وصل نائب الرئيس السوداني الزبير محمد صالح الى السعودية بعد ظهر أمس، في اطار جولة تنقله الى سوريا ودول عربية اخرى، وتهدف الى حشد التأييد لموقف حكومة الخرطوم في مواجهة ما تؤكد انه »مؤامرة تحاك ضد السودان من قبل أريتريا واثيوبيا«، وهو الموقف الذي صب عليه الرئيس المصري حسني مبارك »ماءً بارداً« بإعلانه »براءة« أسمرة وأديس أبابا من التطورات السودانية واضعاً إياها في اطار »شأن داخلي« وبالتالي لا يهدد المصالح الاستراتيجية المصرية، فأسقط بذلك رهاناً حيوياً للخرطوم على دعم من القاهرة. وسارعت المعارضة السودانية الى تجيير موقف مبارك لمصلحتها، مؤكدة ان قواتها تحقق تقدماً على الجبهة الشرقية في السودان باتجاه بلدة الدمازين ذات الاهمية الاستراتيجية. مبارك وكان صالح قد زار القاهرة منتصف الاسبوع الماضي، واستقبله مبارك، وأعلن بعد عودته الى الخرطوم انه تلقى تأكيدا من مصر على »دعمها لوحدة السودان«، في حين التزم المسؤولون المصريون التكتم حول المحادثات التي اجراها صالح. لكن مبارك كسر هذا التكتم دفعة واحدة أمس الأول ليعلن ان »ما يجري في السودان حاليا مشكلات سودانية داخلية، وما يتعرض له من هجوم لا دخل لأثيوبيا أو أريتريا فيه خلافا لما يؤكده السودان«. وقال مبارك خلال لقاء مع مثقفين وكتّاب مصريين بعد افتتاح معرض القاهرة الدولي التاسع والعشرين: »لقد اعطيته كلاما عنيفا جدا بأدب« في اشارة الى محادثاته مع نائب الرئيس السوداني. اضاف مبارك: »كيف أدعمهم وهم يتشاكلون مع الشعب السوداني، والسودانيون يعارضون. فكيف لمصر ان تتدخل وتضرب السودانيين.. الحقيقة لا يوجد هجوم اثيوبي او اريتري او اي هجوم خارجي، ولقد سألنا وتأكدنا من انه لم يدخل احد اراضي السودان«. ونسب الرئيس المصري الى صالح قوله ان القوات الاثيوبية تعمل من خارج الاراضي السودانية. وقال: »نحن متأكدون من ذلك، فالذين دخلوا الاراضي السودانية هم سودانيون من الشمال والجنوب« وأضاف: »الموضوع ليس جون غارانغ (زعيم المتمردين الجنوبيين) بل يوجد الاتحاديون والأمة وغيرهم.. سمعت من غارانغ اكثر من مرة انه لا يريد تقسيم السودان بعكس الترابي«. وأعرب مبارك عن دهشته من »طلب نائب الرئيس السوداني المساعدة في حين ان الآخر (الترابي) يشتمنا عبر الصحافة، فعلى الأقل كان يجب ان يبطل الشتائم ولو ليوم«. ونقلت »الاهرام« أمس عن مبارك قوله: »لقد طلبوا منا المساعدة فطلبنا منهم تنفيذ بعض المطالب وبعدها نرى الموقف«. وأضاف: »اشك في انهم قادرون على عمل شيء لتلبية مطالبنا« التي لم يحددها. الترابي وكان رئيس البرلمان السوداني حسن الترابي قد اوضح في حديث لقناة »الجزيرة« القطرية مساء أمس الأول ان نائب الرئيس السوداني استهل جولته العربية بزيارة مصر »لكونها تؤوي المعارضة السودانية بمركزها السياسي والاعلامي، وللتوضيح في الوقت ذاته ان الخرطوم ستضطر، في حال تطور الاحداث، الى سحب أعداد كبيرة من قواتها من الجنوب الى الجبهة الشرقية، الامر الذي سيعرض مصادر المياه هناك للخطر، وهذه قضية حساسة بالنسبة لمصر«. وأمل الترابي أن تقدر »مصر المصالح الاستراتيجية بين البلدين وتتجاوز التوترات السياسية بينهما«. في المقابل اعتبرت المعارضة السودانية كلام مبارك »رداً لادعاءات« الحكم السوداني و»لمحاولاته التهويل وتلوين الحقائق«. وقال نائب الأمين العام ل»التجمع الوطني الديموقراطي« (الذي يضم فصائل المعارضة الشمالية والمتمردين الجنوبيين) فاروق احمد آدم ان تصريح مبارك يعني »فشل ورقة المساومة بمياه النيل والتلويح بالتهديد الاسرائيلي عبر اثيوبيا وانفصال الجنوب، التي حاول النظام السوداني اللعب عليها«. المهدي الى ذلك كشف الزعيم السوداني المعارض، رئيس الوزراء السابق وزعيم حزب »الأمة« الصادق المهدي ان محادثاته في مصر، التي زارها لأكثر من اسبوعين وغادرها الخميس الماضي، ادت الى بلورة »شيء يصعب التحدث عنه« في اطار »استنهاض الطاقات والقدرات الدبلوماسية والسياسية الاقليمية لمساندة الشعب السوداني ودعمه في قضيته«. وقال المهدي في حديث لمجلة »الشروق« الاماراتية، تنشره اليوم ان »النظام بممارساته وسياساته جعل نفسه غير مقبول لدى الشعب السوداني ولدى دول الجوار«، ورأى انه اذا »كانت إزالة النظام ممكنة بوسائل غير دموية فهذا افضل« لكنه أشار في المقابل الى انه »في مرحلة ما سوف تنفجر انتفاضة شعبية قادرة على تخليص السودان من هذا النظام« وأكد ان »التركيبة الحالية للقوات المسلحة ستلعب دورا في عملية التحرير«. وعن مشكلة جنوبي السودان قال المهدي »لا نستطيع ان نفرض وحدة مستمرة من دون اجراء استفتاء وهذا ما يراه الاخوة الجنوبيون.. فافتراض استمرار الوحدة بين الشمال والجنوب، كأن شيئاً لم يكن، لم يعد وارداً بعد نزاعات وصراعات طويلة حدثت«. لكنه قال »نحن ضد الانفصال ونعتقد ان قوى جنوبية كثيرة تقف ضد الانفصال« محمّلا النظام مسؤولية تعزيز النزعة الانفصالية بممارساته. والمهدي موجود حاليا في السعودية وكان قد اعلن انه رفض لقاء صالح في القاهرة. تأييد من قطر وإيران وتلقت الخرطوم امس الاول تأييدا من قطر وإيران، بعد التأييد من العراق واليمن والاردن. واتصل امير قطر بالرئيس السوداني امس الاول وأكد له »وقوف دولة قطر الى جانب السودان ودعمها لسيادته الوطنية ووحدة أراضيه«. وأوضحت وكالة الانباء القطرية ان الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني اتصل بالبشير »للاطلاع على تطورات الاوضاع الحالية على الحدود السودانية« كما تناول الاتصال »العلاقات الثنائية بين البلدين وسبل دعمها وتعزيزها«. وكانت قطر قد أعلنت يوم الجمعة الماضي عن تشكيل لجنة تضم وزراء المالية والاقتصاد والتجارة الخارجية والشؤون الاسلامية لتقديم الدعم الى الشعب السوداني. وذكرت الوكالة القطرية امس ان »جمعية قطر الخيرية« التابعة للدولة قررت ارسال مساعدة عاجلة الى السودان »الذي يتعرض لاعتداء ظالم للنيل من استقلاله ووحدة أراضيه«. وأعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الايرانية محمد محمدي أمس الاول ان ايران تدين اي انتهاك لوحدة اراضي السودان. وقال محمدي انه يجب احترام المبادئ المقبولة دوليا في التعامل مع الوضع في السودان بحيث يعود إليه الامن والاستقرار بسرعة. وأعرب المتحدث الايراني عن امله بأن تبذل منظمة المؤتمر الإسلامي والجامعة العربية جهوداً لإحلال السلام في هذا البلد المسلم. واستنكرت جماعة »الاخوان المسلمين« في الاردن امس الاول »المؤامرة التي تنفذها قوى البغي والعدوان بقيادة اميركا والصهيونية« ضد السودان. ودعت العرب والمسلمين، وخصوصاً مصر »المستهدفة ايضاً، الى رص الصفوف من اجل صد هذا العدوان«. وأعلنت حركة المقاومة الاسلامية (حماس) وحركة الجهاد الاسلامي في فلسطين في بيان مشترك امس استنكارهما بشدة ل»العدوان الاثيوبي الآثم« وأعلنتا دعمهما »للسودان حكومة وشعباً في مواجهة اي عدوان يستهدف وحدة ارضه وشعبه«. تطورات ميدانية اعلنت المعارضة السودانية امس ان قواتها تواصل هجومها في شرقي السودان. وقال المتحدث باسم »الجيش الشعبي لتحرير السودان« الذي يتزعمه غارانغ، رشيد بابكر ان منطقة الكيلي، التي تبعد 80 كيلومترا جنوبي الدمازين شهدت معارك طاحنة صباح امس اسفرت عن مقتل »اكثر من 150 جنديا سودانيا، وان قوات المعارضة تتحرك باتجاه الدمازين التي توجد فيها محطة لتوليد الكهرباء تغذي الخرطوم بنحو 80 في المئة من احتياجاتها. اضاف بابكر ان قوات المعارضة تواصل هجومها على الحدود الاريترية في ولاية كسلا وان المعارك »تدور حاليا حول الدمازين حيث نتوقع ان نلقى مقاومة كبيرة من جانب القوات الحكومية في هذه المنطقة الاستراتيجية«. وأوضح بابكر ان الحكومة السودانية التي اعلنت قبل اسبوع التعبئة العامة، اطلقت على عملياتها اسم »السيل الجارف« في حين تطلق المعارضة على عملياتها اسم »الثعلب الاسود«. وذكرت المعارضة ان قواتها استولت حتى الآن على بلدات وحاميات عسكرية عدة في النيل الأزرق، لكن الخرطوم تقول ان قوات اثيوبية احتلت بلدتي الكرمك وقيسان القريبتين من الحدود، وان اديس ابابا أقامت جسرا جويا لنقل متمردين وتسليمهم المواقع المحتلة. وأعلنت الخرطوم ان وزير الدفاع الفريق حسن عبد الرحمن علي موجود على الحدود لإدارة العمليات العسكرية من الميدان. (ا ف ب، رويتر، ا ب، ي ب)