بعد مجموعة كبيرة من القصص والروايات والدراسات والمقالات، وبعضها ترجم الى اللغات الانكليزية والالمانية والدانماركية، اطلت الكاتبة اللبنانية املي نصر الله برواية صغيرة، تبدو انها مخصصة للفتيان قبل الكبار، بعنوان »يوميات هر«، حاولت فيها التشبه بالحكايات العربية والعالمية القديمة، التي تحولت الى جزء من التراث الكلاسيكي، والتي سعت الى انسنة الحيوان لتمرير ما كان يشكل في الماضي اختراقا للممنوعات التي كانت السلطات الحاكمة (وغيرها من السلطات المختلفة) تضعها امام الناس. ولكن، لا يعني هذا ان كل من انسن حيوانا، يبغي التعبير مجازا عن اشياء ممنوع البحث فيها. فثمة متعة ادبية ما تقف خلف اختيار هذا النمط الكتابي، وربما هناك رغبة معينة في معايشة الحيوان عالمه وتفاصيله. ان مثل هذا الكلام لا يدل على ان املي نصر الله استعانت بهذا الهر السيامي، كما تصفه، لتصل الى غايات مبطنة، بل كانت واضحة منذ البداية، في رغبتها في الاهتمام بهذه الكائنات الحية والأليفة التي تشردت وحيدة في شوارع المدينة اثناء الحرب اللبنانية. يبدو ان نصر الله هدفت الى معايشة الهر، والى فضح عالمه وتفاصيل يومياته، من خلال سرد ما رواه هو عن نفسه وعن محيطه. علاقة الطفل بالحيوان تقول املي نصر الله في التمهيد: »كتب الكثير عن بيروت في زمن الحرب. وكانت الكتابة، في معظمها، عن الكبار، وللكبار. وكانت عن الناس. اما سائر المخلوقات المقيمة في المدينة، فقلما ذكرت. بلى: كتبت الصحف عن ظاهرة القطط والكلاب الشاردة في زمن الحرب. ولكن، ماذا عن تلك المخلوقات اللطيفة، الأليفة؟ وكيف عاشت؟ وماذا جرى للعلاقة المميزة التي تقوم بين طفل وحيوان بيتي؟«. تضيف الكاتبة ان روايتها هذه، »يوميات هر«، تحاول الإجابة عن بعض تلك التساؤلات »كما انها مستوحاة من حقيقة وواقع، حتى اني لم اجد ضرورة في استعارة الأسماء: فزيكو شخصية حقيقية، كذلك صديقته منى. ومن خلال هذه الصداقة اللطيفة، نرافقهما، خطوة خطوة، وهما ينتقلان من زمن السلام والايام الحلوة، الى آلام الحرب وويلاتها«. وتنتهي نصر الله الى القول ان البعض يعتبر وجوب محو ايام الحرب من الذاكرة، وان »تطوى صفحتها نهائيا هذا رأي اما أنا فأقول: يجب ان نتذكر، لنعتبر، وربما ليكون الماضي امثولة لأجيال الغد«. هدف نبيل ان تدعو املي نصر الله الى ضرورة تحويل الماضي امثولة لأجيال الغد. فنحن من الذين يقرون بأهمية العودة الى زمن الحرب، بقراءة هذه الحرب من مختلف جوانبها، بالامعان في محاكاة تفاصيلها، كي نستعيد مرارة الزمن الذي مضى، فنحوله الى »امثولة« فعلية من اجل المستقبل. ولكن، هل يمكن اعتبار »يوميات هر« بمثابة نص ينتمي الى هذا الهدف؟ وهل وفقت الكاتبة، عبر يوميات هرها، في تحقيق ما ارادت؟ غالب الظن ان قياس النص بالنسبة الى هذا الهدف، كان غير ملائم. لأن السرد الذي كتبته نصر الله، ظل ضمن اطار تبسيطي اتخذ موقفا من بشاعة الحرب التي شردت الناس ودمرت ارزاقهم وهجرتهم من ذواتهم، ربما. ومع هذا، فإن »يوميات هر« حكاية لم تصل الى حدود الادعاءات الكبرى،وان ارادت البحث في ماضينا، فظل البحث مقتصرا على مشاهدة سريعة، لا اكثر. البساطة لا يخرج هذا النص الروائي لإملي نصر الله، من ناحية اخرى، عن بساطته (القصوى) في السرد الحكائي. فكأن الشخصيات الاساسية دخلت في لعبة السياق من دون ادعاءات قد تدفع بها الى مغادرة المشهد، قبل انجاز المهمة. صحيح ان الهر زيكو هو المحور، فهو الذي يكتب يومياته، وهو الراوي. وصحيح ان صديقته منى هي، الامتداد الانساني الأنقى له. لكن الشخصيات الاخرى (الام، الاب، الطبيب، البواب، الجار، الرفاق، الاصدقاء...)، التي تكاد لا تلمحها الا في مدى ارتباطها بهذين الهر والصبية، تبقى حاضرة في مكانها الطبيعي، كضرورة ملحة لاستكمال الصورة. حتى الحيوانات الاخرى، جاءت لتكون جزءا من الاطار العام للرواية. بمعنى آخر، فإن بساطة الاسلوب الذي استخدمته املي نصر الله قد فعلت فعلها في اعطاء المتتاليات المشهدية نمطها التعبيري في القول الواضح والمباشر، وبالتالي نجحت في جذب القارئ وهو يتابع الحكاية من دون توقف. الى ذلك، برزت الحرب في جزء من الرواية. لكن الهدف الاساسي بقي محاصرا في يوميات هذا الحيوان البيتي، الأليف، الذي شاهد بعينيه، اكاد اقول انه شعر ايضا بعواطفه وغريزته، التحولات التي ضربت المنطقة حيث يقيم مع منى وأهلها (وهي منطقة غير محددة جغرافيا، كدلالة ربما على تشابهها وبقية المناطق اللبنانية التي وقعت جميعها ضحية هذه الحرب الشرسة)، اي من الرفاهية الى الموت، ومن الطمأنينة الى القلق والخوف، قبل ان تقرر العائلة ترك البيت لاشتداد المعارك من حوله، فاذا بزيكو يفضل البقاء فيه لتجنيب العائلة اي امكانية لعرقلة تحركها قد يقوم بها هو عن غير قصد، ويجد نفسه وحيدا، ثم مضطرا الى مغادرة المنزل بعد اندلاع الحريق فيه جراء اصابته بقذيفة مباشرة، فتفقد العائلة اثره نهائياً. نديم جرجوره