بالتعاون ما بين الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية المصرية والهيئة الالمانية للتبادل العلمي (DAAD)، شهدت القاهرة ندوة عقدت بين 2119 تشرين الثاني الماضي تناولت تاريخ العلاقات المصرية الالمانية على مدى القرنين التاسع عشر والعشرين. وقد شارك فيها ستة عشر من الاساتذة الالمان والعرب وتمحورت حول موضوعات ثقافية وسياسية واقتصادية. صورة مصر في عيون الرحّالة الألمان افتتحت اعمال الندوة بمداخلة للدكتور اوفي بفولمان بعنوان »مصر في عيون الرحالة الالمان خلال القرن التاسع عشر«، وبعدما تناول الباحث الخلفيات الوظيفية والاجتماعية والفكرية لهؤلاء الرحالة من علماء ومستكشفين وأطباء ومبشرين وتجار وعسكريين وغيرهم وتأثيرها على تقاريرهم، رأى ان استطلاعاتهم عن الاوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والدينية والثقافية والصحية لم تكن مدفوعة بغايات استعمارية بل بمصالح شخصية وعلمية، ورسمية ايضا، من دون ان تكون تحت تأثير استغلال سياسي، فرصدها مركزا على فترة حكم محمد علي باشا والعقد السابق على الاحتلال البريطاني لمصر. فتطرق الى الرحالة الالمان الذين قصدوا مصر أبان حكم محمد علي وعملوا في خدمته او وضعوا تقارير عن ادارته وتسامحه تجاه الاجانب. وفي هذا المجال ذكر الكونت انطون فرانس فون بروكش اوستن، الذي توسط في الحرب بين محمد علي واليونان وبين محمد علي والدولة العثمانية وسجل استطلاعاته عن الشرق في سلسلة من الاعمال. ثم لفت الباحث الانتباه الى تقارير الرحالة التي تناولت الازمة السياسية المالية التي عاشتها البلاد بين عامي 1878 و1879 وتسريح الضباط المصريين ومظاهرتهم وتدخلات كل من بريطانيا وفرنسا في شؤون البلاد الداخلية من خلال وزيريهما في الحكومة المصرية وان مفاوضات الخديوي اسماعيل مع هاتين الدولتين لا تضع مصلحة مصر في الدرجة الاولى، وبالنسبة لألمانيا، نقل عن التقارير ترؤس الماني المحاكم المختلطة في مصر وأن تلك الدولة تحظى على الاحترام، لكنها لا تسبب قلق المصريين بسبب عدم اهتمامها بالمسألة الشرقية. إستغلال الإسلام للتغلغل في شرق أفريقيا حول الموضوع الاول حاضر الدكتور محمد عبد الرحمن برج من جامعة المنوفية ورأى ان الاوضاع في اوروبا بعد عام 1871 هي التي جعلت بمسارك يوجه انظار الدول الاستعمارية الى ممتلكات الدولة العثمانية لإشغالها في صراعات على اطراف القارة الاوروبية. وفي هذا المجال، رحب بسمارك بشراء بريطانيا اسهم مصر في قناة السويس. وباندلاع الازمة البلقانية عام 1876، اقترح على الانكليز ان يقابلوا حذو روسيا للاستيلاء على المضائق والاشراف على الاستانة بالسيطرة على مصر وقناة السويس وان يعترفوا بتفوق فرنسا في سوريا لقاء عدم معارضتها هيمنتهم في مصر. وقد توافقت سياسة بسمارك في تقسيم الدولة العثمانية مع اندلاع الحرب الروسية العثمانية عام 1877 وعرض نوبار باشا، رئيس وزراء مصر،، على بريطانيا فرض حمايتها على بلاده وتحذيره اياها من ان انهيار الدولة العثمانية امام روسيا سيجعل الدولة الاخيرة تحتل المضائق والاستانة وتندفع في آسيا الصغرى لاحتلال ارمينيا والتقدم عبر فارس الى منابع دجلة ومن ثم تهديد الخليج، اي مصالحها مع الهند. وقد علق بسمارك على اقتراح نوبار بأنه »معقول جدا«. وما لبث بسمارك ان كرر »عروضه« السابقة على بريطانيا اثناء انعقاد مؤتمر برلين عام 1878 وشجع فرنسا على احتلال تونس لتوجيه طاقاتها خارج القارة الاوروبية. وبعد احتلال بريطانيا لمصر عام 1882، عاد بسمارك عن تشجيعه لها جاعلا من المسألة المصرية ومعارضة كل من روسيا وفرنسا لهذا الاحتلال وتقارب الدولة الاخيرة اليه اثناء حكومة جول فري، سوطا مسلطا عليها ليسبب المزيد من عزلتها، وليبتزها ايضا بالحصول منها على اعتراف بسياسته الاستعمارية في العالم بعامة وفي افريقيا بخاصة وبانتهاء »شهر العسل« الالماني الفرنسي بوصول فريسبنه الى السلطة في حزيران 1885 حصل تقارب بين المانيا وحكومة المحافظين في بريطانيا، وكان هدف بريطانيا من هذا التقارب الخروج من عزلتها الاوروبية والاعتماد على المانيا لمناهضة كل من فرنسا وروسيا وللابقاء على احتلالها لمصر. وحول مسألة استغلال المانيا الاسلام للتغلغل في شرق افريقيا (زنبجار)، حاضر الدكتور عبد الرؤوف سنو (واضع التقرير). فبين ان بسمارك حاول خلال عام 1886 الاستفادة من النفوذ الديني للسلطان العثماني (خليفة) في سبيل تسهيل تغلغل بلاده الاستعماري في شرق افريقيا متسترا وراء الرغبة في تعزيز تجارة بلاده في المنطقة. واستجابة لهذه »الرغبة«، بعث السلطان عبد الحميد الثاني برسالة الى برغش، سلطان زنبجار، ناشده فيها باسم »الجامعة الاسلامية« التي تربط ما بين بلديهما ان يسهل نشاطات الالمان التجارية في بلاده والتي هي »... مجردة عن شؤون سياسية«. وقد اثبت الباحث ان غايات المانيا الاستعمارية في شرق افريقيا تجاوزت مسألة التجارة الى سيادة سلطان زنبجار على اراضيه، حيث قامت وبريطانيا بعد شهرين على رسالة السلطان عبد الحميد (20 ايلول 1886) بتحجيم ممتلكات السلطان برغش في شرق افريقيا. الحركة الوطنية المصرية وألمانيا قُدمت الدراسة الاولى (الحركة الوطنية المصرية والمانيا دور منصور رفعت) من قبل الدكتور الالماني غرهارد هوب الذي اعطى تحليلا دقيقا لعلاقة منصور رفعت، احد مؤسسي الحزب الوطني (المصري) مع السلطات الالمانية خلال السنوات التي قضاها في المنفى بالمانيا (19251914). وقد انطلق الباحث في مستهل دراسته من ان الحركة الوطنية المصرية سعت قبيل الحرب العالمية الاولى وأثنائها وفي اعقابها الى الاستفادة من العداوة بين المانيا وبريطانيا لتحقيق تحرير بلدها من الاحتلال بواسطة الدولة الاولى انطلاقا من المثل القائل »عدو عدوي صديقي«. وانسجاما مع ذلك، استقر عدد من الوطنين المصريين في سويسرا وألمانيا حيث اخذوا يعملون من هناك ضد الاحتلال البريطاني. وفي هذا الاطار القى الباحث الضوء على المعاناة التي وقع فيها منصور رفعت في المانيا: بين رغبته في التوفيق بين مبادئه لتحرير مصر من الاحتلال البريطاني من خلال العمل السياسي او استخدام العنف وعدم عودتها الى حكم الخديوية او الى الحظيرة العثمانية، وبين الواقع على الارض في المانيا، حيث وجد ان تلك الدولة لا تلعب دورا في تحرير بلاده وتتحالف مع الدولة العثمانية التي يمقتها، فضلا عن انها تحاول استغلال الوطنيين العرب في استراتيجيتها لاحداث ثورات وحركة »جهاد« ضد الحلفاء. وتحدث الباحث عن استقطاب »وكالة اخبار الشرق« (Deutsche Nachrichtenstelle fur den Orient) التي كان يرأسها المستشرق ماكس فون اوينهايم، منصور رفعت للعمل معها وإصدار المنشورات والكتيبات الدعائية ضد بريطانيا. لكن فشل الحملتين الالمانية العثمانية على السويس في شباط 1915 وآب 1916 اعاده الى »رشده«، فانتقد المانيا علانية بأنها لا تبيع سوى الكلام، وطالب السلطان العثماني بالتخلي عن سيادته على مصر، لأنها على حد تعبيره هي »ملك للشعب المصري« والرئيس الاميركي ويلسون بألا ينسى المصريين في نضاله لأجل تقرير الشعوب مصيرها. ورأى الباحث ان مطلع عام 1917 لم يشهد خروج منصور رفعت على الالمان والعثمانيين فحسب، بل على حزبه ايضا وتأسيسه حزبا منشقا بعد انتقاده محمد فريد بأنه لا يعمل للحصول من الالمان والعثمانيين على تصريح واضح حول مستقبل مصر. ولم يعد ما يجمعه مع حزبه السابق سوى العداء المشترك لسعد زغلول. ورأى هوب ان تحركات رفعت بين عامي 1924 و1925 ضد السياستين البريطانية في السودان والاسبانية في الريف المغربي، وليس آخرا، انتقاده الشرطة الالمانية بأنها تسيء معاملة الطلبة واللاجئين المصريين، جعلت كل هذه الامور السلطات الالمانية ترحله الى النمسا حيث قضى منتحرا. وحول محاولة اغتيال سعد زغلول في 12 تموز 1924 من قبل عبد اللطيف عبد الخالق الدبشان احد اعضاء الحزب الوطني والطالب في جامعة برلين، توصل الباحث اليمني محمود قاسم ومن خلال الوثائق الالمانية والبريطانية الى نتائج مهمة، وهي ان الفاعل كان مدفوعا بعامل شخصي، وان الحزب الوطني لا علاقة له بموضوع الاغتيال مباشرة او غير مباشرة وكذلك المانيا، وان الخديوي عباس حلمي لم يخطط او يشارك في تلك العملية، كما جاء في احدى حلقات التحقيق. مصر وألمانيا خلال الحربين العالميتين حول اوضاع الالمان في مصر، حاضر الباحث الالماني البرشت فوس فذكر ان الازدهار الذي عايشته الجالية الالمانية في مصر حتى الحرب العالمية الاولى سرعان ما تلاشى باندلاع تلك الحرب وتعرضها الى مصادرة ممتلكاتها والى الاعتقال والترحيل. ثم تطرق الباحث الى الظروف غير المناسبة التي عاشها الالمان المصريون اثناء الحرب وفي اعقابها، عندما اجبرت دولتهم كدولة مهزومة على التخلي عن »الامتيازات« التي كانت تتمتع بها في مصر اسوة بالدول الاجنبية الاخرى. ورأى ان معاهدة عام 1925 بين المانيا ومصر التي سمحت للدولة الاولى ممارسة قضائها القنصلي انعكست ايجابا بشكل عام على وضع الالمان المصريين وادت بالتالي الى تطبيع العلاقات بين الدولتين والى عودة الشركات الالمانية الى مصر. وفي هذا المجال ابرز تقاضي الامبراطور الالماني السابق وليم الثاني مع احد الالمان المصريين امام المحاكم المختلطة المصرية لخلاف حول عقار في المانيا. وبعد الاجراءات الالمانية ضد اليهود في المانيا عام 1933 وقيام اليهود المصريين بمقاطعة السلع الالمانية احتجاجا ورد الجمعية الالمانية في القاهرة على ذلك بمهاجمة اليهود في المانيا عبر منشورات، تقدم اليهود المصريون بشكوى الى المحاكم المختلطة في مصر ضد الجمعية الالمانية بتهمة القدح والذم ونشر التعصب العرقي والاخلال بالنظام. لكن تهديد القطاعات الاقتصادية الالمانية بتحريض من الحكومة الالمانية بمقاطعة القطن المصري، جعل مصر تسعى لكسب ود المانيا، فيما تولت الصحافة المصرية مهاجمة اليهود المصريين بتهمة الاضرار بالاقتصاد المصري. وفي هذا المناخ صدر حكم المحكمة بأنه لا يمكن اعتبار منشور الجمعية الالمانية المتعلق باليهود في المانيا اهانة ليهود مصر. وحتى الحرب العالمية الثانية استفاد الالمان المصريون اقتصاديا من حلول دولتهم في المرتبة الثانية بعد بريطانيا في التجارة الخارجية لمصر. لكن اشتعال الحرب العالمية مجددا، جعلهم يتعرضون الى المصير نفسه الذي تعرضوا اليه اثناء الحرب العالمية الاولى وفي اعقابها. وعلى الرغم من استعادة الجالية الالمانية في مصر فعاليتها بعد الحرب، الا انها لم تعد الى ما كانت عليه في فترة ما بين الحربين العالميتين. وحول مسألة تهريب المانيا الملك فاروق من مصر عام 1942، حاضر الباحث والصحافي الالماني يوليوس فالدشميدت، فذكر انه بعد سقوط طبرق بيد الالمان في حزيران 1942 بدأت استعدادات المحور للزحف على مصر. وفي هذا الاطار، حصل سباق للاستحواذ على الملك المصري: بين المانيا التي كانت تراه متعاطفا معها وتعتبر ان وجوده بين قواتها الزاحفة على مصر سيكون له فائدة قصوى، وبريطانيا، التي كانت تشك فيه واخذت تفكر في خلعه ونقله خارج مصر في حال نجاح المحور في التقدم الى الاراضي المصرية، وفي 29 حزيران عام 1942 حاكت المانيا خطة لتهريب الملك من مصر بالاتفاق مع مفتي فلسطين الحاج امين الحسيني، بعد ان يتم ابلاغه بذلك سرا بواسطة صهره ذو الفقار باشا. ولانجاح هجومها على مصر بقيادة الجنرال روميل واقناع الملك بنواياها الطيبة، صدر عن دولتي المحور المانيا وايطاليا في 2 تموز تصريح مشترك اكد على استقلال مصر وعلى مبدأ ان »مصر للمصريين« وان دخول قواتهما الى مصر ليس باعتباره بلدا معاديا، بل لطرد الانكليز منه. وعلى رغم تعاطف الملك فاروق مع المانيا وقيامه بتزويدها بالمعلومات العسكرية عن القوات البريطانية في بلاده وخططها، الا انه رفض العرض الالماني وفضل الاختفاء في مكان سري بمصر عندما تصبح القوات الالمانية على وشك دخول القاهرة. ولتحديد لحظة الاختفاء المناسبة، طلب الملك ان تعطيه الحكومة الالمانية اشارة خاصة (سورة قرآنية) تبث من اذاعة برلين. لكن كل هذا لم يحصل، اذ الحقت بالمانيا هزيمة كبيرة عند العلمين في تشرين الاول 1942. (*) أستاذ في الجامعة اللبنانية.