عاد رئيس الوزراء رفيق الحريري من واشنطن ثم من باريس فوجد أن الوقت مناسب للدخول في إشكال مع قيادة الجيش. كنا في عالم المليارات فإذا بنا في الترقيات. عاد رئيس مجلس النواب نبيه بري من مصر متشائماً بأن العام 97 سيكون صعباً ومع ذلك اعتبر أن المستحسن الدخول في سجال مع بكركي. أعلن ترقية البطريرك صفير من الموارنة إلى لبنان، وهذه مسألة فيها نظر، وتناسى أن ما هو غير خاضع للنقاش هو أنه، هو، رئيس مجلس نواب البلد كله. عاد وزير الداخلية ميشال المر من تونس بعد جلسات التعبئة الدورية التي يعقدها وزراء الداخلية العرب وفاته الانتباه إلى كلام لمسؤول أعلى منه عن أخطاء رافقت التوقيفات فدافع عنها على طريقته: لم يجد شائبة! وفوق ذلك قدّر أن الوقت ملائم لفتح ملف الجمعيات المعنية بحقوق الإنسان. لم يغادر رئيس الجمهورية الياس الهراوي الى أي مكان وبالتالي لم يعد من أي مكان وهو استقبل الأعياد وودعها بالإصرار على التعديلات الدستورية. يطرح كل مسؤول جدول أعمال خاصاً به. وفي سياق ذلك تتعرض صورة الحكم إلى مزيد من التشويه وافتقاد الحد الأدنى من التنسيق. أكثر من ذلك، يستحيل الكلام، جدياً، عن أننا نبني دولة والأركان كل يشد في اتجاه. إن استعادة هذه العناوين، هي كلها مهمة، توحي كم أن واحداً منها فقط كان يمكنه أن يكون محوراً لحياة سياسية تشبعه نقاشاً ثم تحسم في أمره وتنتقل إلى آخر. إن جزءاً من السلطة التنفيذية على خلاف مع السلطة العسكرية، ورئيس السلطة التشريعية على خلاف مع سلطة روحية، وجزء من السلطة الأمنية على خلاف مع هيئات أهلية ورئيس الجمهورية في الوسط لا نعرف مع مَن هو مختلف أو متفق ولا هو يبذل جهداً لإقناعنا بأن أي تأخير في بت ما يقترحه، وهو ليس أقل من تعديلات على الدستور، يمكن له أن يترك انعكاسات سلبية. برج بابل. لقد جرى نقاش أولي، في الماضي، حول الأولويات الاقتصادية وهو نقاش تعرّض فيه المفهوم نفسه، »أولويات«، إلى امتحان كبير عندما أكد الحريري أن كل شيء أولوية. وكان من البديهي أن يخرج مَن يقول له إن هذه اللفظة اخترعت، بالضبط، لتوصيف حالة أخرى. وبالفعل حصل ذلك ولكن رئيس الحكومة أصر على.. »أسنان المشط«. وكان ما كان من سياسة حاولت قبل أسابيع استدراك نفسها باكتشاف »شأن« أطلق عليه اسم »الشأن الاجتماعي« ولكنه تحول بدوره إلى »أولوية« لم تفعل سوى زيادة أسنان المشط سناً. كان هذا في الاقتصاد. أما في السياسة فإنه من الصعب الموافقة على هذه العناوين التي يطرحها علينا المسؤولون والتي تشبه جدول أعمال مجلس الوزراء: الموافقة على سفر موظف وتخصيص مليار دولار للمشاريع الواردة! برج بابل. إن هذه الطفرة هي النقيض للحيوية السياسية. وهي مؤشر على أن هناك مَن يتلهّى بالملفات خالطاً ما يعتبره هماً خاصاً وما هو هم وطني. يحتاج البلد إلى ترتيب في الأولويات. إلى بوصلة. إلى طرح قضايا وإنضاجها وحسمها. إلى برمجة. إلى روزنامة. إلى ربط ما يقذفه المسؤولون باستحقاقات معروفة... يحتاج، في الحقيقة، إلى طبقة سياسية حاكمة جديرة بهذا الإسم. جوزيف سماحة