As Safir Logo
المصدر:

أربع مجموعات قصصية فلسطينية تقارب قلق المكان التبدلات في أرض»الوطن«لا تزال هشة في الأدب

المؤلف: الولي مصطفى التاريخ: 1997-01-10 رقم العدد:7590

يشكل المكان أحد العناصر الضرورية للعمل الفني، قصصياً كان أو روائياً. ومهما ولج الخيال في أحلام اليقظة، فإن الاستقلالية عن المكان مستحيلة خلال صنع الصور الجمالية. والمكان هنا هو الواقع، المدينة، البيت، المكتب، الكافيتيريا.. الخ. في عمله الهام، قدم غاستون باشلار، ما يشبه الثورة الكوبرنيكية عن جماليات المكان في العمل الإبداعي (حسب غالب هلسا) لكنه درس ظاهرة المكان بصفته الألسنية، ولم يتطرق في عمله إلى المكان حين يصبح عدائياً أو عدوانياً. واقع الحال في القصة الفلسطينية القصيرة، الصادرة في فلسطين تحديداً، يطرح إشكالية جمالية الصورة في المكان، وقدرة المبدع على تحويل المكان المعادي في الواقع إلى جميل في الفن. ففي المكان المزلزل ذاته، حيث العذاب والمأساة، يقيم الكاتب المبدع بناءً فنياً يحلم باستعادة الألفة مع المكان. ومن الصور الملونة بالدخان والرماد والدم، المتشققة والمشركة بأسلال معدنية جارحة ومكهربة، يحلم المبدع، كما الإنسان، باللون الطبيعي للبحر، وبالرائحة الزكية للبيارات، وبالهندسة المطمئنة للأمكنة. من أجل استعادة المكان صورته الطبيعية، هندسته المطمئنة والأليفة، راح كتّاب القصة القصيرة في فلسطين إلى حدود تصويرية بالغة التأثير، تقدم فظاعة العلاقة بالأمكنة، في ظل الطارئ المعادي. فيها قدموا حلم تنظيف المكان، استعادته، وتغيير واقعه الطارئ. النماذج الأربعة التي نتناولها (صادرة في العامين 1995 و1996) هي: »موعد بذيء مع العاصفة« (زياد خداش)، »عودة كنعان« (عمر حمش)، »اشتعالات الليل« (أحمد جبر شعث) و»يحكي البحر حكاية عشق« (عثمان خالد أبو جحجوح). في المجموعات المذكورة أمكنة تتشابه في حالاتها وملامحها. ليس في جدرانها وألوانها وانعطافاتها، بل في حيواتها، حركاتها، جلبتها، اضطرامها، سطوة الرعب لصورتها في مشاهد يومية مفجعة، الإطلالة المتلاحقة للموت من كل زاوية، وفي أي منعطف، وأقله الجدران الصماء التي تحتجز حرية الإنسان الفلسطيني في مكانه وطنه بيته بيارته غرفة نومه قارب الصيد في بحره الرمادي الممغنط. الدخول إلى البحر بين البحر والأمداء الواسعة المنفتحة في كل اتجاه، صلة طبيعية. في البحر الفلسطيني الأمداء مغلقة، والمساحة ضيقة. فالشباك تلقى لكنها تخرج فارغة من أي صيد. والسبب أن ركوب البحر هناك بحاجة إلى تصريح »من يأخذ تصريحه يدخل البحر، ومن لم يأخذه يخرج من بوابة الميناء؛ هذا ما قاله مكبر الصوت« من السجن إلى البحر المحاصر، ومن التهمة بخلخلة أمن البحر إلى المستشفى بعد إصابة بطلقات الجنود، يقدم خالد أبو جحجوح حكاية عشق البحر، مواصلاً النظر إلى البحر المحاصر.. الأفق.. الميناء.. المراكب.. الصيادين. ثم يلوح للجميع قبل أن يغادر الشاطئ »حيث كانت الصورة واضحة في رأسه«. لكن صورة البحر مضطربة أيضاً. في »اشتعالات الليل« لأحمد جبر شعث، يلامسنا بحر آخر، يطرح »أمواجه بهدوء فكرة عتيقة« وهزيج الليل جاء ليوجع شطآناً مسترخية في عميق دفئها، »والبحر لم يخبئ نوارسه من مساء طاغ«. تارة البحر واقع حي: شباك وصيادون، قوارب، وأبراج مراقبة، وتارة أخرى، عند قاص آخر، فكرة، تجريد، استخدام لغة في إتقان بناء النص القصصي ليقارب لون الشعر. وحتى في هذه الإحالة للبحر، فكرة، وإحساسات ذاتية، يعود »عويل الموج ينزف صمت الشرفة«. الإحساس بخطر المنفى الفلسطيني، يتصل أيضاً بالبحر عند القاص أحمد شعث، ويحمل المنفى معنيين: مكانياً ووجودياً. فالمدينة »بحرها في نهم دائم لقوارب المنفى، يبعثرها إلى موانئ قاتمة طريدة« وهو »خارطة للموت يسلب السواحل، يهجر حامية المدينة، يبدل أصوات الحادي بالنعيق«. في نسق آخر من التداعيات الذاتية، نرى صورة أخرى للبحر، ترمز إلى التجاوز وتعيد إلى البحر مكانته، فهو في التداعي الرمزي يقابل حالة الشعب، مثل »مواكب هابطة في خشوع جم بين أحضانه وعيونهم شاخصة إلى لون البحر البعيد، تستقبل مخاضاً جديداً أو تشهد احتضاراً لموجتين كبيرتين!!«. يعود زمن كتابة المجموعة »اشتعالات الليل« إلى سنوات 1989 1995 وهو ذاته زمن صعود الانتفاضة الفلسطينية ذروتها وصولاً إلى هبوطها. ومن وجهة نظر معينة يمكن إقامة صلة بين القلق والاضطراب في القصة، وشكل ملامسة البحر فيها واقعاً، أو صورة، أو تجريداً بالفكر، مع الالتباس والتشوش في مجريات العلاقات بين الفلسطيني والمحتل في تلك السنوات. لكن القاص أحمد شعث يطلق فكرة من خلال دعوته البحر »أعِدْ أيها البحر هذه الريح العقيمة إلى مكامنها.. أيها العظيم رحماك من ضجرك الأخرق، كفاك خلوداً في شيخوخة قواربنا المقلعة دوماً بقوتك..« ويهم بالتوجه إلى عرين البحر، متخلصاً من عجزه »فنبتت لي قدم ثالثة«. »حكاية عشق البحر« لعثمان أبو جحجوح، مجموعة كاملة، أحداثها بحرية، صيادون وجنود، وأطفال ينتظرون غلة الشباك لشراء ألعابهم وطعامهم. وفي غضون ذلك الانتظار »يحط الظلام على زرقة البحر، يحولها لوناً رمادياً داكناً«. ذات يوم، في زمن الانتفاضة، صرح رابين وغيره من القادة الإسرائيليين، بأنهم يتمنون لو يبتلع البحر مدينة غزة. لكن ذلك لم يحصل، فقط »امتزج الدم بزبد البحر، أصبح وردياً، علا صوت البحر بترنيمات الرجال.. هيلا.. هيلا«. في إحدى عشرة قصة، البحر هو المكان، فيه يقع الحدث، وعلى شواطئه تتعارك شباك الصيادين، تارة مع الأسماك القرشية القاتلة، وتارة أخرى مع جنود الاحتلال، يطلون من أبراج مراقبة سوداء، وخلف أسلاك معدنية تحاصر المدينة والمخيم. هكذا يكون البحر الفلسطيني في غزة، صاخباً، دامياً، ممنوعاً على ناسه، فتأتي القصص عنه متناسبة مع حالته، وهو المكان الأوسع، لكنه يضيق إلى حد خنق البشر، والضن عليهم بثرواته، التي هي مصدر رزقهم. المدينة والمخيم المكان في مجموعة زياد خداش، مدينة ومخيم، وتفاصيلهما، شوارع، كافيتريا، مقبرة، مستشفى، مدرسة.. في المجموعة »موعد بذيء مع العاصفة« زاوية رؤية مختلفة لاضطراب المكان، قلقه وهواجسه، أخطاره ونُذُره. تجري القصص في فضاءات مكان فلسطيني صريح ومكشوف، لا يتجاوز مخيم الجلزون، ورام الله والقدس القديمة. في لحظة حب، رجل وامرأة متأبطان، فتبدو لهما رام الله نادرة، يلتهمان بنظراتهما تفاصيل الأمكنة. تقودهما الخطى إلى كافيتريا وسط المدينة. وفجأة يتعطل صفاء اللحظة، ويظهر الشارع على حقيقة أخرى »رام الله تتغير يا عزيزي، هناك حركة رياح غريبة، انظر إلى عيون الناس (..) يتراكضون في الشوارع باتجاه محطات الباصات يدفعون عن عيونهم أشياء مروّعة.. العربات المسرعة تطلق الزعيق ويصطدم بعضها ببعض.. العاصفة الرملية تجتاح المدينة من جهاتها الأربع، تكتسح البنوك والمستشفيات والعربات المقلوبة وبسطات الخضار وفناجين القهوة الساخنة التي تركها عشاقها على طاولات الكافيتريا الصامتة«. يطالعنا زياد خداش في مجموعته القصصية بقسوة المكان في ظل الاحتلال، وانكسارات الإنسان فيه، وحرمانه من لحظة حب مكتملة. فتنطلق الأمكنة ألماً وقسوة، ويحلم الإنسان بمكان أليف هادئ، أو صاخب بفرح الحياة، لكن كوابيس الخطر تدهم كل الأمكنة وفي أجمل اللحظات. من الغرفة الصغيرة إلى رواق المستشفى أكوام مبعثرة من نثار الذكريات الحلوة الكسيرة. حتى الضوء في تلك الغرفة معطوب، كما هو الرصاص يعطب ويفني محمد »برصاصة بلهاء حطمت رأسه الجميلة وسط المدينة«. ويبقى الموعد مع الحياة أقوى من ظلمة الأمكنة ووحشتها، ففي المقبرة يطلق زياد خداش حالة حب بعد إكمال مراسم الدفن: »من يدها البضة سحبتها بعنف، خلف أحد القبور ذي الشواهد العالية، جلسنا متلاصقين بانتظار انتهاء مراسم الموت.. لا أدري بالضبط متى حصلت الواقعة وكيف قررناها، لكننا وجدنا أنفسنا متعانقين نلهب وجهينا بقبل شيطانية وأنفاس هادرة«. في مجموعة عمر حمش »عودة كنعان« تصوير للمخيم، وللأمكنة، بلغة جميلة فيها مبالغة شعرية أحياناً. »المخيم يرتفع وينخفض، ينفرد وينقبض، يدور يدور، يصرخ هاوياً على الرأس الهرم.. الشوارع ترمح تحت الأقدام، الفراغ يمتلئ، يتعبأ بالهتاف.. يقفل المخيم مداخله ويفتحها، يغلق أزقته ويطلقها.. المخيم ينقلب إلى فرن، الشوارع تتسع وتضيق، المخيم ينفجر.. القبر يتسع.. المخيم يشعل أركانه ويتلوى.. جدران الطوب تتحرك«، »المخيم في الصباح شمس وناس وحياة، ولفّة قماش صغيرة في حضن الصبية، تهادت خجلى في الطريق.. بعد ساعة امتطاه دخان أسود، لا أمان في المخيم«. تلك العلامات عن قلق الأمكنة، وتقلباتها، ومفاجأتها المأسوية، تشكل حافزاً للتفكير، وتطرح الأسئلة عن استعادة الحياة في المكان، واسترجاع الإلفة. وكأن لسان حال الفلسطيني في طريق عودته إلى البيت يسأل: كيف تستطيع أن تمضي ما تبقى من ساعات هذا الظلام المعربد والصمت العميق؟ يجيب زياد خداش »عندما تتذكر أنك وحيد في هذا الليل وأنها فرصتك الآن لفرض رغبتك المجنونة على هذا العالم، أن تطوح بالزجاجة الفارغة في فضاء المخيم المظلم وتتلذذ بصوت انفجارها في وجه الليل والظلام والصمت العميق والأقدام الثقيلة«. في المجموعات فروق وتنوعات فنية، ومضامين فكرية مختلفة. المشترك بينها هو المكان، سماته، ملامحه، علاقته بالإنسان. فالفلسطيني على أرضه تحت الاحتلال، تصبح علاقته بالمكان علاقة تفارق، بين تشبثه به وحقه في الحياة الحرة فيه، وبين تحوله بفعل سيادة العدو عليه إلى نقيض للحياة الطبيعية. وبعض القصص تاريخها القريب جداً يظهر أن صورة المكان لم تتبدل في السنتين الأخيرتين، ما يشير إلى هشاشة التبدلات التي طرأت على الوضع في الضفة والقطاع، وانخفاضها عن المستوى المناسب للإحساس بالأمان والألفة مع المكان »أرض الوطن«. ولا يمنع ذلك من التشبث بحلم المكان الآمن، وهو ما دلت عليه القصص من خلال الدعوة الجلية إلى رفض الأسباب التي تحول بين الإنسان ووطنه، والعمل على إزالتها. (*) كاتب فلسطيني

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة