As Safir Logo
المصدر:

وهم النخبة أو نقد المثقف(راجعه بول طبر)

المؤلف: حرب علي التاريخ: 1996-12-27 رقم العدد:7579

عندما تنتهي من قراءة كتاب علي حرب الأخير(1)، يستوقفك مجدداً أسلوبه الجميل والشفاف في كتابة النص الفلسفي. كما أنك تضطر إلى رفع قبعتك، كما يقول المثل الإنكليزي، احتراماً لمقدرته على تطبيق المنهج التفكيكي في نقده لمقولات مركزية في الفكر العربي الحديث. إلا أن أهمية كتاب حرب لا تقف عند حدود التنويه بخصائص أسلوبه في الكتابة واستثماره الموفق لمنهج التفكيك في تعاطيه مع ظاهرة المثقف، ولا سيما المثقف العربي وفكره في المجتمعات العربية المعاصرة. فالمنهج التفكيكي الذي يستخدمه يؤدي بالقارئ الى التركيز الأحادي الجانب على إشكالية المعرفة، بما هي وسيلة لفهم العالم الخارجي وتمثله. الفكر، حسب ما يذهب إليه حرب، قاصر عن كل أشكال التطابق مع العالم الموضوعي. وعندما يتكلم الفكر على الحقائق والمعطيات فإنه لا يفعل بذلك سوى الإشارة إلى الحقائق والمعطيات التي ينتجها بذاته. إضافة الى ذلك، يدعو حرب إلى التخلي عن الطريقة اللاهوتية في التعاطي مع الأفكار والنظريات. فإلى جانب قصور الفكر أنطولوجياً عن معرفة العالم الخارجي، يؤكد حرب، عن وجه حق، أن تمسك المفكرين بنظرياتهم بصورة عمياء يصل بهم إلى إهمال ما هو جديد وإلى تحول نظرياتهم الى مجموعة مفاهيم جامدة لا تنتج وعياً جديداً. من هنا يحث الكاتب المثقفين على التعاطي مع نظرياتهم بصورة نقدية أي مفتوحة على تجاوز القديم أو إعادة تأويله بحيث تتولد مفاهيم جديدة وتتفتح آفاق لم تكن موجودة من قبل. بالطبع إن التعاطي النقدي مع الأفكار والنظريات من قبل المثقفين يجب، وفق منظور حرب، أن يكون مقروناً بتفكيك النص. والتفكيك عنده يقوم أساساً على تناول النص من مداخل المسكوت عنه والمبتعد والمهمَّش أي من مدخل »الممتنع« عن التفكير حسب منطوق النص. كمن يقول مثلاً إن نقد العقلانية ينبغي أن يتم من زاوية تعريفها لما هو غير عقلاني، أو أن محدودية تعريف خصائص العقل السليم تتكشف عند التنصت على كلام المجانين، أو أن تهافت الخطاب حول الحرية يتجلى عندما نقوم بفحص القيود والمسبقات التي تفرض على ممارسي الحرية. والواضح هنا هو تأثير ميشال فوكو على منهج حرب في الكتابة، ولا سيما في ما يتعلق بمقولته الأساسية حول السلطة والمعرفة. ففوكو ينحو منحىً نتشوياً عندما يؤكد أن المعرفة ليست أداة وعي حيادية تتوجه أساساً لتتطابق والواقع الخارجي، بل هي استراتيجية سلطوية تتوسل المفاهيم والثنائيات الفكرية لتمارس سلطتها على عقول البشر وأجسادهم. من هنا مسعى حرب الدائم إلى تفكيك الأفكار والثنائيات المفهومية بصفتها استراتيجيات تسلط تحجب بقدر ما تكشف وتستبعد بقدر ما تتضمن وتشتمل. أكتفي هنا بهذه المقدمة الوجيزة عن المنطلقات الفكرية لكتاب حرب، لأنتقل إلى موضوع الكتاب الأساسي وهو المثقف و»أوهامه« على حد تعبير الكاتب. مشاريع سلطوية إن فشل المثقفين في المهام التي انتدبوا أنفسهم لتحقيقها وهامشيتهم في المجتمع الذي يعيشون فيه، ولا سيما المجتمعات العربية، ان ذلك هو شاهد على تحجر الأفكار والنظريات التي ينتحلونها ومؤشر على الأزمة التي يعانون منها. والحل، في نظر حرب، لا يكمن في الدفاع المميت عن النظريات اليابسة لأن ذلك يحولهم الى »حراس أفكار«. إن هذه الخطوة هي أقصر الطرق إلى تعميق أزمة المثقف واستبعاده عن دائرة الفعل في المجتمع الذي يوجد فيه. وفي مجرى سعيه إلى حل هذه الأزمة، يطالب الكاتب بفحص الأسس الفكرية وإخضاع المسلّمات التي تقوم عليها نظريات المثقفين للنقد. وتصل به هذه المطالبة إلى طرح الجذر الفلسفي لنتاج المثقفين، هذا الجذر الذي يتمثل »بالعلاقة المركبة بين الذات والفكر والحقيقة«. فبتغيير الأفكار تتبدل الحقيقة وتتحول الذات المفكرة ما دام هذان العنصران يتحددان أساساً بالبنية الفكرية التي ينتحلها المثقف. لكن نقد الأسس والمسلمات على طريقة حرب لا يجري مجرى تعميق فهمنا للواقع، بل يقوم على المطالبة بتجاوز ثنائية السلطة والمثقف. هذه الثنائية التي تضع المثقف على طرفي نقيض مع السلطة بوصفه يحمل قيماً وأفكاراً مضادة للسلطة تستهدف تحرير الإنسان من جميع صنوف التسلط والاستبداد. يرى حرب أن هذه النظرة إلى أفكار المثقفين ونظرياتهم، تقوم أساساً على فرضية تنويرية خاطئة مفادها أن المعرفة هي وسيلة تنوير وتحرير. إن هذه الفرضية واهمة لأن المعرفة، وفق رؤية الكاتب، هي علاقات سلطوية، وإنما بوسائل رمزية. إذاً لا تناقض بين هذا التشخيص للمثقف وأفكاره من جهة، والسلطة وأجهزتها من جهة أخرى، فكلاهما مشاريع سلطوية تتنافس للسيطرة على المجتمع ولكن بوسائل متمايزة. على هذا المستوى من التحليل، لا فارق عند حرب بين مثقف السلطة ومثقف المعارضة لأنهما متشابهان من حيث انتحال كل واحد منهما لمشروع سلطوي (ص 40 و41). هذا التشخيص للمثقف وأفكاره يؤدي بنا منطقياً إلى رفض ثنائية المثقف والسلطة ووضعهما في سلة واحدة. فهل يهدف حرب الى تفكيك مقولة المثقف وإعلان موته؟ ليكن تلمس الجواب عن هذا السؤال مناسبة للعودة إلى تفحص الأوهام التي ينسبها الكاتب إلى المثقف. وهم النخبة »أعني بهذا الوهم«، يقول حرب »سعي المثقف إلى تنصيب نفسه وصياً على الحرية والثورة، أو رسولاً للحقيقة والهداية، أو قائداً للمجتمع والأمة« (ص 80). والمشكلة في هذا التحديد الذاتي للمثقف هي النخبوية التي تدفع بالمثقف إلى الاعتقاد بأنه طليعة الأمة، أو عقل المجتمع وضميره. لا شك في صوابية هذه الدعوة خصوصاً في المجتمعات العربية حيث علاقات الاستبداد لا تزال مبثوثة في ثناياه وتضاعيفه. واللافت في تحليل حرب هو كشفه لهذه العلاقات، على طريقة فوكو، في ما يتعلق بالمثقف ونظرته إلى نفسه والآخرين. ولكن لا بد من تحذير الكاتب من النزعة الشخصانية في دعوته هذه التي لا تقيم وزناً للشروط الاجتماعية المعقدة والمعيقة لاتخاذ القرار في التخلي عن »وهم النخبة«. وإسقاط الشروط المادية في تناول نخبوية المثقف ليس سهواً كان قد اقترفه حرب، وإنما هو نتيجة منطقية تترتب على المسلّمات والقبْليات التي ينطلق منها الكاتب، كما يحلو له أن يقول. فحصر المشكلة لدى المثقف بالأفكار التي ينتحلها وبعلاقته الدفاعية عنها تحت جميع الظروف، هو ما يؤدي حكماً إلى نفي تأثير العوامل المادية. إن فقدان الوجود المادي لأي اعتبار في تحليل الكاتب لظاهرة المثقف يتجلى في كثير من المواضيع من كتابه، نسوق منها ما يلي: »ان مشكلة المثقف، بعد كل ما جرى من كوارث وانهيارات، لم تعد مع الواقع، ولا مع الدول والأنظمة، بل هي مع أفكاره بالدرجة الأولى. إنها تكمن، بالتحديد، في طرائقه العقيمة أو الفاشلة في التعامل مع الحقيقة التي يدّعي النطق بها، أو مع الحرية التي ينادي بها، أو مع الشرعية التي يسعى إلى احتكارها« (ص 58). وفي مكان آخر يقول: »وهكذا يجد المثقف نفسه اليوم أشبه بالمحاصر. وليس السبب في ذلك محاصرة الأنظمة له، ولا حملات الحركات الأصولية عليه (كما لو أن اغتيال فرج فودة ومهدي عامل وحسين مروة، أو طعن نجيب محفوظ وتهديد نصر حامد أبو زيد بالقتل لا وزن له في إنتاج المجتمعات العربية المعاصرة)، كما يتوهم بعض المثقفين. بالعكس؛ ما يفسر وضعية الحصار هو نرجسية المثقف وتعامله مع نفسه على نحو نخبوي اصطفائي، أي اعتقاده بأنه يمثل عقل الأمة أو ضمير المجتمع أو حارس الوعي« (ص 80). قبل الغوص في الجذر الفلسفي لتحليلات حرب حول المثقف ومهامه، دعونا نتابع طرح الأوهام المتبقية على بساط النقد. وهم الحرية يتمثل نقد الكاتب لوهم الحرية بمطالبته المثقف بأن يقلع عن عادته في الدفاع عن الحرية عوض أن يعيد النظر بهذا المفهوم على ضوء التطورات الاجتماعية والكشوفات الجديدة. فمهمة المفكر الأساسية هي إنتاج المفاهيم المجردة. بذلك، يضيف حرب، يسعى المفكر إلى التحرر من امبريالية المفاهيم والمعتقدات ويزيل كل الحواجز التي تعيقه عن استعمال فكره »بصورة مثمرة فعالة«. إنها دعوة إلى تفعيل النشاط الفكري للمثقف من دون أن أرى الرابط بين هذه الدعوة واعتبار الدفاع عن الحرية هو بمثابة الدفاع عن الوهم. أوَليس تعميق الوعي بقضية الحرية ومعيقات تحققها في المجتمعات المعاصرة هو المدخل الضروري للدفاع عن الحرية بنجاح وفاعلية أكبر؟ وهذا بالذات ما يطالب به الكاتب عندما يكتب أنه ينبغي على المثقف أن »يعيد النظر في مفهوم الحرية في ضوء رغبة الإنسان الأصلية (!؟) في السيطرة والنفوذ، أو سعيه الدائب إلى نيل الحظوة والامتياز. بذلك يعاد إنتاج مفهوم الحرية على نحو يغني معرفتنا بالمجتمع والسلطة والحرية، بقدر ما يجعلنا أقدر على الحد من سيطرتنا بعضنا على بعض« (ص 82). إن هذه الدعوة تتناقض بالكامل مع تحديد الكاتب ل»وهم الحرية«، إذ يقول: »وأعني بهذا الوهم اعتقاد المثقف أن بإمكانه تحرير المجتمعات والشعوب من أشكال التبعية والهيمنة أو من شروط التخلف والفقر« (ص 81). من جهة يطالب الكاتب بإعادة تعريف الحرية بهدف تعميق »معرفتنا بالمجتمع والسلطة والحرية«، للحد من سيطرة الإنسان على أخيه الإنسان، ومن جهة ثانية، يقر الكاتب بصريح العبارة بأن هذا السعي هو وهم يجب على المثقف أن يتخلص منه. مما لا ريب فيه أن هذا التناقض واضح في كلام حرب، إلا أن تحليل الكاتب لوهم الحرية ينحو منحى يتجاوز هذا التناقض من دون الإقرار الصريح به. وهم الهوية كان الأجدى بحرب أن ينتقد هذا الوهم من مدخل تقديم انتساب المثقف على أنه هوية عالمية أو عمومية في الوقت الذي تكون فيه غالباً هوية خاصة تحمل من المصالح الفئوية ما يجعلها عنصر إعاقة وتخلف في المجتمعات التي تنتشر فيها. لكن هدف حرب في نقده لوهم الهوية هو في الخروج على جميع المفاهيم الانتسابية والدخول في المجال الفكري أو عالم الأفكار! وليس عبثاً أن لا يعثر القارئ لكتاب حرب على تعريف إيجابي لعالم الأفكار الذي يقصد الدخول إليه. فهو يحدده سلباً أي يصفه بأنه عالم لا »يحرس« الأفكار ولا يعترف بالهويات الثابتة والماورائية (إسلامي أو عروبي أو حداثي أو اشتراكي الخ). ويضيف انه عالم أفلاطون وابن سينا وابن عربي وديكارت وهيغل وابن خلدون وبيار بورديو، »فهؤلاء وسواهم قد اخترقوا أو هم يخترقون الحواجز بين اللغات والأقوام والعقائد والقارات، بقوة أفكارهم الخارقة، لا بهواماتهم حول الحرية والهوية، ولا بأطيافهم حول أدوارهم الرسولية ومهامهم الطليعية« (ص 90). بذلك يتبادر إلى ذهن القارئ السؤال عن ماهية الأفكار التي يصفها الكاتب ب»الخارقة«؟ والجواب عن هذا السؤال يدفعنا حتماً إلى تحديد الأفكار الخاصة بكل مفكر وبطرق استثمارها للدفاع عن الطروحات الأساسية التي أنتجها. ولذلك يتساءل المرء: هل يجوز أن نتهم هؤلاء المفكرين بأنهم حراس لأفكارهم نتيجة لمساهماتهم الفكرية؟! وهم الحداثة كما وهم الهوية، كذلك وهم الحداثة. إذ إن المطلوب وفق منطق حرب هو عدم تعاطي المثقف مع الحداثة كنموذج جاهز يجب تطبيقه بحذافيره في المجتمعات العربية، بل ينبغي المشاركة في إنتاجها. »والطريقة الأصولية النموذجية في التعامل مع الحداثة، وأعني بها عبادة الأصول وتأليه النماذج أو تقديس الأفكار، من قبل الحدثيين، هي التي تفسر ما لاقته مشاريع التحديث من التراجع أو التشوّه أو الفشل، وليس تصدّي القوى التقليدية والمحافظة لتلك المشاريع على ما يتوهم بعض المثقفين العرب. بكلام أصرح: إن تعثر العقلانية وتراجع الاستنارة وفشل العلمانية، كل ذلك إنما مرده أن أصحاب الشعارات الحديثة قد تعاملوا مع علمانيتهم بصورة لاهوتية، وتعلقوا بالعقل على نحو أسطوري وتعاطوا مع عصر التنوير بطريقة تقليدية، أصولية وغير تنويرية« (ص 94). إن المشاركة في إنتاج الحداثة تعني التعاطي النقدي/ التفكيكي معها ومع الأفكار الملازمة لها كالديموقراطية والعلمانية والتقدم الخ... أي التعاطي مع هذه المفاهيم من زاوية المسكوت عنه، إذ إن تحديد المفاهيم هو في الوقت نفسه ممارسة الحجب والتمويه و»تحويل التاريخي والنسبي والمشروط إلى ما ورائي أو مطلق أو متعال«. أيجوز أن نستدل من هذا الكلام أن كل إنتاج معرفي عمومي هو حكماً إنتاج لمفاهيم ما ورائية أو مطلقة أو متعالية، أو أنه لا يستطيع المثقف أن ينتج مفاهيم تقر بطابعها التاريخي والنسبي والمشروط، برغم عموميتها المؤقتة؟« هذه أسئلة ينبغي الإجابة عنها بوضوح وإلا يسهل على الناقد أن يصف كلام حرب بأنه كلام يريد الشيء ونقيضه معاً. فعلى أساس تفكيك النماذج يطالب حرب، من جهة، بإنتاج حداثتنا، ومن جهة ثانية يستنتج القارئ من تحليله أن المفاهيم التي ستحدد حداثتنا الخاصة هي، كباقي المفاهيم التقريرية، تحجب بقدر ما تكشف وتموه بقدر ما توضح نسبة إلى إطلاقيتها وتعاليها. هكذا تتبين لنا مجدداً التناقضات التي يفرزها المنهج التفكيكي كما هو مطبق في كتاب حرب عن المثقف. الوهم التاريخي يرفض حرب الفكرة القائلة إن التاريخ أو المجتمع يتقدم وأنه يوجد غاية مسبقة تشكل قبلة المسار التاريخي. لا شك بأن هذا المفهوم الزمني للتاريخ يمكن له أن يتجرد ويتحول إلى فعل إيمان يتلى من قبل بعض المثقفين بغض النظر عن الوقائع والتطورات التي تشهدها المجتمعات البشرية. وهذا هو بالضبط ما ينبغي إسقاطه في مقاربتنا للتاريخ من دون أي تردد. أما أن نخلط بين هذه الدعوة واعتبار أن المجتمعات البشرية لا تتقدم بالمطلق، فهذا أمر يستدعي التوقف والتدقيق. أسارع هنا للقول إن الإنسان بحاجة إلى مفهوم للتقدم يتحدد بصورة نسبية وذلك وفقاً للمشاكل أو المعاناة التي يواجهها في زمن ومكان محددين. وهم المطابقة مفاد وهم المطابقة هو »أن الحقيقة جوهر ثابت، سابق على التجربة، متعالٍ على الممارسة، يمكن القبض عليه بواسطة الكلمات، ومن ثم ترجمته في الحياة العملية وعلى أرض الممارسات، من خلال النظم والمؤسسات والتشريعات. إنه وهم المماهاة بين الموجود والمفهوم، ثم بين المفهوم والمقول، وأخيراً بين المقول والمعمول« (ص 90). المفيد في المنهج التفكيكي هو تركيز أصحابه على »نواقص« المفهوم والمقول في علاقتهما بالموجود في معادلة الفكر والواقع، خصوصاً في عصر تم فيه ولا يزال انتهاك الإنسان وحقوقه باسم الحقيقة العلمية والعقل أي بحجة خطاب المطابقة مع الواقع. من هنا دعوة التفكيكيين إلى التعاطي بصورة نقدية وبالريبة مع خطاب العلم والحقيقة والعقل والقيم الأخلاقية. ولكن شتان بين هذه الدعوة وبين القول إنه لا مطابقة على الاطلاق بين الموجود والمفهوم وبين المفهوم والمقول والمقول والمعمول. بموجب هذا القول يصبح الإنسان سلسلة من الإخفاقات اللامتناهية (تذكر مفهوم النقص (Lack) عند لاكان الملازم لدخول الإنسان في عالم الدلالات) من حيث علاقته الأبستمولوجية بالواقع وعلاقة وعيه بالممارسة. إن جواب التفكيكيين على إشكالية تمثل الواقع أدى بهم إلى إعلان موت الأبستمولوجيا والحكم على الإنسان بأنه الأسير الأبدي لعالم الدلالة (Solipsism). ولا غرابة في هذا الاستنتاج عندما نقرأ لحرب ما يلي: »مشكلتنا هي مع أفكارنا لا مع السلطات والأنظمة. وضوح الإشكالية على هذا النحو هو الذي يفسر لنا عجزنا وقصورنا، فكراً وعملاً، نظراً وممارسة« (ص 98). إن حل التناقض بين الفكر والواقع لمصلحة الفكر واعتبار هذا الأخير مصدراً لمختلف المشاكل التي يعاني منها الإنسان عموماً، والمثقف خصوصاً، ومصدراً في الوقت نفسه للحلول التي يطمح إليها المفكر التفكيكي، يثير لدينا شكوكاً حول هذه المقدرة التكوينية والخارقة التي يضفيها حرب على الفكر بما هو كذلك. إليكم حرب يفصح بذاته عن هذه المسألة: »والأفكار تكتسب أهميتها لا من كونها تكشف عن الحقيقة، أو عن الواقع الموضوعي، بل من كونها تسهم في إنتاج الحقائق. فصناعة الأفكار هي في الوقت نفسه صناعة الواقع«. وفي مكان آخر يقول: »فالأحرى القول إن المفاهيم هي أدوات للقراءة، استعارات للمقاربة، أو آليات للتحويل. بكلمة؛ إنها استراتيجيات تغير علاقتنا بالفكر بقدر ما تغير علاقتنا بالواقع والحقيقة. بهذا المعنى يمكن القول إن الأفكار تتشكل بقدر ما تعمل على تشكيل الواقع، وتتغير بقدر ما تنشئ علاقات جديدة مع الأشياء، بحيث يكون هناك، دوماً، قدر من التخيل والابتكار، تخيل العالم وإعادة خلقه عبر النص والخطاب، أو عبر الصورة والمعلومة، أو عبر المؤسسة والأبنية، أو عبر الأداة والتقنية، أو عبر الصناعة والسلعة« (ص 46، 47، 49، 50). إن الطاقة التكوينية التي ينسبها حرب إلى الفكر، على رغم الإقرار بصفته الاستعمارية (نيتشه)، تتجاوز من حيث فاعليتها قوة جميع الضوابط والعلاقات والمؤثرات المادية التي يعيش في وسطها الإنسان المعاصر. ولا غرابة في هذه الحال أن يصل الكلام بمفكر آخر يدعى بودريار إلى حد وصف حرب الخليج بأنها حدث تلفزيوني. إن نقد حرب لأوهام المثقف ينتهي به إلى الدفاع عن صورة المفكر الخالق لنفسه وللعالم من حوله بالاستناد إلى عالمه الفكري لا أكثر. وعندما نفقد المعايير في ممارسة الخلق، يصبح الخلق أو النقد عبثياً. ويتحول من الزاوية النفسية إلى ممارسة عصابية بحيث لا يقدر المفكر على إنشاء علاقة مستقرة مع الواقع الخارجي من حوله.. كان نيتشه يدعو إلى العيش بغرائزنا بصورة ممتلئة (Life - Affirmation) كجواب على إشكالية الحداثة وحل لإشكالية تطابق الفكر مع الواقع. كان ذلك جواباً نوستلجياً على إشكالية الحداثة. أما حرب فدعوته التفكيكية مفتوحة على خلق العالم برغم انتفاء البعد الأبستمولوجي والمعياري لها. مثقف حرب صوفي وتقني وليس وسيطاً في نقاشه المطول للمثقف ودوره في المجتمع، يتجاوز حرب جميع الثنائيات التي تتسم بها ممارسة المثقف الفكرية لمصلحة ثنائية واحدة، ألا وهي ثنائية المثقف مقابل المفكر. المثقف نسبة إلى حرب هو مروّج ومستهلك ومطبق للأفكار، أما المفكر فهو خالق ومولد للأفكار والمفاهيم »بما يؤدي إلى خلق الواقع بالفكرة وعلى صعيد المفهوم. فالواقع لا يتغير ما لم ننسج معه علاقات جديدة، بتغيير أفكارنا حوله، أو بإعادة صوغه على مستوى الفكر، أو بجعله مجالاً للإبداع الفكري«. المثقف هو الوجه الآخر للسياسي، فهو يمارس سلطته من باب المعرفة، أما السياسي فيمارسها من باب القوانين وأجهزة الدولة. المثقف يسعى إلى تطبيق النماذج والأفكار الكبرى، أما المفكر فهو من يحسن »ترجمة الواقع إلى إشكاليات فكرية، أو صوغ العلاقة بالعالم صوغاً مفهوماً، على نحو يمكن استثماره، سياسياً وعملياً، في عقلنة السلطات والقرارات والممارسات، أو صناعة الأحداث والتعامل الفعال مع الواقع«. المثقف قائد الأمة والمجتمع، بينما المفكر: »عميل لا غنى عنه بين الواقع والقرار، أو بين المعرفة والسلطة، أو بين المعنى والقوة. إنه يتوسط بين الدولة والمجتمع الأهلي، لكي يسهم في الحؤول دون طغيان المجتمع بقواه وطوائفه على الدولة والمجال العمومي..«. ويحد المفكر من الاستبداد والطغيان بقدر ما يكون »منتجاً وخلاقاً في مجاله الخاص، أي مجال الفكر وعالم المعنى وصناعة الكلمة« (ص 128، 131، 132). للوهلة الأولى يبدو الكاتب قد رمّم المهمة الرسولية للمفكر بعدما كان قد أنكرها على المثقف. لكن رسولية المفكر محصورة من حيث الوسائل والأهداف: أما الوسائل فهي الأفكار والنص والمقول بما هي إرجاء مستديم للمعنى، وأما الأهداف فهي التحرر من »أمبريالية« المفاهيم والثنائيات كجزء من خطاب الهوية والمطابقة. إن الجذر الفلسفي لثنائية المثقف/ المفكر هو الخروج النهائي من إشكالية المعرفة عن طريق تجاوز العلاقة الأبستمولوجية بين الفكر والواقع. هكذا تنقلب المعادلة بين الفكر والواقع الخارجي، فيصبح المفكر ذلك الكائن المتصوف الذي يتماهى والفكرة الأكبر الله فينسب الى ذاته المقدرة الخارقة على توليد أو تبديد المعنى وخلق أو إفناء العالم. إذا كان مثقف حرب متصوفاً لسعيه كي يتماهى فكره مع الطاقة التكوينية للآلهة، فهو أيضاً مثقف تقني أو خبير لأن الكاتب يدعوه الى أن يحصر نشاطه في مجال اختصاصه لا غير. الأجدى بالمثقف، يقول حرب، أن يبدع في مجاله الخاص وأن يتنصل من تحمل مسؤولية الكلام على الأفكار والمبادئ التي لا علاقة لها باختصاصه. ليست العلة في دعوة الخبراء والتقنيين إلى الإبداع في مجال اختصاصهم، وإنما الطامة الكبرى تكمن في تعميم هذا النموذج من المشتغلين في النشاط الذهني على المثقفين أيضاً. لا شك في أن لكل اختصاص أبعاده الأبستمولوجية والأخلاقية والسياسية، وفي أغلب الأحيان يكون الخبير أو التقني غافلاً أو متغافلاً عن هذه الأبعاد لأسباب عديدة أهمها مسألة ارتهانه بالعمل المأجور وخطورة صرفه من العمل في حال تساؤله عن الاستخدام السياسي والأخلاقي لنتائج عمله (وماذا عن السياسيين الذين يعلن عنهم حرب صراحة أنهم أكثر كفاءة من المثقفين؟!). من هنا تبرز الأهمية المزدوجة للمثقف. فهو أولاً قادر على القيام بمهمة المراقبة والمحاسبة النقدية للاستخدامات الأدلوجية لأعمال الخبراء والتقنيين. وهذا يتطلب بدوره وجود مجتمع مدني لتوفير المناخ الديموقراطي الملائم الذي بدونه يمكن للمثقف أن يتحول بسهولة إلى منفي أو معتقل (2). ومن جهة ثانية، إن المستوى التجريدي الذي يعمل على صعيد المثقف يخوّله لأن ينفذ بعمله إلى المسائل الأبستمولوجية والأبعاد السياسية والأخلاقية لعمل الخبراء والتقنيين في مختلف الميادين، وأن يدلو بدلوه حول هذه المسائل. لا يلتفت حرب إلى هذه الأمور في نقاشه لدور المفكر والمثقف الوسيط، مركزاً جل اهتمامه على تفكيك الحواجز الفكرية التي تحول دون إبداع المثقف التقني في مجال اختصاصه. انتصاراً للمثقف المدني المثقف المدني مناضل ولكن ليس بالمعنى الحزبي الضيق للكلمة. إنه يناضل في الأساس من أجل قيام المجتمع المدني. والمجتمع المدني في هذا السياق هو مجتمع يحافظ بالتعريف على استقلاله النسبي في علاقته بالدولة وأجهزتها. وهو أيضاً مجتمع يعي فيه المواطنون، والمثقفون بالدرجة الأولى، أن علاقات التسلط يمكن لها أن تكون مبثوثة فيه، إلى جانب تجسدها في الدولة وأجهزتها، وأن لعلاقات التسلط المقدرة على توليد نظامها المعرفي الخاص. وهذا يستلزم أن يكون المجتمع المدني، ولا سيما المثقفون فيه، قابلاً للارتداد الواعي على ذاته (Reflexive). كل هذا يفترض أن يتم أولاً النضال على الصعيد الفكري والمادي من أجل الخروج من الولاءات الضيقة (كالطائفية والعشائرية والمناطقية مثلاً) والانتساب الى الرابط الوطني والعالمي، خصوصاً مع دخولنا المتزايد في عصر العولمة. ليس بالضرورة أن يكون المثقف المدني منتسباً إلى حزب سياسي، مع أن هذا الانتساب يبقى خياراً مفتوحاً له وللآخرين. إن الاطار المتنوع والمرن الذي يوفره المجتمع المدني للمثقف لكي يمارس نشاطه الفكري والنقدي، لا يمكن اختزاله في الحزب مهما كان هذا الأخير ديموقراطياً بالمعنى التنظيمي والسياسي للكلمة. بالطبع إن المثقف المدني ليس مروّجاً ولا مستهلكاً للأفكار، أو مولعاً بتطبيق النماذج والشعارات، مثله مثل المفكر الوسيط، بل هو ينخرط في إبداع الأفكار على تربة مجتمعه والمجتمع العالمي. لكن إبداعه ليس تفكيكياً بالمعنى الذي يمارسه حرب، إذ إنه يتحرك بموجب معايير أبستمولوجية وأخلاقية، لكنها معايير مفتوحة بصورة دائمة على النقاش و»إعادة التصريف« أو ربما الإسقاط والتجاوز. وضمانة المثقف في أن يمارس نشاطه هذا، هو أولاً وأخيراً إيجاد المجتمع المدني كإطار مادي ورمزي لممارسة هذا النشاط. وبوجود تلك المعايير لا يكون فعل النقد معزولاً عن صناعة الحياة بالمعنى المادي والرمزي للكلمة، وتتولد عنه بدائل محددة (ونسبية) تختص بإدارة المجتمع وبعلاقة الناس بعضهم ببعض. ان الإقرار بنسبية تلك المعايير والاجراءات المترتبة عليها يجنبنا التعاطي اللاهوتي معها أو تقديسها. والأهم من هذا الإقرار هو وجود المجتمع المدني بما يعنيه من حرية التفكير والتعبير وتبادل الآراء ونقاشها (تذكر ثورة الاتصالات واكتشاف الأنترنت وتأثيرهما في جعل التواصل، بالمعنى الهابرماسي، أكثر ديموقراطية) وزيادة مستوى التعليم وتداول السلطة على أساس المراقبة والمحاسبة، ان جميع هذه الاجراءات كفيلة بتصويب الخطأ وتحويل المعايير إلى مسلّمات نسبية وتاريخية ومؤقتة. بذلك يصبح المثقف المدني رمزاً للمشاركة الفعلية في صناعة الحياة وتحمل مسؤوليتها، ومن ثم يعود المثقف المتصوف إلى صومعته من جديد، ويتحرر المثقف التقني من الاستخدام الأدلوجي لطبيعة ونتائج عمله. (سيدني) هوامش (1) أوهام النخبة أو نقد المثقف، المركز الثقافي العربي، 1996. (2) من هنا ينبغي على المثقفين العرب أن يضعوا مهمة النضال من أجل قيام المجتمع المدني على رأس قائمة أعمالهم.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة