ربما كانت نتيجة اجتماعات لجنة المراقبة لتفاهم نيسان الأخيرة، متوقعة. اذ من غير المنطقي توقع ادانة مباشرة من هذه اللجنة لأي طرف من اطراف هذا التفاهم. لكنها مسؤولة فقط عن تحميل مسؤولية الخرق لهذا الفريق او ذاك والتنبيه المتكرر للجانبين بضرورة مراعاة عدم التعرض للمدنيين خلال العمليات العسكرية. لكن الجديد في هذا الأمر هو ان الاجتماع عقد في لحظة سياسية أمنية متوترة.. تصعيد في العمليات النوعية من جانب المقاومة ضد قوات الاحتلال، هستيريا اسرائيلية في رد عسكري مباشر من دون نتيجة، وبأعمال ارهاب أمنية ضد المدنيين في لبنان وسوريا. وكلام سياسي كبير بين الأطراف الأقوياء: سوريا، اسرائيل والولايات المتحدة. وتنافس بين الاوساط المعنية في التحذير من احتمال حصول حرب او التقليل من جدية هذا الأمر. والجديد ايضا في مضمون ما جرى تداوله داخل اجتماعات اللجنة المطولة هو ملاحظة الوفدين اللبناني والسوري لكون المندوب الفرنسي رئيس الدورة الحالية للجنة، لم يتعامل بايجابية، كانت بارزة في مواقفه وتصريحاته عشية تكليفه وبعيد ترؤسه لأول اجتماع. وبدا في مناقشات اليومين الأخيرين، أقرب الى المنطق الاسرائيلي الأميركي في تفسير حقيقة ما يجري في الجنوب الآن. واقترابه أكثر فأكثر من الافكار الأميركية الاسرائيلية المطروحة بشأن التخفيف من حدة التوتر في هذه المنطقة. وكشفت مصادر واسعة الاطلاع ل»السفير« ان المرحلة الأولى من مناقشات اللجنة في الاجتماع الأخير، ركزت على عرض للوقائع بشأن الشكاوى موضوع البحث. وركز الاسرائيليون على موضوع العبوة الناسفة التي فجرتها المقاومة لدى مرور مجموعة من وحدة »ايغوز« الخاصة بمقاتلة المقاومين في بلدة مركبا. قال الاسرائيليون ان العبوة وضعت بين المنازل، وان انفجارها هدد السكان المدنيين في محيط تحرك المجموعة الاسرائيلية. ولكن المندوب اللبناني اخرج الفيلم المصور الذي عرضته المقاومة. وفنَّد كيف ان العبوة فجرت لحظة مرور الجنود وعدم وجود أي مدني في المنطقة، حتى قبل حصول الانفجار وبعده أيضاً. ومع تأكيد الوفد اللبناني على حق المقاومين في ملاحقة جنود الاحتلال، حاول المندوب الاسرائيلي، التشديد على ان مجرد اقدام المقاومة على زرع عبوة داخل قرية هو تهديد للسكان هناك. وهو أمر يشكل خرقا للتفاهم. لكن هذا المنطق اسقط بمجرد تذكير المندوب اللبناني للحاضرين بأن »تفاهم نيسان« واضح في اقراره بحق المقاومة في ملاحقة جنود الاحتلال أينما تحركوا في المناطق المحتلة. وان المشكلة تكمن أساساً في اقدام جيش الاحتلال على تسيير دورياته والقيام بأنشطة عسكرية داخل القرى والبلدات الآهلة بالسكان. مع التأكيد، على ان عمليات المقاومة، لم تصب أبداً، المدنيين هناك، وهم في كل الأحوال مدنيون لبنانيون. والخرق الذي يحدده التفاهم، هو عندما تتعرض المقاومة لمدنيين موجودين في الجانب الاسرائيلي وليس داخل الأراضي اللبنانية محررة كانت أم محتلة. ومع ذلك، فقد حاول المندوب الاسرائيلي المناورة، برغم عرض فيلم المقاومة. وتقديم المعلومات والأدلة على الخروقات الاسرائيلية المتكررة للتفاهم وقصف مناطق خارج الشريط المحتل واصابة مدنيين. وقد انتقل المندوب الاسرائيلي للحديث عن أعمال القصف المدفعي التي تقوم بها المقاومة ضد مواقعه في قرى امامية (محاذية للمناطق المحررة). وركز، على عملية قصف موقع برعشيت حيث اصيب قائد وحدة الارتباط الجنرال ايلي عميتاي خلال قصف الموقع الذي كان بداخله، بشظايا قذيفة هاون من عيار 81 ملم. وتحدث الاسرائيلي بصورة دائمة عن أن المقاومة تلجأ الى توتير الأجواء بصورة دائمة. وهي تعتمد على قصف مدفعي مركز من مرابض موجودة داخل القرى المحاذية. وبقصف متواصل للمواقع العسكرية الاسرائيلية. مما يضطر هذه المواقع الى الرد دفاعاً عن النفس. ولاسكات مصادر النيران. بما يدفع نحو تبرير توسيع رقعة القصف المدفعي بحيث يعتبر ان اصابة منازل ومدنيين في قرى محررة، بمثابة أمر اضطراري غير مقصود، وسببه مبادرة المقاومة الى قصف المواقع المقابلة بالمدفعية. وبعد ساعات عدة من النقاش حول هذه المسائل، وجد المندوب الاسرائيلي نفسه في حالة ارتباك. وعاد في اليوم التالي، ليعرض صورة لامرأة لبنانية عجوز من بلدة مركبا، قال انها اصيبت جراء عملية المقاومة هناك. وتبين من المعلومات التي قدمها الجانب الاسرائيلي، ان هذه الامرأة، اصيبت بانزعاج نتيجة صدى وقوة انفجار العبوة التي قتلت جنديين اسرائيليين وجرحت اثنين آخرين. وبالطبع، رفضت هذه الحجة باعتبارها غير معبرة من حيث المضمون. ثم لكونها مرفوضة شكلاً، اذ يفترض بالجهة الشاكية، أن تقدم خلال يوم، معلومات وتفاصيل تتعلق بأدلة على حصول خرق من الجهة المقابلة. وهذا ما لم يحصل من جانب اسرائيل. عدا عن ان اثارة هذا العنوان، مرفوض بصورة قاطعة لأنه يهدف الى امور تتجاوز مطلب حماية المدنيين. وحسب المصادر الواسعة الاطلاع، فان الجانب الاسرائيلي ومن خلال ما تقدم به مندوبه، ومن خلال المداولات الرسمية وغير الرسمية للمندوبين الأميركي والفرنسي، يظهر ان العدو يضغط تدريجياً باتجاه تحقيق أمرين: الأول: ادخال العبوات الناسفة ضمن الأعمال المحظور استخدامها حسب ممنوعات التفاهم. وهو بعدما فقد بفعل الضغوط، حقه في استخدام قوته النارية الكثيفة واضطر الى التراجع عن مبدأ القصف العشوائي نحو القصف المركز يريد ان يدفع اللجنة الى اعتبار العبوات من الادوات التي تهدد حياة السكان في تلك المنطقة. الثاني: محاولة الضغط من خلال اللجنة ومواقف أميركية وفرنسية. ومن خلال اعتداءاته النارية الأرضية والجوية. لدفع المقاومة الى وقف عملياتها التي تتم بواسطة »القصف المدفعي المختار بدقة وعناية« والذي تبين انه ينهك أعصاب الجنود من وحدات المجندين، الذين يتم استقدامهم للخدمة في جنوب لبنان ويتم وضعهم في مواقع معينة لمدة تتجاوز الأسبوع في بعض الأحيان، وهم يضطرون بفعل ضغط المقاومة الميداني، الى عدم مغادرة هذه المواقع أولاً والعيش في ظروف قاسية لصعوبة الانتقال الى المواقع ومنها الى مواقع أخرى، ثانياً، ولأنهم يضطرون في غالب ساعات النهار الى البقاء في المخابئ والدشم منعاً لاصابتهم بمدفعية المقاومة. ثم لعدم قدرتهم على الخروج حتى الى الساتر المحيط بمواقعهم، لأن وحدات القناصة في المقاومة تكون في انتظارهم. ولطالما اخطأ بعضهم فتجرأ على الخروج الى الشمس فعاد محمولاً الى أهله في اسرائيل. وحسب تقديرات المتابعين ومعلومات المصادر الواسعة الاطلاع فان المحاولة الاسرائيلية هذه جاءت لتغطي محاولة جديدة لفرض قيود على المقاومة لم تنجح الاعتداءات الواسعة ولا الحروب ولا المفاوضات في وضعها. عدا عن ان الموقف اللبناني والسوري خلال الاجتماعات كان حاسماً وبلهجة قاسية تقفل النقاش حول هذه المسألة. وسمع المندوب الفرنسي، رئيس اللجنة، كلاماً مباشراً حول عدم قبول لبنان، وبالشكل، مبدأ البحث في حق المقاومة بمطاردة جنود الاحتلال. وتم تذكيره بدور المقاومة الفرنسية خلال الاحتلال النازي لبلاده. مما اضطره الى التراجع عن بعض الطروحات التي قاربت الموقف الاسرائيلي المدعوم أميركياً. والجديد الثالث في اجتماعات الأمس، هو بروز دعوة واضحة من جانب الفرقاء الاسرائيلي والأميركي والفرنسي الى وقف لاطلاق النار. وحسب المعلومات المتوافرة ل»السفير« فان الأمر بدأ عندما احتج الحاضرون على أجواء التوتر والتصعيد التي تواكب اجتماعاتهم وطلب رئيس اللجنة لو يجري الاتفاق على توجيه دعوة من جانب اللجنة لوقف فوري لاطلاق النار بين المقاومة وبين اسرائيل. وبدا كلامه خطراً جداً، عندما أرفقه لاحقاً بتفسيرات ترافق التفسير الأميركي الاسرائيلي للتصعيد، والذي يقول، بأن المقاومة ترفع من وتيرة عملياتها القاسية ضد الجيش الاسرائيلي الذي »يضطر« برأي هؤلاء، الى الرد فيحصل إطلاق نار كثيف ويسود التوتر الأجواء العامة. وقد لاقى الموقف هذا، رفضاً سريعاً وحازماً من الجانبين اللبناني والسوري، اللذين أوضحا، ان ما يحصل، هو ان اللبنانيين يقومون بحق مطاردة جيش الاحتلال واجباره على مغادرة أرضهم المحتلة. وهذا أمر لا يمكن لأحد وقفه. ولا يجوز طرح هذه المسألة بصورة قاطعة، وما أثار الاستغراب هو الموقف الفرنسي المساند لهذه النظرية والذي يعكس اما ضعف وعدم قدرة الجانب الفرنسي على مواجهة الضغوط الأميركية الاسرائيلية، واما محاولة لتقديم تفسير جديد ل»تفاهم نيسان«. الأمر الذي يثير تساؤلات حول خلفية الموقف الفرنسي، وصلة ما دار في اجتماعات الناقورة بما اذيع في اسرائيل عن »مفاوضات سرية« بين وزارتي الدفاع في فرنسا واسرائيل تتناول موضوعات في المنطقة وموضوع الجنوب بشكل رئيسي. وقد حاول السفير الفرنسي في بيروت جان بيار لافون توضيح هذه المسألة بقوله ان بلاده لا تفكر بالقيام بشيء من دون وجود موقف ودور للبنان وسوريا، كما حاول تصحيح خلل موقف مندوبه في لجنة المراقبة عندما قال إن بلاده تقر بحق مقاومة الاحتلال. لكنه لم يقدم نفياً قاطعاً، في مقابل معلومات دبلوماسية، تشير الى ان لقاءات باريس التي أعلن الاسرائيليون عنها، هي لتبادل وجهات النظر بشأن سيناريوهات محتملة لحل المشكلة القائمة في جنوب لبنان. إبراهيم الأمين