رأى رئيس الجمهورية الياس الهراوي »في مؤتمر أصدقاء لبنان تجسيدا للالتزام الدولي على العموم والأميركي على الخصوص لنهوض لبنان وتجدده وطنا ديموقراطيا مستقرا ومزدهرا ومحررا من الاحتلال الاسرائيلي«، وطلب الرئيس الهراوي »من أشقاء لبنان العرب ألا يتركوا أصدقاء لبنان يسبقونهم في دعم الاعمار والتنمية في لبنان«. وتساءل »هل نلجأ الى التحكيم من أجل ان نضع موضع التنفيذ ما قرره الأشقاء العرب من دعم للبنان خاصة بعد عدوان تموز 1993 والجولة العربية التي قام بها رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة«. كلمة الرئيس الهراوي هذه، كانت في افتتاح مؤتمر بيروت حول التحكيم العربي الأوروبي الذي تنظمه الجمعية اللبنانية للتحكيم والهيئة العربية للتحكيم الدولي في جامعة بيروت العربية بحضور الأمين العام للجامعة العربية الدكتور عصمت عبد المجيد وعدد كبير من القضاة والمحامين العرب والأوروبيين المعنيين بالتحكيم وضرورة اعتماده عربيا بشكل أوسع. الهراوي وقال الرئيس الهراوي في افتتاح المؤتمر، امس، »اليوم تفتتحون مؤتمر بيروت حول التحكيم العربي الأوروبي بحضور امين عام جامعة الدول العربية الصديق الدكتور أحمد عصمت عبد المجيد وبمشاركة الجامعات العاملة في لبنان، والمحامين والباحثين والمعنيين بهذا الشأن من أقطار عربية شقيقة ومن أوروبا. وتتلاحق عندنا مؤتمرات اقتصادية ومالية وثقافية وعلمية وطبية وصناعية وتظاهرات فنية وأدبية ومعارض تكنولوجية تؤكد ثقة العالم بلبنان، انظروا من خلال ذلك الى إرادة شعب هي اكبر من كل الأعباء والتحديات، انظروا الى وطن آخذ في استعادة مكانته في العالم بفضل دولته ومبادرات ابنائه التي لا تستكين«. وأضاف الهراوي: »أيها التحكيميون: تقولون ان التحكيم قضاء خاص، وتذهبون الى التساؤل هل من الجائز ترك الحرية للأشخاص بأن يتخلوا عن القضاة التابعين للدولة لاختيار قضاة آخرين غيرهم، أو هل من الجائز ان يكون العدل امتيازا لمحاكم الدولة وحدها. ثم تأتون الى رئيس الدولة ليرعى مؤتمركم. نعم، نحن هنا لنؤكد التكامل بين محاكم القضاء وقضاء التحكيم، نحن القاضي الأول نؤكد اننا مع العدل واننا مع كل قواعد تضمن الحق والكرامة والحرية.القانون اصلا هو الحد بين الحق والباطل، بين الانصاف والظلم، وقضاة محاكم الدولة عندنا ليسوا أسرى حروف القانون بل في ضمائرهم تضيء العدالة، فأنتم في بيروت ام الشرائع، انتم في بيروت منارة العرب ونهضتهم وملتقى الشرق والغرب اهلا وسهلا بكم في جامعة بيروت العربية. الى ذلك، قال الرئيس الهراوي: »أيها المؤتمرون ان لبنان المنفتح على أشقائه والعالم، والذي تربطه اوسع العلاقات مع التجارة الدولية، يشكل ارضا خصبة لنجاح التحكيم لأن في لبنان بنية انسانية، تحتية قادرة على ان تلبي حاجات التحكيم العصري الذي يتطلب تعدد اللغات والالمام بالقوانين الدولية المقارنة. ولا يخفى ان لبنان عازم على الانضمام الى معاهدة نيويورك لتنفيذ القرارات التحكيمية لأن هذه الخطوة تسهم في تفعيل دور لبنان في استقطاب الاستثمارات العربية والدولية. ثم توجه الى أمين عام جامعة الدول العربية بالقول: »يا سعادة الأمين العام، ان نهوض لبنان هو نهوض للعرب جميعا، فبلدنا كان وسيبقى عاملا من أجل خير نفسه وخير الأشقاء والقيم الحضارية الكبرى. وبلدنا الذي عقد العزم على اعادة التعمير لا يزال ينتظر وفاء العرب بتعهداتهم تجاه دعم التنمية والإعمار. هل نلجأ الى التحكيم من اجل ان نضع موضع التنفيذ ما قرره الاشقاء من دعم للبنان؟ لا تتركوا أصدقاء لبنان يسبقون أشقاء لبنان، ارفعوا الصوت عاليا معنا لنعلن للعالم كله، لقد اصبحت في لبنان اليوم فرص أكبر للاستثمار، ان حرصنا على الاقتصاد الحر، وعلى صون المبادرة الحرة، وان تميزنا بوجود الضمانات والحصانات لرؤوس الأموال المستثمرة، اضافة الى سهولة تحركها وعوائدها بكفالة الدولة الساهرة على تأكيد هذه الميزات تشريعا وتطبيقا، ان هذه كلها تعيد للبنان وزنه المعهود في هذا المجال«. وختم بالقول: »أيها المؤتمرون قد يكون التحكيم جائزا في كل حال إلا على حساب الحق والكرامة. ان التشديد على تحصيل حقوق الأفراد او حقوق المؤسسات هو حق مقدس ولكن لا يأخذ هذا الحق المقدس إبعاده إلا حين يكتمل بضمان حقوق الدول، ان الشرعية الدولية كلها على المحك، نحن لدينا القرار 425، والنجاح في تطبيق القرارات الدولية هو نجاح للشرعية الدولية، والاستمرار في تعثر تطبيق القرارات الدولية هو سقوط للقانون وللمحاكم ولهيئات التحكيم. نحن مع السلام العادل والشامل، ولسنا نحن من يعيق هذا السلام القائم على تطبيق القرارات الدولية ومبدأ الأرض مقابل السلام، كفى مناورات وبالونات اختبار، مرة لبنان اولا، ومرة اقتراح قوات عربية تحل محل الجيش الاسرائيلي. لتنسحب اسرائيل وجيشنا اللبناني قادر على اداء دوره حسب ما ينص القرار 425. هل يكون من قبيل الصدفة ان تطلق اسرائيل تهديداتها واعتداءاتها في لبنان وضد لبنان كلما خطا لبنان خطوة في مسيرة نهوضه الداخلي أو كلما أقدم العالم على دعم برامجنا الإعمارية، يا رجال القانون والضمير، انقلوا الى دولكم وشعوبكم، ان بيروت منارة التحكيم والحكم بالقانون والعدل، بيروت رائدة الحداثة والتنوير في هذا الشرق تناديكم، اجعلوا العصر الجديد عصر الحق، فإن الظلم طريق الظلام«. عبد المجيد من جهته، رأى أمين عام الجامعة العربية عصمت عبد المجيد »ان ممارسات واستفزازات الحكومة الاسرائيلية وتوسعها في بناء المستوطنات لا تنبئ برغبة حقيقية في المضي قدما نحو الالتزامات والتعهدات التي سبق ان وقعتها إسرائيل«. وعن موضوع المؤتمر قال عبد المجيد: »انه ينعقد في ظل مرحلة تختلف جذريا عما سبقها، مرحلة تقوم على التجمعات والتكتلات الاقتصادية الكبرى وتستند في تفاعلاتها على الالتزام بأحكام المنظمة العالمية للتجارة«. وأثنى على الجهات المنظمة للمؤتمر لإشراكها الجانب الأوروبي في مداولاته ومناقشاته. وأضاف: »من هذا المنطلق فإن جامعة الدول العربية تسعى بكل قوة الى توحيد جهود منظمات التحكيم العربية وتشجيع التعاون بينها باعتبارها أجهزة متخصصة، تسهم بدور فعال وأساسي في مجال تشجيع الاستثمار والتجارة الدولية في المنطقة العربية«. وأشار عبد المجيد »الى ان المؤتمرين في دبي تحت عنوان التحديات الاقتصادية للعالم العربي في 9 كانون الثاني 1995 أعربوا عن أملهم في ألا تبقى مراكز التحكيم العربية محظورة على الشركات الأوروبية في تجارتها مع البلاد العربية، وأوضحوا ان الدول العربية عانت في الماضي من الطابع التحيزي ضد مصالحها في القضايا التحكيمية التي كانت تنظر أمام هيئات التحكيم الأجنبية، وقد آن الأوان لكي يفصل في القضايا التحكيمية العربية محكمون عرب وعلى أرض عربية«. حنا أما وزير الدولة الياس حنا فقال: »عمّ التحكيم معظم الدول التي وضعت اتفاقات ومعاهدات تنص على الاعتراف بالقرارات التحكيمية الصادرة على أرض دولة ما، وطرق تنفيذها في دولة أخرى. وأهم هذه، اتفاقية نيويورك في 10 حزيران 1958 التي قرر لبنان إبرامها والانضمام إليها، والاتفاقية الأوروبية حول التحكيم التجاري الدولي (جنيف 21 نيسان 1961). إن قانون أصول المحاكمات المدنية الحالي، أفرد ستين مادة للتحكيم، وتبسّط المشترع في شرح وتفصيل آلية التحكيم في النزاعات القابلة للصلح والناشئة عن عقود مدنية وتجارية اتفق أطرافها في حال المنازعة على حلها بالتحكيم. ويقتضي التذكير باختصاص غرف التجارة والصناعة لجهة قبولها فض المنازعات التي يعهد بها اليها الفرقاء عن طريق المصالحة الحبية أو بطريق التحكيم حسب الأصول. وبذلك يكون التحكيم، في المنازعات الناشئة عن العقود المدنية والتجارية وفي الميدانين الداخلي والدولي للعلاقات، اتخذ بعدا وعمقا جديدين كانا وراء هذا النهوض الذي بدأنا نستسيغ ثماره«. وقال الوزير حنا أيضا: »وهكذا أصبح التحكيم هو الأداة الطيعة والمؤاتية لتطبيق هذه المبادئ القانونية الدولية. كما بات مؤسسة للمصالحة والسلام، يكسر من حدة النزاعات القضائية ويسهل المصالحات للصناعيين والتجار. وبهذا صح قول العلامة كلاين Klein: »لا نستطيع أن نتصور الاقتصاد العصري دون تحكيم«. الحجيلان أما رئيس نظام التحكيم العربي الأوروبي، صلاح الحجيلان فقال: »يهالنا ان بعض الأجهزة المحلية تحرق الجهد والوقت في مناطحة الهيئات التحكيمية العالمية ومحاولة منافستها، لأن تلك المنافسة لا مبرر لها في عالمنا الحالي الذي تداخلت حدوده الاقتصادية كما اننا بصدد هيئات قديمة وراسخة لها خبراتها فالأجدر بأجهزتنا العربية ان تقيم سبلا من التعاون معها«، وأضاف الحجيلان: »نجذب الانتباه الى ان يقال الصلح بالتحكيم عناية المؤتمرين باعتباره سيد الأحكام، ومن بينها أيضا ان الاختيار الارادي للمحكمين وهو سمة مميزة للتحكيم، مع التساهل الواقع حاليا في إعداد جداول المحكمين هو في نظرنا اغتيال لمصداقية التحكيم العربي«. الأحدب وقال رئيس الهيئة العربية للتحكيم في افتتاح مؤتمر التحكيم العربي الأوروبي: »لم تعد الدعوى مقبرة النزاع بل وسيلة حله سريعا، التحكيم ليس سرعة فحسب بل هو ثقة، وليس ثقة فحسب بل أصبح على صعيد التجارة الدولية المحكمة التي فيها مفهوم العدالة عند كل الأطراف، ليس صحيحا ان التحكيم هو محاكم الدول الصناعية التي يأتون بها لدول العالم الثالث لتحكم الفقراء لصالح الأغنياء، ان التجارة الأوروبية قبل ان تخرج من بلادها تمر بشركات تأمين التوظيف في الخارج (مثل كوفاس في فرنسا) ولا يؤمن عقد إلا اذا تضمن شرطا تحكيميا، وامر ان يكون او لا يكون العقد يصبح امر التحكيم. ولذلك، اكثر من عشر مراكز للتحكيم التجاري نشأت في البلاد العربية، ابرزها مركز القاهرة الاقليمي للتحكيم التجاري الدولي. وآخرها مركز التحكيم اللبناني التابع للجمعيات اللبنانية، اكثر من عشر دول عربية قد انضمت الى معاهدة نيويورك لتنفيذ الاحكام التحكيمية، وباقي الدول العربية في طريقها الى ذلك. اذا هل يمكن ان نقول ان التحكيم هو سلاح وان اسباب ازدهار التجارة الدولية والتوظيف الدولي في امان، اخشى ان اقول: لا. ومؤتمرنا مدعو للجواب على اي تحكيم نريد؟ فلا نريده تحكيم الاثرياء يحكمون الضعفاء، لا لتحكيم المتحضرين يحكمون المتخلفين ولا نريده اطلاقا تحكيم الاجانب والغرباء، تحكيما اوروبيا للتجارة العربية«. أبي اللمع واعتبر رئيس الجمعية اللبنانية للتحكيم، النقيب سمير ابي اللمع: »ان عمر التحكيم من عمر القضاء، ومن اجل عالم اقل جهلا وحروبا على عتبة القرن ال21 لا بد من تحكيم فاعل، وهو الذي لم يجد التجاوب الكافي بعد في العالم العربي، ولبنان الباحث عن استثمارات دولية معني اولا بدعم التحكيم وايجاد مرجعياته، ومعني ايضا بالانضمام الى المعاهدات الدولية وأبرزها معاهده نيويورك للتحكيم والالتزام بالنماذج الموحدة لذلك في الغات (منظمة التجارة العالمية)«. وشدد ابي اللمع »على ضرورة اعتماد بيروت مركزا للتحكيم الدولي والعربي، والبروتوكول الذي وقعته الجمعية مع مركز القاهرة للتحكيم الدولي للتجارة ووزارة العدل الكونية هو بداية تعاون تثمر في هذا الاتجاه، الى ذلك، لا بد من تحديث القوانين في لبنان وورشة ذلك من اهم انجازات الدولة حاليا في لبنان«. دياب وقال رئيس الجامعة اللبنانية اسعد دياب، »ارتبط تنامي دور التحكيم بنمو التجارة الدولية والتبادل التجاري بين الشعوب وازدهر بازدهار هذه التجارة ولذا رافق التقدم الهائل الذي خطته التجارة الدولية في القرن العشرين تقدما بارزا على صعيد التشريعات الخاصة بالتحكيم، فحققت التشريعات والاتفاقيات الدولية ثورة قانونية لحقت بثورة التجارة الدولية وأدركتها ووضعت نفسها في خدمتها لما فيه خير وازدهار ورفاه الانسان«. وأضاف دياب: والحديث عن التحكيم الدولي يطول اصلا، فكيف اذا كنا مع عتبة القرن الحادي والعشرين وكانت ظاهرة تخطي الحدود احدى سمات هذا العصر، على الاقل فيما يتعلق بالمصالح الاقتصادية ومن ضمنها بالتأكيد المصالح التجارية. ونحن نعلن كجامعة لبنانية مواكبتنا الحدث، خاصة وان موضوع التحكيم مرشح لأن يحتل في مناهجنا مرتبة مستقلة«. وألقى كلمة رئيس جامعة بيروت العربية الدكتور ابراهيم شيحا الذي قال: »ان هذا الموضوع يحتل اليوم المكانة نفسها التي كان يحتلها موضوع آخر شغل به الفقه القانوني منذ امد ليس ببعيد، الا وهو موضوع التفضيل بين نظام القضاء الموحد المطبق في الدول الانجلوسكسونية، ونظام القضاء المزدوج المطبق في الدول اللاتينية. وموضوع التحكيم لا يقل شأنا وأهمية عنه بل لعله يفوقه اهمية اذا ما اخذنا في الحسبان ظاهرة بطء التقاضي وتعقد اجراءاته فهو السبيل الى ادخار جهد المتقاضين ناهيك عن تخفيف العبء الواقع على كاهل المحاكم الناتج عن تكديس المراجعات القضائية«. جلسات العمل وعقدت جلسات عمل بعد الافتتاح، الاولى كانت حول »انواع التحكيم في الدول العربية« برئاسة الرئيس الفخري لمحكمة لندن للتحكيم مايكل كير وتحدث فيها كل من: الاب بولس عقل (لبنان)، ناصر نصر الله (الكويت)، صالح الحجيلان (السعودية)، حسين البحارنة (البحرين)، شبلي الملاط (لبنان)، هاني دوبدار (جامعة بيروت العربية). اما الحلقة الثانية فكانت برئاسة فيليب بوشار، بروفسور في جامعة السوربون الباريسية، وحاضر فيها كل من: وائل طبارة (لبنان)، خالد الكاديكي (ليبيا)، يحيى الجمل (مصر)، حميد الأندلسي (المغرب)، حلمي حجار (لبنان)، نايلة قمير عبيد (لبنان). ويتابع المؤتمر اليوم الخميس اعماله في جلستي عمل، الاولى حول الصيغ التنفيذية للقرارات التحكيمية، والثانية حول تقييم التحكيم العربي الأوروبي.