ليس هناك من شك في أن الجميع يشعر اليوم بعمق الأزمة التي تعاني منها السينما المصرية صناعة وفناً، لكن الشك الحقيقي هو أن أكثر مَن يتكلمون على هذه الأزمة، أو حتى هؤلاء الذين يعلنون استعدادهم للمساهمة في حلها، يعرفون حقيقتها وأبعادها. فبين الحين والآخر تطالعك الأخبار حول إنشاء هذه الشركة أو تلك، تنظر إليها معظم الآراء والأقلام في وسائل الإعلام على أنها تمثل المخرج »الوحيد« من المأزق، باعتبار أن أصحاب الملايين قادمون لإقالة السينما المصرية من عثرتها، وكلما ازدادت أرقام الأموال المعلن عنها وتضخمت، على الأقل على صفحات الصحف، فإن التفاؤل يبدو وشيكاً، لولا أن قليلاً من تأمل مثل هذه المحاولات لدخول »المنتجين« الجدد ساحة الانتاج خلال السنوات القليلة الماضية يشير إلى أنها كانت جميعها نوعاً من الأمنيات الطيبة، التي لا تخلو من قدر يسير أو كبير من السعي إلى تحقيق الأرباح الطائلة من هذه الصناعة المتعثرة. على العكس مما قد يظن البعض للوهلة الأولى أن فشل هذه التجارب يدعو إلى التشاؤم، فالأهم هو أن يدعونا إلى أن ندرك أن أزمة السينما المصرية ليست في حقيقتها أزمة رؤوس الأموال، وإنما هي أزمة فلسفة بالمعنى الأشمل للكلمة: فلسفة اقتصادية واجتماعية وسياسية، تكاد تنسحب على كل أمور حياتنا المادية والثقافية، إن شئت أن تصوغها في سؤال محوري يتطلّب الإجابة عنه في مجال صناعة السينما المصرية، فهو: »لماذا، ولمن نصنع السينما؟«، وربما عندئذ فقط يمكننا أن نعرف »كيف نصنع السينما«. فإن ما يثير الأسف والأسى هو أن كثيرين ممن دخلوا ساحة الانتاج السينمائي في الفترة الأخيرة تعاملوا مع هذه الصناعة على أنها يمكن أن تدر عليهم الأرباح العاجلة الطائلة، كتلك التي تتيحها لهم سياسة »الانفتاح الاقتصادي« بشكلها السائد، خصوصاً في مجال التجارة والوساطة (عدا عن دخول أصحاب الأموال هؤلاء إلى عالم أضواء النجوم والنجمات!)، أو قد ترى آخرين من أصحاب مصانع سلع الرفاهية والترف يتعاملون مع »الفيلم المصري« بوصفه سلعة مضمونة التصدير مثل السجاد والملابس الفاخرة بشكل لا يخلو من منطق أصحاب مكاتب تصدير واستيراد البضائع، وإن كان الأهم أنه يعكس قدراً من الإحساس الوهمي بتضخم الذات ولا نقول »الشوفينية« الذي يجعلهم يتصورون أن »اللهجة المصرية« قادرة وحدها كما يقولون على الانتشار في أسواق العالم العربي، بل العالم كله من خلال الأعداد الهائلة للمغتربين العرب الذين لا شك بأنهم ينتظرون الأفلام التي تذكّرهم بأوطانهم. هذا المنطق ساعد على ترويجه تلك الفترة القصيرة التي انتشر فيها اختراع »الفيديو«، خصوصاً في دول الخليج العربي (وهي الفترة التي ساد فيها إنتاج أفلام »المقاولات« بهدف تعبئة أكبر عدد من شرائط »الفيديو«)، لكن الواقع الراهن في ظل انفتاح الإرسال التلفزيوني بالأقمار الاصطناعية يؤكد أن هذا المنطق لم يكن يعتمد على أساس صحيح، لا يضع في اعتباره المستقبل، بل الأخطر أنه لا يضع حساباً للحاضر نفسه، عندما لا يحاول أن يقدم إجابة صحيحة عن السؤال »لماذا، ولمن نصنع السينما؟«. مأساة دور العرض وأرجو ألا يتصور القارئ أنني أقلّل من شأن الفيلم المصري، ودوره الثقافي العميق الأثر، فعلى العكس فإن اختزال أهميته إلى سيادة »اللهجة المصرية« هو نوع من سطحية الرؤية، لكن الحقيقة أن هذا الفيلم الذي كان ولا يزال معروفاً باسم »الفيلم العربي« داخل مصر وخارجها على السواء هو »منتج ثقافي« تجتمع فيه عوامل متعددة من عالم الثقافة وسياقها الاجتماعي كله، وإذا كانت مصر هي التي تقوم بإنتاج هذه الأفلام، أو معظمها على الأقل، للعالم العربي كله، فليس ذلك فقط لأن مصر عرفت صناعة السينما قبل شقيقاتها بسبب وجود عدد من الأجانب المقيمين بها اهتموا بالسينما استهلاكاً وصناعة منذ وقت مبكر، وإنما من منطلق المسؤولية الكبرى التي تقع على عاتق هذا البلد بحكم ثقله الجغرافي والتاريخي والسياسي والثقافي، وهي المسؤولية التي جعلت القاهرة ومصر كلها بوتقة تنصهر فيها التيارات الثقافية من مشرق العالم العربي ومغربه، ما أفضى إلى أن تكون صيغة »الفيلم العربي« كما توصلت إليه صناعة السينما في الثلاثينيات والأربعينيات على نحو خاص هي السلعة الثقافية التي تفكر بجدية في المستهلك أو »الزبون« الذي تتوجه إليه. وإننا حين نتحدث عن »التجربة السينمائية« في التذوق واستهلاك الأفلام في الجانبين الثقافي والتجاري معاً إنما نتحدث عن ظاهرة جماعية واجتماعية بالمعنى الكامل للكلمة، لا تتحقق إلا من خلال دور العرض السينمائي، التي يذهب إليها الناس فرادى، ويجلسون في الظلام ليتسللوا رويداً رويداً إلى الشاشة، أو تتسلل هي إليهم، فإذا بهم جميعاً وقد اجتمعوا بأحاسيسهم وعواطفهم وأفكارهم في حالة بين الواقع والحلم. وتلك الحالة من التوحد الجماعي، التي لا تتحقق إلا بقدر من الصعوبة في عالم المسرح بسبب إدراك المشاهد للعبة المسرحية من جانب، وبسبب صعوبة وجود عدد هائل من الفرق المسرحية التي تقدم عروضاً تجعل هذا الفن وسيلة اتصال جماهيرية واسعة الانتشار من جانب آخر، هذا التوحد الذي هو جوهر فن السينما يتحقق بسهولة من خلال بضعة علب من شرائط السليولويد، يمكن استنساخها وتوزيعها على نطاق واسع، لكن هذا يتطلب أيضاً وجود عدد كافٍ من دور العرض. وتلك هي الأزمة الحقيقية داخل صناعة السينما العربية، التي لا يدري المرء كيف يمكن أن تغيب عن بال معظم المهتمين بأزمة هذه الصناعة (والتفسير الوحيد لغياب ذلك عن بالهم هو أنهم لا يعرفون لمن يصنعون الأفلام)، فقد تناقص عدد دور العرض السينمائي في مصر من حوالى أربعمئة خلال الخمسينيات، ليصبح حوالى مئة خلال التسعينيات، في الوقت الذي تضاعف فيه عدد السكان أو قل »الزبائن« إلى أكثر من ثلاثة أضعاف. إن أحداً لم يتساءل عن »الدكاكين« التي يمكن أن يذهب إليها المستهلك ليشتري السلعة، عدا عن أن الفيلم لا يصبح سلعة قابلة للاستهلاك إلا من خلال عملية العرض ذاتها! وللأسف فإنك قد تقرأ أحياناً مَن يحوّل أزمة السينما المصرية إلى نطاق الهزل، حين يؤكد لك أنه ليست هناك أية أزمة، ما دام هناك مليون متفرج قد رأى فيلماً لعادل إمام أو ناديا الجندي، فإذا كان ذلك يحقق الربح للمنتج العابر، فهل هو حقاً ربح للصناعة التي ينبغي لها أن تتوجه إلى اثني عشر مليوناً من المتفرجين في القاهرة، أو ستين مليوناً في أنحاء مصر كلها؟! إن شئت الحقيقة فإن سينما عادل إمام أو ناديا الجندي (ومن بعدهما فيفي عبده التي أصبحت تقوم ببطولة عدد كبير من الأفلام القليلة التي تقدمها السينما المصرية كل عام) ليست إلا أحد التجليات بل هي البرهان الساطع على أزمة السينما المصرية، التي تعتمد على نجم أو نجمة بعينهما، من دون أن تضع في اعتبارها أن صناعة السينما ينبغي أن تتحول إلى »مؤسسة« راسخة، وأخشى أن يكون ذلك هو ما يفكر فيه أصحاب الملايين القادمون لإنقاذ السينما، حين يظل هدفهم محصوراً في »بيع« هذا النجم أو ذاك في شرائط سينمائية، يتوجهون بها كما يقولون إلى »المغتربين« العرب في بلاد »الخواجات«! ولقد كان تخلي السينما المصرية عن زبونها الحقيقي، وتوجهها إلى الزبون العابر، سبباً في أن تفضي أزمة السينما إلى ما نسميه »سينما الأزمة«، حين انتشرت الأفلام الهابطة، وتزايد إيقاع السباق المحموم للإمساك بتلابيب المتفرج بقدر أكبر من الابتذال (عدا عن صنع صورة زائفة للنجوم لا تعبر بحال عن مفهوم النجومية كظاهرة تجسد أحلام الجماهير)، لكن الأخطر هو أنه بات على الجادين من الفنانين خصوصاً أبناء جيل الثمانينيات والتسعينيات أن يتخلوا بإراداتهم عن أحلامهم كمثقفين يسعون كما هو مفترض إلى تجاوز الواقع السائد، فعلى العكس تسللت التوابل الجماهيرية التقليدية إلى بعض أفلام محمد خان وخيري بشارة سعياً إلى إرضاء الزبون الجديد، وتحقيق النجاح التجاري بعد يأسهم من تحقيق أحلامهم الجميلة النبيلة. بل ظهر جيل كامل خلال الفترة الأخيرة، مثل كريم ضياء الدين وعلاء كريم وغيرهما، لا يخفي أن هدفه الأول هو »شباك التذاكر«، ولا تتحدث عن أبناء أجيال كاملة من الذين يتخرّجون من معهد السينما، فلا يجدون عملاً يحقق لهم أحلامهم السينمائية، فيتوجهون إلى العمل فنيين متواضعين في بعض محطات الانتاج التلفزيوني (أو ربما أيضاً في تصوير الأفراح!)، بل لا تتحدث عن أبناء جيل أقدم توقفوا عن الانتاج بعد فترة من الانحدار الفني الذي فرضته عليهم أزمة السينما، مثل حسين كمال وأشرف فهمي، أو مثل علي عبد الخالق الذي أقدم على ما يمكن اعتباره ارتكاب إخراج أسوأ فيلم مصري، مع سبق الإصرار، وهو فيلم »المزاج« لفيفي عبده، التي استطاعت أن تجعل هؤلاء المخرجين »الكبار« يصنعون لها الأفلام على مقاسها! وإن عودة السينما المصرية صناعة وفناً إلى جمهورها، من خلال إنشاء عدد هائل من دور العرض، هو البداية الحقيقية لأن تسترد هذه السينما قدرتها على الإبداع المتجدد، بالإضافة إلى عودتها إلى إنتاج العديد الوفير من الشرائط السينمائية، وعندها فقط يمكن الحديث عن إمكانية تميز عدد من الأفلام التي يمكن بها أن نزعم قدرة السينما المصرية على مواكبة ولا نقول منافسة ما تنتجه السينما العالمية في عقر دارها! دور الدولة الغائب الحاضر تبقى الأزمة الأهم، وهي السبب وراء تراجع عدد دور العرض بالشكل الخطير الذي آلت إليه، ولا يمكن تفسيره إلا من خلال سياق سياسة الانفتاح الاقتصادي الاستهلاكي، الذي سادت فيه تأثيرات متعددة أدت إلى هذا الانهيار، فقد توجه رأس المال إلى أكثر النشاطات طفيلية، في مشروعات سريعة الربح قصيرة المدى، وأصبح مشروعاً خاسراً أن تملك داراً للعرض بينما يمكن أن تبيع أرضها بالملايين، أو تبني وحدات سكنية للبيع الفوري، فما بالك بتجديد الأستوديوهات التي قد تحتاج إلى رؤوس أموال كبيرة، ولا تجني أرباحها إلا بعد سنوات عديدة؟! لكن الأغرب هو أن ترفع الدولة ولا نقول الحكومة يدها، أو بالأحرى تتخلى عن مسؤوليتها، عن حماية الصناعات الوطنية، تحت زعم تحقيق الحرية للنشاطات الرأسمالية الحرة، بينما نرى اليوم دولة رأسمالية مثل فرنسا تتوقف طويلاً أمام تطبيق اتفاقيات »الغات« (الاتفاقية العامة للتجارة والتعرفة الجمركية) على السينما، لأنها لا تريد لصناعتها السينمائية أن تذوي أمام الهجوم الكاسح للسينما الأميركية، ولا تلتفت للزعم بتكريس نظام اقتصادي عالمي مفتوح، يبدو فيه الأغنياء الذين أصابتهم التخمة وهم يتبادلون الأطباق الشهية، بينما يتفرج عليهم الفقراء وهم يتلمظون جوعاً وغيظاً، ولا يبقى لهم إلا حرية التبعية، وتنفيذ الأوامر بالتخلي عن إدارة اقتصاد وطني مستقل، وتحويل الأوطان إلى أسواق مفتوحة، يصبح فيها المواطنون مجرد مستهلكين (بكسر اللام وفتحها معاً). بل ليس بعيداً عنا ما تردد عن أن الولايات المتحدة نفسها، وهي التي لا تكسب إلا النزر اليسير من عرض أفلامها داخل مصر، قد ربطت بين استمرار المعونات الأميركية وحماية حقوق توزيع الفيلم الأميركي في السوق المصرية! فإذا كانت دور العرض قد عانت »جباية الضرائب«، فإن هذا هو الأمر ذاته الذي عانت منه الاستديوهات القليلة وشركات التوزيع المحدودة التي لا بد من وجودها لكي تستمر الصناعة في إنتاج الأفلام، حتى ذوت الاستوديوهات وشركات التوزيع واحدة بعد الأخرى، وإنك لن تجد اسماً واحداً من بينها كان يحقق الانتشار والنجاح منذ ثلاثة عقود فقط موجوداً اليوم في ساحة صناعة السينما، كما أن كل من دخل إلى هذه الساحة خلال العقد الأخير سرعان ما خرج منها بعد عدد قليل من الأفلام، ولك أن تقارن ذلك بشركات الانتاج والتوزيع الأميركية التي تأسست منذ بداية القرن، ولا يزال معظمها حتى اليوم »مؤسسة« راسخة، حتى لو انتقلت ملكيتها إلى أصحاب رؤوس أموال جدد. »المؤسسة« الراسخة؛ هذا هو ما نبحث عنه اليوم داخل صناعة السينما المصرية وخارجها، وهو ما يعني افتقادنا العميق لأن تحدد الدولة فلسفتها وأهدافها على أسس علمية واضحة، يتضاءل فيها دور الفرد أو النجم في كل المجالات، لكي تكتمل للدولة مقوّماتها. وإذا كنا نريد أن نعود إلى الحديث عن صناعة السينما المصرية تحديداً، فإنه لا ينبغي علينا أن ننسى أو نتناسى أن هذا يحتاج إلى سياق كامل، ومناخ سائد، يسمح لهذه الصناعة بأن تتحول إلى مؤسسة بالمعنى الحقيقي للكلمة، تتكامل فيها حلقاتها، وليس هدفنا من إلقاء الضوء على أهمية البداية بإنشاء عدد كبير من دور العرض إلا أن يكون ذلك دافعاً لأن تنشأ الحاجة إلى استكمال الحلقتين الأخريين من الصناعة: الاستوديوهات الحديثة التي تقوم بإنتاج أفلامها وأفلام شركات الانتاج الأخرى التي قد لا تملك هذه الاستوديوهات، وشركات التوزيع التي تنظم عمليات التسويق. ومن دون وجود هذه الحلقات الثلاث جميعها: الانتاج، والتوزيع، والعرض، سوف تصبح الاجتماعات واللجان وأخبار إنشاء الشركات السينمائية المزعومة من أموال الأثرياء مجرد ثرثرة، أو لعلها في أفضل الأحوال أضغاث أحلام، تسفر حين يأتي الصباح عن واقع كئيب يجثم فيه ظل الأزمة، التي تبدأ وتنتهي بالإجابة عن السؤال: »لماذا، ولمن، وكيف نصنع الأفلام؟«! (القاهرة)