لوحات نحاسبة تراها مثبتة عادة على مدخل البيت وقد كتب عليها: »هنا عاش فلان الفلاني« الرسام او الاديب او الممثل او الشخصية الوطنية »ولد عام كذا وتوفى عام كذا«. هذه اللوحات كثيرا ما نصادفها في اغلب شوارع المدن والقرى في بلد مثل فرنسا او بريطانيا او اميركا الخ. هذه اللوحات التي تسمى تذكارية، معلَم مهم من معالم السياحة الثقافية الوطنية في اي بلد من البلدان المتقدمة، وكثيرا ما تجد صفوفا طويلة من السياح منتظرين امام بيت المسرحي راسين او الآخر موليير او امام منزل مارلين مونرو، او ديغول او الشاعر الكبير ريلكه او الرسام تولوز لوتريك... الخ ينتظرون دورهم للدخول والتواجد بين الجدران الأربعة التي كان الوحي ينزل فيها على أحد هؤلاء او التي كانت تتخذ بين جنباتها القرارات التاريخية. »بيوت لا تُنسى... فكيف؟!« هي سلسلة في حلقات تنشرها »السفير« اسبوعيا، تتفقد فيها بيوت أعلامنا ومشاهيرنا وشخصياتنا الوطنية، لتطلع على حال المنزل اذا كان لا يزال موجودا او لاستقصاء صورته في ذاكرة من لا يزالون يذكرونه، أرشيفا هاما وقطعة من ذاكرة وطنية لنا الحق بها. وبعد ان زرنا منزل شوشو، والياس ابو شبكة وسعيد تقي الدين، وعمر الزعني، نزور اليوم منزل الاديبة الراحلة مي زيادة في مسقط رأسها شحتول، هذه الاديبة التي تذكّر سيرة حياتها ومصيرها بمصير النحاتة الفرنسية المعاصرة لمي زيادة كامي كلوديل والتي انهت حياتها حبيسة دير مستشفى للاعصاب في اوائل القرن بفرنسا.لا تزال قضية ارسال الاديبة اللبنانية الاشهر في عصرها مي زيادة الى مصح العصفورية في آخر سني حياتها، موضع اخذ ورد في عائلتها التي بقي الكثيرون منها في شحتول، القرية المحتفظة بقرويتها في جرود كسروان. وتستشف من خلال التعليقات، وطريقة قص الخبر عليك، وتدخلات افراد العائلة المختلفين، الذين عايشت قلة منهم نهاية حياتها، ان الموضوع لم يقفل بعد، بسبب شعور خفي بالذنب، مع انهم، اي المتبقين من العائلة لا دخل لهم في القرار الذي اتخذه آباؤهم واجدادهم. هذا الشعور المتوارث بالذنب لم يمنع ورثة مي زيادة وحيدة بعد وفاة اخ طفل لها من »نفض« المنزل المطبوع بشبح هذه المرأة القوية الشخصية، الموهوبة والطليعية. المنزل مواجِه لبيت المختار الذي هو في الحقيقة ابن عم الاديبة الراحلة عام 1941 عن خمس وخمسين عاما في القاهرة (والتي دفنت هناك في »حجرتها الخاصة« التي اشترتها في المدافن المارونية في الزمالك) يرتقى إليه بأحد سلمين حجريين، او على الاصح كانا حجريين قبل ان ينزع الحجر ويوضع مكانه الباطون. وعند سؤالنا للكنّة ايفون صفير زوجة البير زيادة احد ابناء العمومه عن سبب الغاء السلم الحجري الجميل، قالت: »احببنا ان نعمل شيئا نظيفا«! ترتقي السلم الباطوني الى باحة المنزل وعلى جانبي السلم شجرتا جوز عتيقتان. يتوسط المنزل الذي لا زال يحتفظ بحجارته البيضاء جلّ تناثرت فيه اشجار التين وكروم العنب على طريقة الارض الزراعية في الجرود التي تشبه الدرج الكبير المتدرج حتى أعلى الجبل. تدخل من الباب الرئيسي لتواجهك صورة مكبرة عن صورة جريدة للاديبة الراحلة امام البيانو خاصتها، صورة قام بتكبيرها احد ابناء العمومة جوزيف، فنان آخر درس الرسم والتصوير ولا يزال يترحم على الستوديو خاصته الذي كان في ساحة البرج وطبقت شهرته الآفاق العربية والذي اخذته منه السوليدير. نسأل جوزيف صورا اخرى للاديبة فيقول انه لا يملك الكثير ذلك ان كل من اتى واخذ صورة لم يرجعها مما اضطره لتكبير هذه الصورة التي رآها في جريدة. نسأل ماري سميّتها ذلك ان اسم مي الاساسي هو ماري اختصرته فيما بعد ابنة العم ان تقف الى جانب الصورة لنلتقط لها صورة، فتقول بطيبتها القروية: »قديش في فرق بيني وبينها. يا حرام ماتت صبية مرضت من كثر العلم والذكا. وكانت وحيدة ومش مجوّزة. كانت تحب واحدا بالكتيبة (المراسلة) وكان عندها ذوق بالبيانو«. نسأل جوزيف، ونحن نجلس في صالون مي زيادة الذي صار اثرا بعد عين بعد تبليط الارضية والطرش واعادة تقسيم المنزل ان يستعيد بذاكرته لنا وصف المنزل القديم، فيقول وهو يتكئ الى عصاه: »هذا بيتها، اكيد كان بشكل ثاني، كان السقف مصنوعا من القلد (جذوع الشجر) على طريقة كانوا يسمونها دفة ومسمار، ويضعون فوقه ترابا ثم يحدلوه بالمحدلة. وكان بيتا كبيرا يسمى لكبره »حارة« لانه كان قائما على عشرة عواميد. البيت العادي على اربعة اعمدة او ستة اعمدة كحد اقصى. كانوا يقيمون كبر البيت بعدد الاعمدة. اما الارضية فكانت من »الدلغان« وهي ترابة زرقاء او صفراء، وكان قسم الصالون متقن الصنع بجهته البحرية والشرقية، مشغولا بالكلس على طريقة الرخام اليوم، والباقي من الباطون ومعه ترابة حوّارة يعني زرقاء وصفراء«. نسأل ابن العم ان لم يكن من الممكن المحافظة على هذه الارضية، فيرد وهو يهز برأسه علامة اليأس: »كيف بدنا نحافظ عليها، شي مزيبق وشي مقبع وطالع ونازل... تقنياً لا يحفظ والكلس كذلك وكانوا يمزجون الكلس بالرمل ثم، »يدقوه يدقوه ويحدلوه بالمحدلة« لو اهملنا المنزل سنة اخرى او سنتين على الاكثر لانهار و»طبّق« على بعضه. كان اكبر من المنزل الحالي وتحته قبو. لم يكن مقسّما الى غرف، مثل كل البيوت القديمة كانوا يقطعوه من هنا الى الخلف (يشير الى آخر المنزل) لكي يضعوا المؤونة، وهنا كانوا يعملون صالونا. وكانت في الصالون كنبايات (مقاعد) نسميها دواوين وعليها »شغل« بالابره الدقيقة، ثم تخت للضيف، عندما كان يأتي والد مي كان ينام عليه، ومي كانت تنام عليه، كان من النحاس الجميل المتقن وعليه ناموسية، ولم يكن دارجا ان ينام الناس على الأسرة الا في البيوت »المتقونة« (المتقنة) فاذا جاءت شخصية مثل المطران او »حدا مرق« او مدير منطقة، فينزل في هذا المنزل وينام على هذا التخت. تخته مؤمن«. واغراضها؟ اين هي؟ تقول ايفون: »انا لا اعرفها انا مجرد كنّة، لكنني اسمع ان اهلها سلموا المكتبة ومؤلفاتها الى المطران زيادة الذي سلمها الى مطبعة نوفل، وكلما طبع نوفل طبعة جديدة يرسل حقوق المؤلف الى اولاد عمومتها البير وجوزيف وجان »سلفي« والى »سلفتي« نزهة وهي ابنة عمها ايضا، وقد ظهرت صورتها بأحد كتب مي وهي التي تحكي لنا كيف مرضت ولم تكن تدع احدا يدخل اليها إلا نزهه. ولقد ورثت نزهة اسوارة »الماظ« (الماس) واعطتها لابنتها ايزيس، التي أسمتها مي كذلك«. يتدخل جوزيف: »كانت تكتب باسم مي لأنه عندما بدأت بالكتابة جاء كثيرون الى قريبنا وله ابنه اسمها ماري يهنؤنه بهذه البنت المهمة فاستاءت مي »انو هي بتكتب وغيرها بيهنّوه« فاختصرت اسمها الى اول وآخر حرف، وكانت تكتب احيانا بمس ايزيس كوبا«.. نقول له ان اسم ايزيس هو اسم اله فرعوني مصري، فيهز رأسه هز العارف بالامور قائلا: »ايه ايزيس كوبيا اسم الهة مصرية. واغراضها »مطيشرين« شو كان عندها؟ التخت الذي عمره 200 سنة لأبيها اما اغراضها التي كانت في مصر فموجودة في جونية في بيتنا: البيانو ومكنة خياطة سنجر (!!) وهي كانت بالمنزل لأنه في كل بيت كانت هناك مكنة خياطة لكنها في بيت مي كانت »على الأجر« وليس على اليد، والبيانو الماني. عندها ايضا »صيغة محرزة كتير« محفوظة لكن موزعة هنا وهناك بين بنات العائلة«. يقول البير: »حاولنا ان نأتي برفاتها من مصر، الا انها توفيت على الجنسية المصرية، ولدى موتها تألفت لجنة من ادباء وصحافيين ومحامين، وصرف لنا الرئيس شهاب مبلغا من المال لمصاريف نقل الرفات الا ان الحكومة المصرية لم تقبل بذلك، وكانت لها ايضا اسهم هناك في شركة الترابة ورثتها الدولة المصرية لانها من دون ورثة مصريين اما الممتلكات المنقولة، فلقد تولّينا عليها نحن. ولقد زرت مصر عدة مرات بمراهقتي لكنني لم التق بها شخصيا، كنت انزل عند اولاد عمي، وكانت هي في قصرها الخاص، واولاد عمي كانوا في بيوتهم. ولقد شاعت اخبار انها جُنّت فجاؤوا بها الى لبنان«. نسأله لماذا برأيه جُنّت؟ فيقول: »لانو يمكن عندها عقدة نفسية لشيء من الاشياء، في سبيل علاقة مع جبران خليل جبران، كانت العلاقات بالمراسلة، فأتوا بها الى هنا وعملوا لها لجنة اطباء قررت انه يلزمها راحة جسدية«. تصحح ايفون: »انهيار عصبي فقط لم تجن«.. يتابع البير: »اخذوا لها جناحا بالعصفورية على اساس انها منطقة نقية الهواء، وعملت عند خروجها من العصفورية محاضرة في الوست هول بالاميركية، بعدها ب15 يوم سافرت على مصر. وهناك مرضت فوضعوها في مستشفى ثم توفيت. بأي مرض نسأل البير، يرد: »عمرها خلص«. نسأل الأقارب: »هل تفاوضتم مع الدولة من اجل تحويل البيت الى متحف او للحفاظ على سنديانة المعيصرة التي كانت تقرأ وتكتب تحتها، او تجميع اغراضها في معرض..« يقول جوزيف: »فكّرنا ان نعمل لها صالوناً في المنزل نعرض فيه اغراضها ومؤلفاتها ونسمّيه صالون مي، لم نقدر على ذلك وكانت لا تزال على قيد الحياة عام 1939، ثم كانت الحرب الكونية الثانية، بعدها جاءت الانتخابات (!!) وجاءت كذا حكومة لم تكن من »يمّنا« (اي من جهتنا) اصبحنا معارضين لأن مرشحينا لم يكن لديهم نصيب بالدولة. اليوم الاستاذ كميل زيادة ربح الانتخابات فلننتظر ونرى ماذا سيكون المردود. على كل حال اذا الدولة لم تنتفع لا تعمل، ويجب ان يحكي الوزير المختص بالموضوع، وزير تربية او وزير »نهضة«.. او وزير ثقافة. وقتها لم يكن ميشال اده وزيرا، ربما سعى اليوم للاهتمام بمي مثلما اهتموا بالأديب اللبناني داود بركات في يحشوش.. او لميخائيل نعيمة. »هيدا اده بيحب يشتغل«.. تحقيق: ضحى شمس