{ تحدث الناس طويلا عن مشروع كتابك »معجم اسماء الأسر والاشخاص« فما هي المفاجأة فيه؟ هذه المفاجأة تتجلى في ان اللبنانيين الذين يقيمون الآن في لبنان ليسوا في اصولهم البعيدة من هذا البلد، بل هم من بلدان مجاورة بعضهم من اليمن وشبه جزيرة العرب وبعضهم الآخر من العراق وبلاد ما بين النهرين. وهم في غالبيتهم يتحدرون اما من قبائل العرب التي امت سوريا واستقرت حقبة في حوران وفي حمص وحماه وما جاورهما ومنها نزحت الى لبنان وهذا يصح على المسيحيين على اختلاف مذاهبهم، واما من قبائل عربية اخرى تمذهبت بمذاهب قاومتها السلطات الحاكمة واصطدمت بها ففرت من وجهها ولجأت الى جبال لبنان واقامت فيها، وهذا يصح على الموحدين الدروز والشيعة الذين هم من بقايا الاسماعيليين والقرامطة الذين اقاموا لهم سلطة في البحرين وحكموا سوريا وجانبا من بلاد الشام وتركوا اثرا في لبنان يبرز في تسميتهم بعض القرى باسماء قراهم في منشأهم من مثل المختارة والعبادية وعين دارة. لا يشذ عن هذه المقولة غير سكان المدن وسواحل لبنان الذين هم في القسم الاعظم منهم خليط من اجناس كثيرة منها التركي والكردي والقفقاسي والشركسي والارمني والالباني الى جانب عدد ممن جاؤوا الى لبنان من المغرب والاندلس وسائر ثغور البحر المتوسط او تركهم وراءهم الصليبيون الذين حكموا هذه البلاد فترة او اموا هذه البلاد للتجارة. تعدديات { افلا ترى ان في قولك هذا ما يتناقض مع ما يجمع عليه كثير من الدارسين وهو ان لبنان مجتمع تعددي وتعدديته من اهم مميزاته؟ لا نكران في ان المجتمع اللبناني مجتمع تعددي ولكن التعددية فيه تعددية طوائف واديان ومذاهب لا تعددية عناصر واصول. فالعناصر والاصول فيه عناصر واصول سامية عربية بما فيها العنصر الكنعاني او الفينيقي. ومن يشأ التثبت من ذلك، فليرجع الى الكتاب وليقرأ تواريخ الأسر، ويتبين اصل منشئها ومن اين جاءت وكيف، وبعدها فليخاطبني في ما قلته ويناقشني في صدقية مصادري ومراجعي، وليكن السجال بيننا بهدف الوصول الى الحقيقة لا الانطلاق من نظريات التعصب والايديولوجيا القائمة حول فينقة لبنان وعروبته وصلته بالغرب من دون الشرق، ان لبنان فينيقي بمقدار ما هو عربي... والعروبة ليست هي الاسلام كما توهم بعضهم وبنى نظريته على هذا التوهم، والمسيحية لها جذورها في سائر انحاء الجزيرة، والعرب جاؤوا الى لبنان قبل الفتح الاسلامي فمنهم الايطوريون او العياطرة، اذين يعرف عنهم كما في (سفر التكوين) انهم جيل من العرب استولوا على لبنان وحكموه طوال قرن كامل قبل الغزو الروماني. وكانت عاصمتهم عنجر واكبر معاقلهم في برمانا، واحتلوا بعض نواحي طرابلس وهددوا جبيل وبيروت، ومنهم الانباط والمناذرة والغساسنة الذين اليهم ينتسب عدد كبير من العائلات اللبنانية. { على ذكر المصادر والمراجع هل يمكن ان تذكر لنا اهم ما اعتمدت عليه منها؟ مصادري ومراجعي كثيرة استغرقت تسع صفحات من الكتاب، وهي تنقسم الى خمسة انواع: اولا: دليل الهاتف الذي استعنت به على وضع فهرس عام باسماء الاسر والاشخاص. ثانيا: كتب التاريخ العامة امثال »اخبار الاعيان في جبل لبنان« لطنوس الشدياق، و»تاريخ الامير حيدر«، و»تاريخ سوريا« للمطران الويس وكتاب »اصدق ما كان في تاريخ لبنان« لطرّازي و»المقاطعة الكسروانية« للاب حتوني و»تاريخ جبل لبنان« للعينطوريني وغيرها وغيرها. ثالثا: تواريخ بعض الاسر ومن اهمها: »دواني القطوف« لعيسى المعلوف و»الاخبار الشهية عن العيال المرجعيونية« لحنا الحردان و»دروز بيروت« للدكتور سليم الهشي، ومعجم اعلام الدروز لمحمد خليل الباشا واعيان الشيعة لمحسن الامين. رابعا: تواريخ بعض القرى والمدن: »تاريخ العاقورة« للويس الهاشم و»تراجم علماء طرابلس وأدبائها« لعبد الله نوفل و»الموسوعة اللبنانية المصورة« لطوني مفرج و»تاريخ صيدا الاجتماعي« لطلال المجذوب و»تاريخ بشعلة وصليما« للبشعلاني و»تاريخ بعبدات وأسرها« لنعمة الله الملكي و»كشف النقاب عن قرطبا والانساب« للسخني و»تاريخ الكفور« للخوري ابي صعب و»تاريخ جزين« لسعيد رزق. خامسا: المقابلات الشخصية والاطلاع على شجرات العائلات وسجلات بعض البلديات وبعض المحاكم الشرعية والرجوع الى بعض الكتب المخطوطة امثال تاريخ بشري للخوري فرنسيس رحمة. الاسر والعائلات { ورد في عنوان الكتاب كلمتا الاسر والعائلات كيف تفرق بينهما؟ الاسر جمع الاسرة وهي عندنا بمعنى العائلة او العيلة والعشيرة والعترة والقبيلة والبيت لم نفرق بينها وهي تدل على مجموع الافراد الذين هم من دم واحد واصل واحد وجد واحد. وتقسم الاسرة الى اصول وفروع فالاصل هو الجد الاصلي العام الذي تسمى الاسرة كلها بأسمه او بلقبه او بكنيته، وكل فرد لا يتحدر من هذا الاصل ولا يرتقي بالتسلسل الى الجد الاعلى الجامع لا يكون من الاسرة. والفرع او الجب هو الجد لقسم من الاسرة الكبرى اتخذ اسما غير الاسم الاصلي. وهذا الفرع قد يصبح كالاصل لما بعده من الفروع الصغيرة التي تتألف من البيوت والافراد، فيكون كأصل الشجرة والفروع الكبيرة كجذوعها والصغيرة كأغصانها. ولنضرب على ذلك مثلا آل الهاشم فهؤلاء لا يزال بعضهم يحمل اسم الجد الاصلي هاشم اسم شهرة له وبعضهم يحمل اسم جد آخر هو من السلالة الهاشمية ولكنه اتخذ له اسم شهرة غير الاسم الاصلي فالاولون يعتبرون هم الاصل الذي يؤلف جذع الشجرة والباقون يعتبرون من فروعها واغضانها. ومثل آل هاشم آل الحلو فهؤلاء حافظ بعضهم على اسم شهرة جدهم الاعلى جمعة الحلو امثال الرئيس شارل حلو وفرج الله الحلو ويوسف خطار الحلو... وبعضهم حمل اسم جده الادنى وهو فرع منهم آل كيروز وآل حنا الضاهر وبيت الغريب في دير القمر وبيت البعقليني في الشوير والشبانية والحدث وبيت الخروي في بكاسين وبيت ابو فاضل في البوشرية وغيرها وبيت لطفي وابي شقرا في مزرعة الشوف، وهناك فروع الفرع الذين منهم آل مخلوف في اهدن وسعادة في دردوريت والشاويش في دير القمر. { هل من خطة اتبعتها في تأليف الكتاب؟ رتبت الاسماء ترتيبا هجائيا الالف ثم الباء ثم التاء الى آخره، وبينت اللغة التي اخذ منها الاسم ومعناه فيها واصل اشتقاقه، واشرت احيانا الى من تسمى به من الاعلام قديما وحديثا، وعند الكلام على كل اسرة اغنيت كتابي بايراد من سمي باسمها في تاريخ العرب ومعاجم قبائلهم وبينت ما اذا كانت لها صلة نسب بهذه القبائل، وشفعت عملي بذكر المشهورين من ابناء كل اسرة واعيانها ممن هم من ذوي العلم والادب او من اصحاب الرتب السياسية والاجتماعية والدينية، ولم اغفل ذكر العلاقات بين الاسر وهي علاقات انكشف لي من خلالها ان الاشتراك بالاسم او اللقب او الكنية او المحل او الصناعة واشباهها ليس دائما بالدليل القاطع على اتصال اسباب النسابة وكذلك ليس اختلاف الطوائف والشهرات دائما ببرهان واضح على انقطاع اواصر القربى. المثال على القسم الاول اسم الشهرة الخوري الذي يطلق على اسر كثيرة لا قرابة بينها، ومثله اسماء الشهرة باز وبعقليني وبعلبكي فآل باز في بعذران غيرهم في دير القمر وغير باز اليازجيين في بيروت وآل البعقليني منهم فرع معادي ومنهم فرع من آل الحلو. ومثلهم آل البعلبكي فهم في بيروت من آل عبد الساتر وفي عديسة من عشيرة آل علو او علوة، والمثال على القسم الثاني آل نون الشيعة في بعلبك وآل نون النصارى في مشمش فهؤلاء من ارومة واحدة وان اختلفت طوائفهم ومثلهم آل جبارة وآل الحسيني وآل شهاب وآل شلهوب وغيرهم وغيرهم. دراسة اجتماعية { اية حاجة في رأيك يمكن ان يلبيها كتابك عند الناس؟ كثيرون من اللبنانيين عاجزون عن تفسير اسمائهم وتحديد المعنى الذي يقصد بها واللغة التي اخذت منها، والاكثر منهم من لا يعرف اصل اسرته وتاريخها ومكان نشأتها ومن هم اقرباؤه من الاسر الاخرى. هذا الكتاب حاول ان يسد هذه الحاجة بالمقدار الذي سمحت به الظروف وبالطريقة التي شرحناها قبل هذا الكلام. اما فائدته فهي جزيلة في كل مجال من مجالات العلوم الانسانية اللغوي منها والتاريخي والاجتماعي والاثنولوجي ايضا، ذلك انه بما هو سجل لاسماء الاسر والاشخاص فهو يؤلف تراثا لغويا لا يقل عن مستوى المفردات الاخرى، تفيد منه العلوم اللسانية ويفيد منه تاريخ اللغة من حيث انه يضم مجموعة من اللغات القديمة التي لا تتمثل في اللغة المعاصرة وهو بما هو بحث عن اصل الانسان ذو فائدة في علم الانساب، وله دلالات تاريخية، فهو، بما هو سجل لتاريخ الاسر، سجل لتاريخ الامة والوطن، لانهما يتألفان من مجموع الاسر، ومن الاسماء فيه ما يحمل في طياته بصمات حضارة خلت لا تقل دلالتها عن دلالة الاثار والنقوش ومنها ما يعكس اثار كل الدول التي حكمت بلادنا وخصوصا الحكم التركي والحكم الفرنسي، ويسجل المصطلحات والالقاب التاريخية وينبئ بنفسية شعبنا وذهنيته الاجتماعية وذوقه وسلم القيم في العصر الذي تكونت فيه اسماء الناس وكناهم والقابهم وبذلك يبدو نوعا من انواع الدراسة الاجتماعية والثقافية والفكرية للمنطقة التي يتحدث عنها وليس مجرد سرد مفهرس لاسماء الناس. { بم يتميز كتابك بالنسبة الى الكتب الاخرى التي تناولت الموضوع نفسه؟ ان ميزة هذا الكتاب بالنسبة الى الكتب المشابهة تكمن في استقصائيته وشموليته، ذلك ان الذين الفوا فيه ممن سبقوني الى التأليف في موضوعه ظلوا محصورين في حدود ضيقة لم يتجاوزوها الى غيرها. فاقتصروا في ما ذكروا من الاسماء على الاسماء العربية من دون الاجنبية، ومنهم من فعل عكس ذلك فذكر الاجنبي واغفل العربي. والذين عنوا منهم بتاريخ الاسر انحصرت عنايتهم على الغالب بتاريخ اسرتهم او اسر بلدتهم او ابناء ملتهم من دون الملل الاخرى، وكلهم قصر ما كتبه على سكان الجبال والارياف من دون غيرها من المناطق. وكانت نقطة ارتكازه على لبنان المتصرفية لا على لبنان بكيانه الحالي، فغاب عن مؤلفاته التاريخ لاصل سكان المدن، ولم يول احد منهم وجهه نحو شمال لبنان وبقاعه وجنوبه، والذي شاء منهم ان يعبر مما هو خاص الى ما هو عام اكتفى بذكر تواريخ اسر الاعيان والحكام فيه من دون سواها من بقية الاسر... هذا الكتاب تفاديت فيه جميع هذه النواقص، فجاء كتابا جامعا شاملا لجميع اسماء الناس وجميع اسماء الاسر في جميع انحاء لبنان، وهذه ميزته الى جانب ما فيه من دقة التحري والاستيثاق من صحة الرواية. { لا بد صادفتك اسماء غريبة، وانت تضطلع بعبء موسوعتك؟ أغرب الاسماء هي اسماء الاسر ففيها بيت الدب والدبانة والدح وعزرائيل ورق البخور وصايم الدهر والطبلية والشلفة والانتيكا والمعربس وطقوش وعتال وعتابا وعجوة والعدس والعفريت والتوم والبصل وبيت قضيب وبيت قطران وقطرميز وكمون وكوكش وكويّس وكيلو ومدقّة ومرحبا ومخلوطة ومعتر والواوي والحامض والازعر والزعتر وسيد ابوه وشوي شوي وفركوح. الاسم الحامي { ما الذي اختلف في تسمية الاهل لابنائهم بين القديم والحديث في رأيك؟ هناك بواعث عدة تختلف في القديم عنها في الحديث، ففي القديم كان الاهل يتجهون الى تسمية الطفل باسم الجد او الخال او العم حتى يحيا الاسم من جديد... وبعضهم كان يتجه في التسمية الى حماية الطفل من اعدائه، في المستقبل، فيسميه بأسد او غالب او يسميه باسماء بشعة لحمايته من العين او يعبر عما يرغب فيه وهو ان يعيش ويسعد ويسلم كما في يحيى وسعيد وسالم. واما حديثا فإن من بواعث التسمية الموضة او رنّة الاسم او الاقتداء ببطل من ابطال الكتب او الافلام والاغاني الشعبية او التسمية باسم رجل عظيم حتى يكون هذا الرجل مثلا اعلى للمولود وكثيرا ما اصبحت التسمية تتجه الى الاسماء المحايدة التي لا يعرف بها دين الولد او طائفته من اسمه. { هل انت راض كل الرضا عن عملك في هذا الكتاب؟ على تعدد مراجعي ومصادري ووفرة ما بذلت من جهود لن يدور في خاطري انني بلغت الغاية المرجوة في ما وضعته او احرزت العصمة في ما ذهبت اليه. فموضوع كتابي موضوع واسع ومتشعب يحتاج الى عمر بكامله ليستنفد فيه القول او الى مؤسسة او فريق عمل كبير لجمع مادته والالمام به من جميع جوانبه، اعرف ذلك جيدا ولست بناسيه. ولكني مضيت في تأليف الكتاب مفضلا ظهوره برغم ما يمكن ان يكون شابه من شوائب على عدم ظهوره اطلاقا، ولا يحضرني في ما انا فيه غير التمثل بقول قاله من قبل الإمام ابو حنيفة في اعقاب فتاوى افتى بها: »هذا ما افتى به ابو حنيفة ورأى انه الصواب فمن جاء بما هو اصوب منه فهو الاصوب«. حاوره: ابراهيم الليلكي