As Safir Logo
المصدر:

بيوت لا تنسى...فكيف؟(8) بيت صلاح لبكي في زقاق البلاط في بيروت:اكله»النش«وفرغ الأمن ابنه الوحيد

المؤلف: شمس ضحى التاريخ: 1997-01-18 رقم العدد:7597

ان يكون المرء الابن الوحيد للشاعر الراحل صلاح لبكي، وحفيد الاديبة سلمى الصايغ امر ليس بالسهل، لكن نعوم لبكي الحامل لاسم جده الاشهر والذي لا يزال يسكن وحيدا في المنزل الابوي في زقاق البلاط شارع حسين بيهم، يتحمل الامر بمزيج من المرح والثقة الناجمة عن شخصية مستقلة اعتادت ان تكون ما هي عليه وان تقبل كذلك. ندخل من الباب الحديدي القديم الى الحديقة الصغيرة المتوسطة لبيوت ثلاثة. نقرع الباب المواجه لباب الحديقة، فتفتح لنا سيدة، تدلنا على المنزل الواقع الى يمين الداخل، لبكي بالفرنسية كتبت على جرس المدخل القديم. يفتح لنا الباب الخشبي الاخضر رجل في العقد السادس من عمره، يطل برأسه المعتمر لطاقية صوفية مستطلعا، وعندما نشرح له امرنا، يستأذننا بحيوية »لدقيقة حتى ألبس الروب دوشامبر«. ثم يعود بأسرع مما ذهب، ويدعونا الى الدخول معتذرا عن »الفوضى الفظيعة، لان البيت متروك منذ ثلاثة ايام، ذلك اني كنت بالمستشفى لعارض صحي بسيط«. مدخل صغير وضيق يقع على يمينه ما يشبه غرفة صغيرة، فحمام مواجه لباب المدخل. ندخل يسارا لنجد انفسنا في قاعة استقبال من الطراز القديم: علو السقف حوالى الامتار الستة، والغرفة العارية من الاثاث إلا من »صوبا« ضخمة، تبدو اكبر من مساحتها الحقيقية (حوالى 7×9) مع شبابيكها العالية والطويلة والمتخذة شكل ثلاث قناطر تتوالى على حائط واحد هو الواقع الى يسار الداخل. صورة للشاعر الراحل »الوالد« يقول نعوم، بالاسود والابيض معلقة على الحائط المقابل، وتحت الصورة طاولة، اصطفت عليها بضع اوان حول تمثال رأس يمثل الشاعر الراحل. الى اليسار تدخل الى غرفة الطعام، حيث وضعت طاولة طويلة، كانت تستخدم للطعام كما يبدو، الا ان مهامها اصبحت اليوم كثيرة. على الحائط الاول اطار مستطيل واحد وضعت فيه ثلاث صور بالاسود والابيض ونفس الحجم لطفل (او طفلة) في اوضاع عدة، والطفل في الصورة الوسطية يمد لسانه. يقول لنا نعوم انها صوره عندما كان صغيرا. ثم يسر الينا: »أنا BƒBƒ نستله«. اي انه كان الطفل الاعلاني المعتمد لمنتوجات نستله. مشيرا الى صورة اخرى تمثله بالاسود والابيض لكنها Portrait هذه المرة على الحائط المقابل. على رف خشبي صغير صورة اخرى لفتاة في العاشرة تعزف على البيانو، ويبدو عليها القدم. »أمي عايدة عندما كانت في العاشرة من عمرها«. تخرج من قاعة الطعام الى قاعة الاستقبال ثم ندخل في باب الى اليسار: »هذه غرفة نوم امي وأبي وأنام اليوم فيها«. سرير مزدوج من الخشب، من طراز الخمسينيات، التصقت بجانبيه من جهة الرأس طاولتا ليل (Table de nuit) مقابل السرير خزانة من نفس الطراز وكل ما هناك من زينة في المكان لوحة رسمت باليد هي عبارة عن صورة شخصية لنعوم لبكي الحفيد. نعود فنخرج الى قاعة الاستقبال التي تتفرع منها الابواب. ندخل في باب مواجه لمدخل القاعة: »هنا كانت غرفة امي وابي في فترة لكن بعد وفاة والدي كانت امي وحدها تنام فيها« سرير وحيد من الخشب زينته من جهة الرأس ثلاث وريدات خشبية. والغرفة مهملة وضعت فيها بضع »كراكيب« على السرير وعلى الارض. نخرج وندخل في باب آخر مواجه لباب هذه الغرفة: »هنا كانت في فترة غرفة مكتب والدي، ولقد حولت الغرفة بعد موته الى غرفة استقبال رديفة، فوضعت بارا من الخشب، وقعدة عربية«. على الحائط ثبتت بطريقة فنية مجموعة من صحون فناجين القهوة المتقنة الصنع. بضع عشرات منها غطاها الغبار، اما الحائط نفسه فلقد بدت عليه بقع واسعة من الرطوبة الداكنة الاخضرار. يشير نعوم الى السقف حيث »النش« باد بشكل كبير: »انها غرفة حمام جيراني، يستحمون ولا يزيلون المياه المتبقية فتتسلل الى بيتي... ماذا افعل. قلنا لهم عدة مرات... عبث«. نخرج من هذه الغرفة لنقعد مع نعوم في الغرفة التي ارتضاها »غرفة سفرة وعمل«. يختار نعوم ان يبدأ بالحديث من حيث لا نتوقع: »هذه الصورة هي صورة جدي فريد كساب والد امي وزوج سلمى الصايغ وهو اول طبيب اسنان رسمي في لبنان حيث انه تخرج من اوروبا عام 1906. اما البيت، وردا على سؤالك، فلقد استؤجر عام 1932، حيث كان حسين بيهم يبني هنا في المنطقة. ولقد كانت جدتي سلمى تسكن بالقرب من هنا مقابل جامع زقاق البلاط، وكان والدي ووالدتي »خاطبين«، فأستأجرت جدتي هنا وسكنت في المنزل. ولا تزال فواتير المياه باسمها وليس باسم والدي. تزوج ابي وامي في رأس السنة عام 1933، فأعطتهم جدتي المنزل وعادت الى منزلها متعزية بأن ابنتها الوحيدة ستكون على مقربة منها. ولقد ناسب المنزل ابي كثيرا لقربه من العدلية حيث اليوم مجلس الانماء والاعمار، فهو كان محاميا، ولقربه كذلك من مكتب ابي في باب ادريس على مسافة عشر دقائق، بالقرب منا كان سوق خضار وعربات خيل«، يصفن نعوم قليلا كأنما استوقفته عذوبة الذكرى، ثم يردف »الله اكبر كيف كان هالحي وكيف صار!! آل فريج، بشارة الخوري، الاديبة مود فرج الله ومنزلها اليوم المركز الثقافي الالماني، لويس زيادة، الدكتور داهش، بيت الخوري، الحداد (اهل فيروز) هنري فرعون، البراج، سنو، النحاس، النصولي، موسى... كنا كلنا عائلة واحدة... اذن تزوجا عام 1933 وسكنا فورا في المنزل. ولقد كانت أمي مدرسة موسيقى ورسامة وفنانة، وكانت »تفتل« في هذا البيت أرأيت مجموعة المرايا خاصتها، شيء جميل... عملت من المنزل ما يشبه علبة الملبس (Bonboniژre) وكانت دائما تغير من مهمات الغرف. هذه الغرفة كانت في فترة ما غرفة نوم... وابي كان محامي آل بيهم، وهؤلاء كان في يدهم 380 مفتاحا!! اتعلمين ماذا يعني هذا؟ وكنا ندفع لهم ايجارا سنويا قدره 50 ليرة ذهبية. والمشكلة انني لا استطيع ان استفيض في الكلام عن حياة المنزل، ذلك انني كنت دائما خارجه: او ألعب الفوتبول، او اصطاد الفراشات«. نسأله ان كانت هناك زوايا خاصة بوالده، فيرد ضاحكا: »كانت ام نعوم تقعده في المكان الذي ترتأيه. كانت باستمرار تحرك العفش وتزين وتلون، كان منزلا حيا ومتحركا مثل اصحابه، وعندما توفي والدي بذبحة قلبية، همد المنزل قليلا، الا ان امي الممتلئة حياة كانت تبث فيه حياتها، حتى توفيت«. نسأله ان كانت الذبحة التي ذهبت بحياة ابيه باكرا، سببها قلق الشاعر، فيرد علينا بعد ترو: »لا... لقد كان يجهد نفسه، فهو شاعر ومحام... اسمعي أنا متأسف ان اسر اليك بشيء، الناس لا يستوعبونه: صلاح لبكي المحامي كان اكبر من صلاح لبكي الشاعر. وطبعا التاريخ سوف يحفظ اسم صلاح لبكي الشاعر. الا ان صلاح لبكي كان مؤسسة، لقد كان من مؤسسي الحزب السوري القومي الاجتماعي مع انطون سعادة، لقد كان نائبا للزعيم. وعندما فصل من الحزب لم يكن ذلك لأسباب عقائدية بل لاختلاف حول طرق الاداء الداخلي. عندما اسس كمال جنبلاط حزبه شاركه صلاح لبكي صياغة مبادئ الحزب. لقد كان محاميا بارعا، تدرج في مكتب كميل شمعون، وعندما ولدت أنا، كان شمعون قد ارسل ابي في مهمة الى طرابلس وولدت في غيابه. ولقد رآني شمعون قبل والدي »وربما لذلك طلعت ازعر« يقولها وهو يضحك كثيرا. نعود لنتجول في المنزل، يشير الى زاوية في قاعة الاستقبال تحت النوافذ المقنطرة: »ليتك كنت ترينه في ذلك المنظر الذي كنت أراه فيه عندما استيقظ باكرا للذهاب الى المدرسة. كنت أراه في هذه الزاوية على كنبة، وقد اتكأ بمرفقه على المسند ووضع رأسه على راحته وهو يستمع الى آذان الصبح مستمتعا، كان في بعض الاحيان يترنم مع المؤذن. ثم كان يدير الراديو في الزاوية الى جانبه وكان من نوع ZENITh كبير الحكم... طبعا نحن موارنة، لكنه كان علمانيا. لم يعمدني الا بعد ان سألني... لقد كان دائما يقول لي ان اختار الدين الذي اريد. كم يكون عمر الطفل حين يعمد في الكنيسة؟ اشهر؟ اذا اصبح في شهره السادس دون عماده، يبدأون بالعويل: »يا دلي« ويخبطون على رأسهم لان الطفل لا يزال وثنيا (يضحك) لقد تركني حتى صار عمري سبع سنوات قالها لي مئة مرة: اختر الدين الذي يعجبك، وبما ان كل اصحابي مسلمون، فلقد كانوا يسموني محمد نعوم. (نصل الى باب غرفة نومه الملاصقة للقاعة، يشير الى الزاوية) هنا كان بيانو والدتي، اذكر كذلك عندما كان انطون سعادة يأتي لينام عندنا، كان »يطرطق« قليلا على البيانو... وعندما كنت اعرف ان »عمو انطون« جاء كنت استعيذ بالله، ذلك انه كان ينام في غرفتي«. نسأله ان كان بقي هنا من اجل المنزل او الذكريات او... فيجيب: »تسألني ما الذي ابقاني هنا؟... لقد تركت المنطقة عام 1975 حيث كان الذبح على الهوية... اجبرت على الخروج من هنا الى المنطقة المسيحية، لقد خطفت ثلاث مرات... لكنني تركت امي هنا بعد ان رجاني الجيران قائلين: الله يخليك اتركها هنا امانة عندنا، لقد خطفت 3 مرات فاترك امك هنا نحن نعتني بها«. نسأله ما المفضل لديه من مؤلفات ابيه فيقول لنا: »لو قلت لك انني لم اقرأه هل تصدقيني؟ والله... لم اقرأه... لقد كنت ابنا وحيدا علمني ابي ان آخذ حريتي وان اكوّن نفسي«. وهل من اقارب له طالما انه لم يتزوج، يجيب بخبث: »هل تريدين ان تعرفي ان كانت عائلة لبكي سوف تنقرض؟ لدي عم ببعبدات ولدي اولاد عمومة«. نقول له اننا نسأل لمعرفة من الذي سيحتضن تراث صلاح لبكي بما انه غير مهتم بالمؤلفات، ولا يبدو ان الدولة مهتمة بهذه المؤلفات او بالبيت الذي تأكله الرطوبة فيقول: »اسمحي لي ان اقول ان الدولة لم تهمل صلاح لبكي، عندما توفي والدي كان رئيسا لجمعية اهل القلم وكان كميل شمعون رئيسا للجمهورية، الدولة غير مقصرة مع صلاح لبكي، الدولة اللبنانية مقصرة مع نفسها لذا لا تلام لو قصرت مع شاعر، لقد قال لي الجيران انه منذ فترة قصيرة ذكر الرئيس الياس الهراوي في معرض تكريم امين نخلة ان الدولة مقصرة مع والدي. أنا لم اسمعه«. ومالك المنزل الا يرممه؟ يرد: »لقد اشترى المنزل محمد رضا سنجابي، و»ابو بشار« طيب القلب كثيرا، لكنه لن يستطيع ان يقوم مقام دولة لبنان الكبير، عندما يكون لبنان الكبير محتارا كيف يزم«. تحقيق: ضحى شمس

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة