As Safir Logo
المصدر:

فكر.نقد الإتجاهات التاريخوية:لا يمكن للعرب تجاوز التراث إلا بتملكه(صور)

المؤلف: قاسم جميل التاريخ: 1996-12-20 رقم العدد:7574

ما معنى التاريخ؟ التاريخية؟ التاريخانية؟ التاريخوية؟ كل هذه الأسئلة تندرج في موضوعة التاريخ: هل لأحداث التاريخ عليّة تحكمها، قوانين عامة، تطورية، تصاعدية، تكرارية (دائرية) جدلية؟ التاريخ يعني، بداية، توالي أحداث العالم في الزمان الأزلي الأبدي، أما علم التاريخ (التأريخ) فهو العلم الذي يصف تلك الأحداث ويرتبها على نحو معين. وإذا كان التاريخ بمعناه الاصطلاحي Histoire يعني لغوياً دراسة (رواية) الحادثة أو الواقعة فإن التاريخانية كما نعرفها هي وجهة النظر التي ترى إلى التاريخ من وجهة تزامنية تطورية، يتزامن فيها التطور الآني (آناء الماضي والحاضر والمستقبل من لحظة الآن المعاصرة). أما التاريخوية فهي وجهة النظر المذهبية التي تعتبر التاريخ ما يختص بما هو حصري وملموس ومباشر في دراسة وتفسير القانون، الحقوق، الأخلاق والظواهر الاجتماعية، باعتبار التاريخ حامل القيمة والمعنى. والنظرة التاريخوية (والتاريخانية) تفترض للتاريخ كوحدة، معنى وغائية، وقصدية معينة. يعود المفهوم القصدي Tژlژologique للتاريخ، في الفلسفة إلى أفلاطون، ولا سيما في محاورة »فيدون« حيث يتحدث سقراط عن عقل كوني ناظم للعالم ولما هو حق وخير وجمال في ذاته وبذاته، في التاريخ. كما أن أديان التوحيد تفيد بخضوع التاريخ لغائية إلهية، تحكم مجرى التاريخ، والكون، والطبعة بواسطة العناية الإلهية، في قيامها وقيامتها. وأهم علامات هذه الغائية: خلق العالم، خطيئة آدم، الدنيا، والدينونة، وهذا هو التصور الميتافيزيقي للتاريخ. وإذا كان موضوع فلسفة التاريخ عند اللاهوتيين هو الخلاص، فإن الخلاص في فلسفة الأنوار صار رديفاً لفكرة التقدم التي اتخذت صورة عقلية، وتوكيداً للعقل والعقلانية لذاتها في الزمان والتاريخ. وقد حلت غائية التقدم محل فكرة العناية والخلاص والقيمومة، باعتبار أن التاريخ يقوم على غائية خطية من الأدنى إلى الأعلى، من الوحشية إلى الحضارة، من العبودية إلى الشيوعية، من ما قبل التاريخ إلى نهاية التاريخ. ولاقت فكرة التقدم في الفترة اللاحقة لعصر الأنوار تعديلاً للفكرة في التطابق بين هوية الذات (العقل) والموضوع (العالم) بين الفعل والتأمل والفكرة الإلهية Idژe كما هو الأمر عند هيغل، في تصور »عقلي« للحقيقة يضع الزمان والمكان والعلية في أطر عقلية قائمة في صميم العقل الكلي. لاقت الأطروحة التاريخوية أول معارضة لا تاريخية لها ولفكرة التقدم الخطي مع جان جاك روسو الذي فسر التقهقر بالتقدم، وعنده أن مساوئ الحداثة ترجع إلى عملية اللاطبعنة Dژsnaturalisation التي فكت ارتباط الإنسان بالطبيعة، ونقلته من وضعية التوازن والتناسق اللاصراعية، من حالة الطبيعة، إلى حالة التاريخ والمجتمع الصراعية، فمع تطور المجتمع وظهور الملكية تتزايد اللامساواة بين الفقراء والأغنياء، وتأتي المؤسسات لتطوّب موازين القوى السائدة. وتلك هي علامة العبور من الحالة الطبيعية الى الحالة المدنية. ولا يعدو التاريخ عند روسو كونه تجريداً ونفياً للطبيعة. كانط أما كانط فإنه يمزج بين القصدية المسيحية وبين آداب عصر الأنوار، ويرى أن تاريخ الطبيعة يبدأ بالخير، باعتباره فعلاً من أفعال الله، بينما تاريخ الحرية يكون شريراً لأنه من أفعال البشر. وبعكس روسو الذي ينظر إلى التاريخ باعتباره تجريداً، يتصور كانط التاريخ على نحو وضعي. ففي مجرى الحياة الإنسانية وتراكم الحقائق الوضعية ثمة غائية، عقلية، علوية، تحقق ذاتها بواسطة الطبيعة، وتحققها الطبيعة بواسطة البشر. وقوة الإنسان بنظر كانط هي العقل، بينما الطبيعة شحيحة، ولذلك فإن التحقق لا يكون في العودة إلى الحالة الطبيعية وإنما في التوصل إلى الحالة الثقافية (المدنية). إن عبقرية هيغل تكمن بدون ريب في إناطة فكرة التقدم التاريخي بالحرية، في تجلياتها الوضعية، إلا ان هذه الحرية ظلت، مع ذلك، تصورية، فجاءت الفلسفات التاريخية بعد هيغل ووضعت الوعي أو الفكرة في التاريخ، وأصبحت التاريخية مع فويرباخ مقوّماً من مقومات الفكرة والمثال والدين. وعلى عكس هيغل الذي يعترف للحقيقة الدينية بمجال خاص، يتمثل المطلق فيها بالمخيلة والتصور، ما تتمثله الفلسفة بالمفهوم، فإن فويرباخ يرى إلى الدين من وجهة نظر أنتروبولجية مادية، باعتباره أصل الاستلاب الإنساني، بشيء من الاختزال التاريخوي. وفي نقد ماركس للهيغلية يرى أن المادة هي التي تحدد الوعي وليس الوعي هو الذي يحدد المادة، كما أن المجتمع هو الذي يقيم الدولة ولا تقيم الدولة المجتمع (نقد فلسفة الحق عند هيغل). كما أن البنية التحتية (الاقتصادية) هي التي تحدد البيئة الفوقية (الحقوق، والفكر، والفن الخ). لكن في مقابل التيار »الاقتصادوي« الماركسي الذي يقلص الظواهر الاجتماعية الى ثنوية البنية التحتية والفوقية، تنبري تيارات أخرى ماركسية منها التيار الألتوسيري وتطرح تصوراً أقل ميكانيكية، مبينة أن كل مستوى من هذه المستويات قائم في بنية قائمة في ذاتها، وأن العلاقات بين البنية التحتية والبنية الفوقية متبادلة في الاتجاهين التحتي والفوقي، مع أن العامل الاقتصادي من وجهة نظر التوسير يبقى هو العامل المحدِّد. ويرى ب. فيلار مؤيداً التوسير ان المفهوم المركزي، المتماسك، عند ماركس، يعتبر نمط الإنتاج كبنية محدِدة ومحدَدة Dژterminژ et dژterminante كما يرى باليبار E. Balibar في نمط الانتاج كمنظوم تركيبي حيث العناصر المختلفة للبنية التحتية هي عناصر تقديرية، بحسب علاقاتها في نمط معين. التبسيط الماركسي ان التحقيب التاريخي عند ماركس لا يخلو من التبسيط، فتطور الإنسانية لا يقوم على منحى خطي ولكنه يقوم على تحولات من بنية الى أخرى، بحيث نجد تجاوراً أو تساكناً لبنى متمايزة. فعلى سبيل المثال انبثق العمل المأجور Salarial في أوروبا الغربية، فيما كانت العبودية قائمة في جنوبي الولايات المتحدة الأميركية، وفي أوروبا الشرقية. كما أن مستويات الواقع الاجتماعي نفسه لا تتطابق الواحدة مع الأخرى. وهذه العناصر تؤكد عدم حتمية التطور الاجتماعي والتاريخي المتصور. وكهيغل، لا يخرج ماركس عن وسطه الثقافي، وتطورية القرن التاسع عشر الحتمية. فالماركسية برغم اعتبارها الاجتماع موضوعاً للديالكتيك فإنها لم تتخلص من مؤثرات الحتمية، فأخضعت الحرية للضرورة والحتمية، والذاتية للموضوعية المادية، والوعي (الذاتية) للمادة، في ثنائية جديدة تهدف الى »عقلنة« الطبيعة والفكر والكون. وإذا كانت الماركسية قد أثارت مشكلة استلاب الإنسان في ظل الأتمتة الآلية كوجه آخر لمحو الشخصية Dژpersonnalisation فإنها لم تنظر إلى الإنسان كذاتية مؤلفة من عقل وروح وجسد وإنما كإنسان اقتصادي وكائن مادي. وقد أحدثت مدرسة الحوليات التأريخية في بداية القرن العشرين انقلاباً في مفهوم التاريخ، الأمر الذي خفف من غلواء الوضعانية والتاريخوية. ومقابل هيمنة هذه التيارات الأخيرة بدأ مؤرخو مدرسة الحوليات يهملون الحدث الوقائعي السردي ويولون انتباههم للمراحل والحقب، والنشاطية المركبة للمجتمعات برؤية فروعية متعددة. وفي الستينيات من القرن الحالي فرضت البنيوية سحرها على جملة علوم الإنسان، وتزاوج التاريخ والبنيوية في علم تاريخ بنيوي يتبنى طرائق الأثنولوجيا، والألسنية، وعلم السيمياء، بغية التوصل الى سبر معقولية الأحداث الماضية في ما يتعدى مظاهر الحدث وكثرة المصائر الفردية. وفي كتابه »العِرق والتاريخ« (1952) يطبق كلود ليفي ستروس منهجه التزامني التطوري على التاريخ في مواجهة التاريخوية التي تقدم على رؤية سردية ووقائعية تبسيطية. ويشن ليفي ستروس حملاته على الإثنية المركزية، والتطورية التبسيطية الأوروبية، التي تؤدي بها نزعاتها الى اعتبار حالات المجتمعات الإنسانية المتنوعة كمراحل للتطور الواحدي. والحال هذه، يعتبر ليفي ستروس ان التقدم ليس ضرورياً ولا متواصلاً، بل يتضمن قفزات وطفرات وتحولات وتبدلات واتجاهات مختلفة. وقد أماط ليفي ستروس اللثام عن وجود مجتمعات جماعوية في مقابل المجتمعات التوحدية الأوروبية سبقت الغرب في اكتساب المهارات التكنولوجية في حقبات ماضية، بل ان المجتمعات الشرقية المعاصرة قد تتفوق على أوروبا في معرفة الجسد حتى لو كانت أوروبا تتمتع بالتفوق التكنولوجي. ومع الطفرة المعرفية التي شهدتها علوم الانسان أضحت التاريخوية والوضعانية التي تنظر إلى الأشياء في زمانيتها المباشرة، في مواجهة أشكال جديدة من المعقولية تغيرت في ضوئها مقولات القيمة والمعنى. فالمخيال صار يرادف العقل، والميثولوجي يعني الثيولوجي، وباتت المقولات الإستيتيكة ومقولاتها كالجميل، والسامي والساحر، المقدس، العجيب، توازي مقولات العقل الكلية. وفيما تعتبر التاريخوية التاريخ المجال المباشر لدراسة الظواهر انطلاقاً من فرضية وجود مسار موضوعي، أو اتجاه عام، غائي، للتطور يقوم على قوانين تحكمه، يستوعب المنهج التاريخي الظاهرة من خلال أصعدها، وسياقاتها المتعددة. ويربط كارل بوبر في كتابه »بؤس التاريخوية« النزعة التاريخوية في جدلية الخطاب العلمي والخطاب اللاعلمي. التنبؤ التاريخي والتاريخوية، عند بوبر، هي المرادف لكل العلوم الاجتماعية والإنسانية التي تضع في نصب اهتماماتها التنبؤ التاريخي، والتي ترى أن هذا الهدف يمكن بلوغه إذا تمت معرفة الايقاعات والنماذج القانونية، أو الاتجاهات العامة الكامنة والمحددة للتطور التاريخي. ولا يعتقد بوبر ان التنبؤ هو مهمة من مهام العلوم الاجتماعية. إذ إن التنبؤ لا بد من أن يكون أمراً عسيراً، لا بسبب تعقد الأبنية الاجتماعية فحسب، بل أيضاً بسبب ذلك التعقد الخاص الناشئ عن تبادل التأثير بين التنبؤات والحوادث المتنبأ بها. والنتيجة أنه من الضروري لفهم الحياة الاجتماعية أن نذهب إلى أبعد من مجرد تحليل العلل والمعلومات من الوقائع، وتحليل الدوافع والمصالح وما تستتبعه الأفعال من رد فعل، وأن نتوصل إلى فهم كل حادث من الحوادث باعتباره يقوم بدور معين يميزه في الكل الذي يشمله. فالحادث يستمد أهميته في الكل، وأهمية الحادث تتعين بكليته. وتقضي هذه النظرة بأن المنهج القادر على إدراك معنى الحوادث الاجتماعية يجب أن يذهب إلى ما هو أبعد من التفسير العلي بكثير. إذ يجب أن يكون منهجاً كلي النزعة؛ ولا بد من أن يهدف إلى تعيين ما للحادث من دور في بناء معقد أي في كل لا يشتمل فقط على غيره من الأجزاء المصاحبة له، بل يشمل كذلك كل ما يتعاقب من مراحل التطور الزمني. ولعل أبرز الاتجاهات التاريخوية المتطرفة هي تلك التي أثارتها أطروحة »نهاية التاريخ« للكاتب الأميركي فرنسيس فوكوياما. وبمقتضى هذه النظرة التاريخوية التي ترى في التاريخ مساراً متماسكاً للتطور »المتناسق«، يرى فوكوياما أن التطور التاريخي ليس صدفوياً ولا غامضاً. وإذا كانت »نهاية التاريخ« بالنسبة إلى ماركس تكمن في الشيوعية؛ فبالنسبة إلى فوكوياما هذه النهاية تتجلى في الديموقراطية الليبرالية (الأميركية). وإذا عزا فرويد للجنسانية الليبيدية دوراً دينامياً محركاً للتاريخ، يعزو فوكوياما للتيموس (غريزة الصراع الفردي والجماعي من أجل الاعتراف وتأكيد الذات(، بمظهريه الميغالوتيميا (نزعة العظمة الأنوية) والإيزوتيميا (نزعة الاعتراف المساواتية الأنوية) هذا الدور، باعتبار الرغبة التيموسية محركاً لبنية المجتمع والتاريخ والفكر. وهذه الفكرة التي كتبت في مناخات الادارة الأميركية قبيل حرب الخليج هي الرديف الفلسفي لفكرة النظام الدولي الجديد، بقيادة »دولة العناية« الأميركية التي يجد فوكوياما في سيطرتها العالمية تحققاً »لنبوءة« هيغل في نهاية التاريخ... احتلت المسألة التاريخية في السجالات الفكرية العربية أهمية خاصة. والتاريخانية عند عبد الله العروي، رائد الفكر النقدي في السبعينيات، هي الفرضية التي تدرس الكائن في التناهي والزمانية المباشرة، باستبعاد ما هو وهمي وأسطوري (العرب والفكر التاريخي). وفي نظرته التاريخوية لا يميز العروي بين التراث والميراث، الميثولوجي والثيولوجي، التزامني واللاتزامني، في اعتباره التراث مجرد وهم وسراب، ومبعث التخلف والتأخر. وهذه النظرة التاريخية، كفلسفة اتجاهية ومعيارية حدثية للتاريخ، سيتبناها أدب النقد الذاتي العربي يعد هزيمة حزيران، صادق جلال العظم (نقد الفكر الديني) وياسين الحافظ خاصة في كتابه »الهزيمة والإيديولوجيا المهزومة«: »غير أن العروي الذي ساعدني، وأقول هذا بكل تواضع، على وعي البعد التاريخي للواقع العربي، والذي شد نظري إلى دور الإيديولوجيا السلفية، والذي طرح التاريخانية كمنظور وحيد للتقدم العربي (..)، والذي أكد ضرورة انسجام المناهج مع الأهداف العروي هذا أعطى منظوراتي القومية الديموقراطية كل اتساقها وثبت بعديها التاريخي والكوني«(1). لكن المثقفين العرب، مع تطور علوم الإنسان المعاصرة، تجاوزوا هذه التاريخية التي تُجووزت في الغرب، مع تجاوز فكرة التقدم المركزية والإنسية المركزية. إذ رأى هؤلاء أن النظرة التاريخوية، باختلاف تلاوينها، الهيغلية والماركسية، والفويرباخية، والوضعية، هي نظرة غائية تقوم على إخضاع الظاهرة (أي ظاهرة) للزمانية المباشرة، الدُغرية، ولا تحفل إلا بالذاتية التاريخية، المتناهية، من دون الاكتراث لأي صعيد أو سياق خاص لكل الظواهر الاجتماعية والاقتصادية وحتى الروحية والنفسية والجمالية! وليس عبثاً أن يقرن كارل بوبر بين التاريخوية والأنظمة الفكرية والسياسية الكليانية (التوتاليتارية). كما لاقت الدعوى التاريخوية، والتاريخوية الماركسية بشكل خاص، المعارضة من العديد من المثقفين العرب. فرفض محمد عابد الجابري الكونية الموهومة، ودعا الى محاورة التراث لتملكه وجعله معاصراً لنا (نحن والتراث). كما رفض عبد الكبير الخطيبي النظر إلى التراث من خلال نزعة تاريخية باردة ترد التاريخ إلى كلية ميتافيزيقية نسيجها الاستمرارية والعقلانية الإرادوية وإلى عدم قراءة الواقع بفكر الآخر والخلط بين العصور، وعدم احترام الثقافات (النقد المزدوج). كما ميز مطاع صفدي بين الميراث والتراث وناوأ الأدلجة التراثوية (استراتيجية التسمية). والحقيقة إن تجاوز التراث لا يعني امتلاكه كإرث وإنما تملكه كذاكرة جمعية، ومخزون ثقافي انتروبولوجي. والفرق بين التاريخوية (القصدية والغائية) والتاريخانية، أن الوجود التاريخي في الحالة الثانية، أو التاريخاني Historiale هو وجود أصيل، هو حضور الغياب على قاعدة التعاصر والآنية، حيث لا تكون آناء الزمان انفصالية وإنما اتصالية في ديمومة الحضور. والتراث قدرنا (هيدغر) وإلا فكيف نفسر أن ثمة أفكاراً كبرى وردت في »جمهورية أفلاطون« ما زال لها قيمة إبستمية، أي قيمة معرفية صحيحة، كالمنطق في الفلسفة، والديموقراطية في السياسة، والتراجيديا والكوميديا في المسرح وعلم الجمال. بل كيف نفسر لقاء أول الفلاسفة (سقراط) مع آخر الفلاسفة (دولوز) على تعريف الفلسفة بأنها العلم بالماهيات وإنتاج المعنى والمفهوم؟ أليس لأن الأفكار والمقالات والمقولات والميادين متعاصرة في الوجود والكينونة والصيرورة؟ لكن، إذا جوبهت دعوة العروي التاريخوية بالنقد والتحفظ، فإن دعوته إلى تبني قيم عصر الأنوار ما زالت حية ومعاصرة. وإذا كانت الحداثة البَعْدية، أي حداثة ما بعد الحداثة قد تجاوزت الأنوارية المركزية، والعقلانية المركزية، والكلمة المركزية (اللوغوقراطية) في بحثها عن آفاق جديدة بعدية للفكر، فإن العرب الذين ما زالوا في مرحلة دون الحداثة في حياتنا المستحدثة لا يمكنهم تجاوز التراث إلا بتملكه، ولا يمكنهم أيضاً تملك حداثة ما بعد الحداثة بدون تملك الحداثة بقيمها البسيطة (النهضة، الإصلاح الديني، الديموقراطية، العلم، العقل، العلمانية، القومية الخ) من دون أن تكون هذه القيم بالضرورة ختامية أو خالصة، أو ناجزة، أو مركزية وإنما كونية وحسب. من هنا فإن الخلط ما بين المدارات الثقافية في جدلية الخاص والعام يوقعنا في العَمَى النظري، فتكون الحملة على الأنوار باسم المركزية الأنوارية لا أنوارية في المدار العربي، بينما هي أنوارية جديدة في المدار الغربي. وتكون الحملة على مفهوم التقدم والتطورية باسم التطورية المركزية، مناوئة في منطوقها للنسبية والمستقبلية في المدار العربي، حيث ما زلنا تحت عتبة الإصلاح الديني والدنيوي، نعاني نهضة مفقودة وناقصة، وحداثة مفوتة وناكصة. من هنا أهمية التخلص من المرآوية في تعاطينا مع المفهوم والمعنى والمصطلح في النظر الفكري الى الذات والتراث والآخر في جدلية المعرفة. (الجامعة اللبنانية) (1) ياسين الحافظ، الهزيمة والإيديولوجية المهزومة. معهد الإنماء العربي، بيروت، ص 37.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة