As Safir Logo
المصدر:

كتب.»الدين والدولة وتطبيق الشريعة«لمحمد عابد الجابري توفيقي في بناء موقع ثالث مثير للأسئلة

المؤلف: عبد اللطيف كمال التاريخ: 1997-01-03 رقم العدد:7584

الكتاب: الدين والدولة وتطبيق الشريعة. المؤلف: محمد عابد الجابري. الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1996. يندرج كتاب »الدين والدولة وتطبيق الشريعة« للأستاذ محمد عابد الجابري، ضمن أفق فكري عام، يتعلق بالنسبة إلى المؤلف، بتوضيح وجهة نظره في القضايا الكبرى التي تضمنها مشروعه في »نقد العقل العربي«. خصوصاً في جزئه الثالث الخاص بالعقل السياسي العربي. يتناول الباحث في هذا الكتاب الأخير، قضايا الدين والدولة في التجربة التاريخية الإسلامية، وفي التاريخ العربي المعاصر، انطلاقاً من معالجة نظرية تستدعي التاريخ للتدليل والمحاججة، وتخوض في جدل الأفكار، في علاقتها بمختلف المستويات التي تؤطر وجودها، وتساهم في تحويل دلالاتها ومعانيها. من الصعب أن يفهم محتوى هذا النص بدقة، من دون معرفة مشروع صاحبه ككل، وذلك رغم أن مادته مكتوبة بكثير من الوضوح، ورغم أن المؤلف كتب لفصول كتابه مقدمة هامة، تجيب عن الأسئلة الكبرى، التي يمكن أن تتبادر إلى ذهن القارئ أثناء القراءة أو بعدها. يتضمن الكتاب مقدمة عنوانها: »ضرورة المرجعية المنفتحة«، ثم قسمين كبيرين، الأول عنوانه: مسألة الدين والدولة، وهو يعالج علاقة الدين بالدولة في المرجعية التراثية، وفي مرجعية خطاب النهضة العربية، والثاني يتعرض لمسألة تطبيق الشريعة، ويثير قضايا سجالية، تتعلق بموضوع التجديد والاجتهاد، ومواقف تيارات الإسلام السياسي، من أسئلة التجديد الإسلامي المعاصر. وباستثناء مقدمة الكتاب، التي يقوم فيها الكاتب ببناء تصوره للمرجعية المناسبة، لتجديد الفكر السياسي، في الفكر العربي المعاصر، فإن متن الكتاب سبق أن نشر مسلسلاً في إحدى الدوريات العربية، قبل ما يزيد على ست سنوات، وأعاد الكاتب نشره في كتابه »وجهة نظر، نحو إعادة بناء قضايا الفكر العربي« سنة 1992. وقد لا نجانب الصواب،إذا ما اعتبرنا أن الإشكالات المحللة في أقسام هذا الكتاب. تعد قضايا الساعة في الخطاب السياسي العربي، وذلك رغم قدمها النسبي، حيث نشر بعضها منذ عقد من الزمان. إن محتواها يتمتع براهنية تكشف عن قدرة الكاتب على حدس المتغيرات الجارية، ومواكبتها بالتفكير الرامي إلى تحليل أبعادها، وفهم المرامي التي تتجه لإصابتها وبلوغها. ونظراً إلى أن محتوى الكتاب، قد تم تداول متنه بأكثر من صورة، في الدورية التي نشر فيها متسلسلاً، ثم في الكتاب الجامع، وفي هذا الكتاب الأخير، المخصص بمحاور بعينها، فإننا سنحاول في هذا التقديم، إثارة مجموعة من الأسئلة، التي تتيح لنا مراجعة بعض مواقف وأحكام المؤلف، خصوصاً وأنه يؤكد في مقدمة الكتاب، وفي سياق تحليل ومناقشة موضوعاته، أن نتائجه مفتوحة، وأنه يتوخى المساهمة في تعميق النظر، في الإشكالات الكبرى في الإيديولوجيا العربية المعاصرة. مرجعية في المقدمة التي يوضح فيها الباحث والمفكر، حدود ومفاصل المرجعية الناظمة لمشروعه، في بناء المشروع السياسي العربي، يتحدث عن مرتكزين اثنين، عمل الصحابة، ومبادئ الحضارة المعاصرة. تزاوج هذه المرجعية بين دائرتين تاريخيتين متباعدتين: الذات في تاريخيتها، المقرونة بثورة الإسلام الأول، والحضارة الغربية، في صيرورتها المؤسسة لمشروع في الفكر والتاريخ، متجاوز لكثير من مقدمات المشروع الديني. ولا يرى الكاتب أي حرج في الدفاع عن هذه المرجعية المزدوجة والمفتوحة، بل انه ما يفتأ يعمل على توضيحها في أغلب مصنفاته. في كتابه الأخير، يستعمل حجة جديدة، تتمثل في قراءته لتجربة الصحابة، وهي تبدع تاريخ الرعيل الأول من المسلمين، قادة ومجتهدين، حيث اعتبر أن روح التجربة تتسم بالنسبية والنظرة التاريخية، وهما المبدآن اللذان يؤسسان في جوانب منهما لأسس الحضارة المعاصرة. ورغم مغامرة الإقدام على حكم من هذا القبيل، في سياق قراءة تأويلية مجتهدة، وموجهة بأسئلة وهواجس الحاضر السياسية، فإن الكاتب يحاول بناء حكمه عن طريق الاستدلال بأعمال الصحابة والخلفاء الراشدين، وخصوصاً عمر. إلا أن هذا الحكم يثير اعتراضات متعددة، أنه يعيدنا من جهة، إلى ما يعرف في الأدبيات السلفية النهضوية بالإسلام الأول، السابق على ظهور الخلاف، بتعبير محمد عبده، وهو الأمر الذي يترتب عنه منزع سلفي، يشخص في لحظة من الماضي كيفما كانت مشروعاً لإصلاح الحاضر والمستقبل. وهو من جهة ثانية، لا يهتم بمقتضيات السياق التاريخي، ومبادئ الرؤية التاريخية، إضافة إلى ذلك، نلاحظ أن هذا الموقف لا ينسجم تماماً مع المعطيات النقدية القوية التي يبلورها المؤلف، أثناء نقده للمشروع السلفي، ولخطاب الصحوة الإسلامية، والإسلام السياسي. فقد تضمنت المحاولات المتعلقة بالموضوعات الآنف ذكرها، نقداً يتناقض تماماً مع الدعوة إلى مرجعية »عمل الصحابة«، حيث أوضح الباحث، بعبارة قوية وصريحة، أن »التجربة التاريخية للأمة العربية، تجربتها الراهنة مع الحضارة المعاصرة، لا يكفي فيها استلهام نموذج »السلف الصالح« وحده. فهذا النموذج إنما كان نموذجاً كافياً لنا، يوم كان التاريخ هو تاريخنا، يوم كان العالم كله »يقع في عقر دارنا«. مراوحة وعلى الشاكلة نفسها نعثر في الكتاب على محاولات سجالية، ذات طابع توفيقي بارز، فالكاتب يتحدث عن خصوصية التجربة العربية، في مسألة علاقة الدولة بالدين، ويصل به الأمر في هذا الباب، إلى رفض العلمانية، رغم حدة نقده في الوقت نفسه، لمبادئ الإسلام السياسي، كما تبلوره الحركات الإسلامية المعاصرة. وعندما يجتهد أثناء إعادة بنائه لمبادئ التجربة الإسلامية، فإنه يتحدث عن الشورى والمسؤولية والدراية البشرية بشؤون التاريخ، وهي مبادئ يقرنها بمبادئ الحضارة الغربية المعاصرة، حيث تصبح الشورى ديموقراطية، والمسؤولية توزيعاً غير مستبد للسلطة، وهو الأمر الذي يتنافى مع معطيات التاريخ الفعلي في التجربة التاريخية الإسلامية، كما يتنافى واجتهاداته السابقة، في الموضوعات نفسها، حيث حلل بكثير من العمق النظري، الفوارق والاختلافات القائمة، بين الممارسة الشورية والمشروع الديموقراطي، كما تأسس في سياق الحضارة الغربية. إن الطابع السجالي الموجه بهواجس سياسية راهنة، يدفع الكاتب الى بناء أحكام وأطروحات، بالاعتماد على كثير من الحدس السياسي الآني، لمجابهة أسئلة قائمة، ومعارك مرتقبة، ومن هنا تختلط في كتابته مواقف ومواقع، تشير إلى تداخل مستويات الكتابة، خدمة لأهداف ومرام محددة. لكن إلى أي حد تساهم هذه الكتابة في بناء النظر المؤصل والمجتهد؟ وإلى أي حد تساهم في مواجهة المعارك القائمة، في الفضاء السياسي العربي الإسلامي؟ إن مفكراً من قبيل الدكتور محمد عابد الجابري، وهو صاحب أطروحة لها شأنها في مجال نقد العقل العربي، يراوح الخطو، وهو يمارس عمليات تفكيك نقدية للخطابات الإسلامية، وخطابات الحداثة (نقده للعلمانية)، حيث يعمل على بناء موقع ثالث، لكنه موقع يثير كثيراً من الأسئلة. فالكاتب يدعو إلى ضرورة الاستفادة من مقدمات الحداثة الغربية، وهو في الوقت نفسه لا يرى أي حرج في الجمع بين المقدمات المذكورة، وبعض مبادئ التجربة التاريخية للأمة العربية. وإذا كنا نستطيع القول بأن هذا الكتاب بالذات يتضمن كثيراً من النقد الجذري للإسلام السياسي، ومفهوم الصحوة الإسلامية، وذلك عند مقارنته بمقدمات ونتائج أبحاث وكتب أخرى للمؤلف، فإن نقده العنيف أيضاً للعلمانية، ودفاعه عن خصوصية التجربة التاريخية للأمة الإسلامية، في موضوع الإسلام، وعلاقة الدولة بالدين، يجعل خطابه غير متماسك نظرياً، رغم بعض فوائده العملية، في مستوى الصراع الفعلي القائم في الواقع، بين تيارات الفكر العربي المعاصر. (*) كاتب وجامعي من المغرب

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة