس في فجورها وتقواها، تحفز مخيلة شاعرنا، وما هو شيطان شعره يداعب كوامن الابداع في ذاته فيسكبها قوافي مجلجلة، انها عالمه وتصورات وجدانه. شعر الياس ابو شبكة بالوحدة وفقدان النصير والمثال الاعلى يوم رحل والده، وهو في سن الطفولة، اذ نجده يعبر عن هذا الشعور في مقدمة ديوانه »القيثارة«، اذ يقول مخاطبا أباه: »لقد فتكت بك يد أثيمة في بلاد الغربة بعيدا عن زوجك وصغارك، فخلفت اليأس في صدر أمي والألم في قلبي! كنت في العاشرة يوم توارى وجهك اللطيف الى الأبد، وكنت لا أزال أدفأ بين جناحيك، وها أنا اليوم في الثانية والعشرين، في عهد الشباب، في عهد الجهاد والألم! أفتش في بلادي فلا أجد لي نصيرا، ولا أجد من يدرك مبادئ نفسي وما طبعت عليه، الا فئة قليلة، هي مثلي في آلامها وبلاياها!«. خمرة الحب لذا نجد الشاعر الياس ابو شبكة يداوي ألمه بخمرة الحب الصافية فيعبر قائلا: ما زلت في الدنيا أطوف بخمرتي وحولي شعب هازئ بوفائي إلى ان دهاني اليأس فاخترت عزلة افتش فيها عن حطام رجائي وذوبت خمري في إناء من الهوى لأشربها مموجة ببكائي فشاهدت قلبي في إنائي ضاحكا به دعة عذراء في خيلاء فأدنيته من مرشفي وشربته وما زال ماء الحب ملء إنائي وكان الهوى للمعشوقة »غلواء« هو اكسير الحياة، وخشبة خلاص نفس الشاعر المعذبة، والملجأ الآمن من عذاب متواصل وهواجس لا متناهية، فصور عشقه وهيامه بغلواء في هذه الأبيات: أهوى على صدرها باكيا وأهوت على صدره باكية وما هي الا دقائق حتى تلاشت رؤى نفسها الدامية فأدنت الى ثغره ثغرها على مشهد من تقى الرابية على مشهد من نقاء الزهور العذارى ومن عفة الساقية وغلواء الياس ابو شبكة، هي المرأة القديسة المصارعة للفاجرة في الجوار، فهي في خيال الحبيب الشاعر: في ليلة تنبهت غلواء والبدر في مخدعها إناء فأرهفت مسمعها المطروقا فسمعت تنهدا عميقا ليصدر عما ينهش العروقا وأرسلت نظرة برّ طاهر فهالها في المخدع المجاور فاجرة على ذراع فاجر في هذا العالم المليء بالغواية والخداع والمخاتلة لا يجد الشاعر الا الطبيعة ملاذا وموئلا، وملجأ للنفس القلقة اذ يقول في مقدمة ديوانه »أفاعي الفردوس«: وفي الطبيعة اسرار لطيفة، لا يدركها الحس مهما دق، بل يشعر بها اذا قويت النفس، والنفس مهما قويت لا تستطيع قهر الطبيعة لاقتناص سرها اللطيف، الا اذا تجردت من أدران هذا العالم. وهذا مستحيل. اذا تجردت النفوس من هذه الأدران بلغت النسبة النورانية الكاملة، بلغت مستوى الطبيعة، بلغت ذات الله، والنفس النقية هي الله«. في ذرورة هذا العشق للطبيعة والعودة الى رحابها خط يراع الشاعر الياس ابو شبكة ديوان »الالحان« ونلمح في قصائده »الحان الربيع« والمطلع على لسان ام تخاطب طفلة قائلة: نم يا حبيبي نوم الهنا نامت عيون الزهر ونام الا المنى والقمر حتى الندى نام والنسم نم يا حبيبي نم النهر في الوادي والغصن والشحرور والبلبل الشادي وكل حي نام الا العطور والهيام في فؤادي وحب الطبيعة في رؤيا الشاعر هو حب الوطن الذي غناه في اشعاره، فأتت هذه القصائد تراتيل صلاة لعاشق، اذ قال: لنا بلبنان آمال محبرة تأتي من الحلم الاسمى وتقترب لنا الشباب لنا الايمان في دمه اذا الكهول تراخوا فيه والشيب بروحه خمرة الأجداد صافية في ذمة الله والتاريخ ما شربوا اعطيت لبنان ما لم يعطه بلد ففي صعيدك ارزاق السما نخب هذا الجمال لماذا لا توزعه على القلوب فينقى الجهد والتعب حالة تمرّد والياس ابو شبكة في عشقه للوطن يعلن صرخة داوية الى جانب المسحوقين، ويطلق حالة تمرد الى جانب التعساء ودموعهم، اذ يقول: في دمعة التعساء سر كامن هو خلف ليل الظالمين صباح تلك المباني سوف تهدم ركنها من عاصفات حياتنا الارواح أذر الدموع فما الدموع سوى ندى هذي الحياة وعرفه الفياح ما الدمع الا الراح في كأس الورى وستكسر الاكوان هذي الراح يا من طلى بدم الفقير عروشه ونراه يجلس فوقها يرتاح هذي العروض جماجم مرصوفة في جوفها تتمرد الأرواح لقد وجد شاعرنا خشبة الخلاص في »الثورة العظمى« اي ثورة اوكتوبر 1917 التي نشبت في روسيا، ففي العام 1944 خاطبها بقصيدة ورد في مقطعها الأخير: لينين أحلامك الغراء قد صدقت فأنفض ترابك يكفي ذلك الغرق لم يبق من شرعة الدنيا سوى رمق والمستردون باق منهم رمق بوركت يا نهضة للشعب ثائرة هذي الروائع من ايمانها عبق ان البقاء على الايمان مرتكز الاقوياء مضوا والمؤمنون بقوا ولرب متسائل يتساءل: لو قدر للشاعر الياس ابو شبكة ان يعيش الى التسعينيات. ويرى بأم العين ما حصل لروسيا وحصل فيها من متغيرات في بداية هذا العقد، ألم يكن ليسأل عن مدى تحقق أحلام لينين في وطنه روسيا؟! هذا التمرد الانساني الذي اطلقه الشاعر الياس ابو شبكة في قصائده، وهذا الرفض للواقع، وهذا الخوف الدائم من الموت والشعور المتواصل بالأثم، جعله يلتمس سبل الله ويطلب العون منه فيقول: قوّني يا مقسم الأعباء وأعنّي على احتمال شقائي أنا يا رب في يديك فصنها فاتكالي عليك كل عزائي ويتقدم من الاله باعتراف بالكفر واتباع سبل الهوى والظلال طالبا العفو والسماح، فينشد: رباه عفوك اني كافر جان جوعت نفسي وأشبعت الهوى الغاني تبعت في الناس اهواء محرمة وقلت للناس قولا عنه تنهاني ولم أفق من جنون القلب في سبلي الا وقد محت الأهواء ايماني رباه عفوك اني كافر جان! هجران الدنيا تاق الشاعر الياس ابو شبكة الى ارتشاف كأس المنية، ورغب في هجران الدنيا ومواجهة ساعة الحقيقة، وترك عالم الشقاء والخسران منذ بدايات شبابه الاولى، فعبر عن هذه الامنية في قصيدة »الدمعة الاخيرة«، فقال في مقعطها الاخير: يا صديقي خذ الرباب وانشد »كل حي مصيره الزول« فأنا راحل عن الكون علّي أجد المكر نائيا في ارتحالي لا أرى في المرآة وجهي حتى يعتريني خوف لفرط اعتلالي آه! واسوء حالي اليوم، اني اطلب الموت آه! واسوء حالي يا صديقي ماضيّ كان جميلا فاستبد الهوى بذاك الجمال اطرب الحب كي يفكن ماضيه بثوب من جنسه غير بال مات الياس ابو شبكة مخلفا ابداعا شعريا خالدا في دواوينه »القيثارة« و»المريض الصامت« و»افاعي الفردوس« و»الالحان« و»نداء القلب« و»الى الأبد« و»غلواء« و»من صعيد الآلهة«. مات فقيرا، اذ لم يكن في استطاعته تأمين اشتراك في شبكة التيار الكهربائي لإنارة منزله المتواضع في بلدة الذوق. مات فقيرا لكنه بقي شريفا، فلم يطرب باب المديح ولا الزلفى. مات وقد اخذ منه المرض اي مأخذ، لكنه بقي حر الضمير صافي الوجدان، لم يمالق او يداهن، فآثر خسران بهارج الدنيا وبقي حتى الرمق الأخير رابحا لذاته، محافظا على صدق وجدانه. سعيد الصبّاح

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة