As Safir Logo
المصدر:

هيئات الطوائف والقوى السياسية:البحث عن حدود(1)

المؤلف: المولى سعود التاريخ: 1996-12-11 رقم العدد:7566

اولا: هي وريثة نظام الملل العثماني الذي عمل كسابقه من الانظمة الاسلامية (ومنذ عهد الامويين) على تثبيت كل كنيسة في المشرق العربي في اموالها واملاكها، واطلق لها وعلى رأسها بطريركها حرية ادارة شؤونها الداخلية. وقد تكرس ذلك في مواثيق وعهود بين الخلفاء من جهة وبطاركة الطوائف من جهة اخرى. وتفيد دراسة وثائق ونصوص المرحلة العباسية والفاطمية على سبيل المثال ان الخليفة وهو رأس السلطة العليا في الحاضرة الاسلامية يعترف بالقوانين الطائفية الناظمة لشؤون غير المسلمين ويصادق عليها كما يكرس في الوقت نفسه سلطان البطريرك على أبناء دينه في المجالات كافة... (راجع دراسة جورج قرم تعدد الاديان وانظمة الحكم دار النهار للنشر 1979 الصفحات 62 328) (حيث يستنتج الكاتب) »ان هذه اللامركزية المسرفة هي التي مكنت الطوائف المسيحية الشرقية من التدليل على حيوية نادرة بالرغم من ضغط المحيط المسلم وهي التي اتاحت لها المحافظة على البنى الاجتماعية القانونية والطقسية لمسيحية الازمنة الاولى... وأتاح نظام الاستقلال الذاتي الطائفي والقانوني لكل طائفة امكانية حيازة مدارسها وكنائسها وأديرتها وأملاكها الخاصة بها وتسيير شؤونها بموجب قوانينها الطائفية الزمنية والروحية والطقسية الخاصة بها كذلك. ولا غرو في مثل هذه الشروط ان يكون البيزنطيون قد فضلوا في سنة 1453 العمامة التركية على قبعة الكاردينال« (المصدر المذكور ص 269). لقد عمل العثمانيون على تكريس هذا النظام وتوطيده فصدرت قوانين وأنظمة الملل بشكل يتوافق مع اللامركزية العثمانية المشهورة. اذ يقوم توزيع السلطات في الدولة العثمانية على امساك السلطة المركزية (الباب العالي) بالأمن على حدود الامبراطورية، وبالمالية التي تتم جبايتها بواسطة الولاة المحليين. وتمنح السلطة المركزية تفويضا بسائر السلطات: فالسلطة السياسية تعطى الى حكام الولايات الذين عليهم توطيد الأمن والنظام العام وتجنيد فرق محلية تحت اشراف موظفين من الادارة المركزية خصوصا موظفي المالية. والسلطة المدنية والشؤون الاجتماعية والدينية والثقافية تفوض إلى المؤسسة الدينية اي هيئة العلماء لدى المسلمين، والبطاركة لدى المسيحيين، والحاخام الأكبر لدى اليهود. فكانت الامور الدينية والثقافية والاجتماعية خاضعة لإشراف هيئات الطوائف المختلفة مع الاحتفاظ بحيز كبير من الاستقلال الذاتي لهذه الهيئات. وجاءت مرحلة الامتيازات الاجنبية لتزيد من استقلال الطوائف وارتباطها بعلاقة خارجية تستقوي بها على الطوائف الاخرى وتتمايز معها كما تستقل بها عن التبعية للسلطة المركزية... ثم كانت اصلاحات 1839 و1856 ودستور 1876 لتحاول التوفيق بين متطلبات تحديث الدولة وتأمين المساواة لجميع المواطنين امام القانون، وبين مطالب تدعيم الامتيازات الطائفية والحفاظ على سلامة البنية السياسية الدينية للدولة العثمانية... لقد كرست »التنظيمات« التي صدرت اصلا بطلب من الدول الاوروبية، حق كل ملة بأن تقيم شعائرها بحرية مبلغاً ما بلغ عدد اعضائها. مما عنى يومذاك حق الانفصال داخل كل طائفة وهو الامر الذي كان يومها النشاط التبشيري اللاتيني والبروتستانتي داخل الطوائف المسيحية الشرقية. ولم يغير الانتداب الفرنسي شيئا في هذا النظام العثماني مع فارق واحد هام: تحول الطوائف الاسلامية الكبرى التي كانت تابعة لهيئة العلماء الى ملل مشابهة لملل المسيحيين من حيث اقرار انظمة طائفية خاصة مستقلة لها وإضفاء صفة رسمية على مؤسساتها القضائية وتزويدها بمؤسسات إدارية ذات استقلال ذاتي (الشيعة والدروز والعلويين)، مما حول الطائفة الاولى اي السنة (او طائفة السلطة العثمانية) الى ملة اخرى. وكان القرار 60ل.ر الصادر بتاريخ 13/3/1936 والقرار 53ل.ر (30/3/39) قد اعترفا بالطوائف اللبنانية وباستقلاليتها وبحقها بالتشريع والقضاء ووجود هيئات تابعة لها تتمتع بإدارة ذاتية (اوقاف مدارس مستشفيات محاكم مذهبية وشرعية مياتم مأوى عجزة الخ...). واحتفظت دولة الاستقلال بهذه الانظمة حين كرست المادة 9 من الدستور اللبناني استقلالية الطوائف المعترف بها »واحترام نظام الأحوال الشخصية والمصالح الدينية« (والمقصود كافة التشريعات الخاصة بالأحوال الشخصية كالزواج والطلاق والنفقات وأحكام الاولاد والمواريث والشعائر الدينية الخ...) اما نظام مشاركة الطوائف في الحكم والادارة (وهو المعروف بالطائفية السياسية والادارية) فقد كرسته المادة 95 من الدستور. لكن التطور الابرز في هذا المجال حدث في الخمسينيات من هذا القرن مع نشوء مجالس وهيئات وروابط طائفية تمثيلية، لها طابع سياسي، بهدف التعبير عن وجود الطائفة والمحافظة على حقوقها واعلان رأيها في كافة الامور... لقد نشأت هيئات الطوائف هذه ضمن إطار نظام الطائفية السياسية والادارية، دون تحديد واضح لصلاحياتها ولا لحدودها، ودون تنسيق بينها (غياب وزارة او مديرية عامة للشؤون الدينية وللاوقاف)... وهذه الهيئات الجديدة هي في غالبيتها مختلطة اي انها تضم رجال دين ومدنيين في صفوفها. والبعض منها يجري انتخابه والبعض الآخر تعينه السلطة الدينية العليا. ولا يتوفر حول هذه الهيئات اي وضوح ان من حيث تحديد حقل عملها او من حيث تحديد الشؤون الدينية التي قد تكون مسؤولة عنها. كما انه لا يوجد وضوح في تحديد مدى استقلالية الطوائف في شؤونها، ومدى تمثيل هذه المجالس لطوائفها. وبالتالي فإن بعض هذه المجالس او الهيئات يتمتع باستقلال كبير وله انظمة وقوانين داخلية مميزة، وبعضها الآخر لا يعدو كونه هيئات استشارية ظرفية... وكما لاحظ انطوان مسرة (ندوة المؤسسة اللبنانية للسلم الاهلي حول الاحزاب والقوى السياسية في لبنان صدرت في كتاب مداخلة مسرة صفحات 475 485) فإن »مجالس الملل الدرزية والشيعية والسنية هي هيئات رسمية ينتمي موظفوها الى ملاك الدولة ويجري تعيينهم بمرسوم بناء على اقتراح رئيس كل مجلس، وتسري عليهم قوانين موظفي المحاكم الشرعية. اما مجالس الملل عند المسيحيين فهي غير تابعة لأجهزة الدولة ولا تتمتع غالبا بالتماسك الداخلي الذي توفره الشرعية القانونية للمجالس الاسلامية«. غير ان هذا الكلام لا يفي بالغرض لفهم موقع ودور هيئات الطوائف وشكل علاقتها بالدولة وبالقوى السياسية والحزبية في البلاد. ولعل السبب في تشكل الطوائف الاسلامية في هيئات تتعاطى الشأن السياسي وتحمل طابع تمثيل »حقوق« الطائفة ومصالحها وآرائها، في مقابل اقتصار صلاحيات المراجع المذهبية المسيحية (واليهودية او الاسرائيلية حسب النصوص القانونية) على الشؤون الكنسية والوقفية والاجتماعية والثقافية (القانون الصادر بتاريخ 2/4/1951 وتعديلاته بالمرسوم الاشتراعي 121 تاريخ 12/6/1959) الى شعور الطوائف الاسلامية بالغبن، في الحكم والادارة ومطالبتها بالحصول على حقوقها والتعبير عن هذه المطالبة خارج اطار الدولة ومؤسساتها. ترافق ذلك مع الصراعات السياسية التي نشأت بعد الاستقلال والتي تمحورت منذ منتصف الخمسينيات حول علاقة المسلمين بالدول العربية الشقيقة، وتأثير الصراع الاقليمي على الاوزان والادوار في لعبة السلطة الداخلية. اما من الطرف المسيحي فإن مقولة فصل الكنيسة عن الدولة والتي مارستها السلطة المنتدبة (وهي سلطة فرنسا العلمانية) ترافقت مع الحرص على اعطاء امتيازات في الحكم والادارة للموارنة اولا ثم لبقية الطوائف المسيحية ثانيا، مما حتم استقلالية الطوائف المسيحية وعدم ارتباطها بالدولة في الامور المذهبية والدينية والاحوال الشخصية، مع التسليم سياسيا للدولة في نوع من التقليد العلماني الذي حمل فعليا شكل مظاهر العلمانية ولكنه في الواقع اتخذ سمة طائفية الدولة والادارة. فلم يكن هناك تناقض بين دعوى العلمانية التي حملها المسيحيون عموما من جهة، وبين واقع الامتيازات الطائفية في الحكم والادارة من جهة اخرى... ولم يكن هناك بالتالي من داع لبروز مجالس وهيئات طائفية تحمل هم التمثيل السياسي والتنظيم القانوني، على عكس ما حصل لدى المسلمين ويمكن في هذا المجال عقد مقارنة بين هيئات الطوائف المختلفة لرؤية الفرق والاختلاف. فالمجلس الماروني العام او الرابطة المارونية او الرابطة السريانية لا تمتلك نفس الصفة التمثيلية ولا نفس الحضور اللذين يمتلكهما المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى (على سبيل المثال) ولا هي تستطيع ادعاء تمثيل مصالح وحقوق الطائفة المارونية او السريانية او التعبير عن رأيها وموقفها. واذا عدنا الى الواقع نجد ان الطوائف الاسلامية وحدها تمتلك هيئات او مجالس طائفية. وباستثناء طائفة الروم الكاثوليك (الملكيين) لا يوجد هيئات او مجالس ذات صفة تمثيلية تجمع رجال الدين والمدنيين عند الطوائف المسيحيين. والمجلس الشرعي الاسلامي على سبيل المثال ايضا لا ينتخب المفتي بل هو هيئة مؤازرة له في حين ان المفتي هو »الرئيس الديني للمسلمين وممثلهم بهذا الوصف لدى السلطات العامة« (المادة 2 من المرسوم الاشتراعي رقم 18 تاريخ 13/1/1955) وهو »الرئيس المباشر لجميع علماء الدين المسلمين والمرجع الاعلى للاوقاف الاسلامية ودوائر الافتاء«. (المادة 3) اما المجلس المذهبي للطائفة الدرزية فهو »يتولى شؤون الطائفة الزمنية والمالية وتمثيلها في الشؤون العائدة لكيانها الاجتماعي« (المادة الاولى من قانون 13 تموز 1962)، في حين ان شيخ العقل تختاره وتعينه الزعامة السياسية. وبعد ان كان للدروز خمسة مشايخ عقل تناقصوا في عهد الامير بشير الشهابي الى اربعة ثم ثلاثة الى ان عمد الحاكم المذكور الى تكريس ثنائية المشيخة (واحدة جنبلاطية والثانية يزبكية). ونذكر انه في مرحلة الاربعينيات كان هناك الشيخ حسين طليع والشيخ محمد عبد الصمد وقد خلفهما الشيخ محمد ابو شقرا (1949) والشيخ رشيد حمادة (1954) وظل الامر هكذا حتى صدور قانون مشيخة العقل وقانون المجلس المذهبي للطائفة الدرزية. (13 تموز 1962) الذي كرس ثنائية مشيخة العقل (المادة 2 من قانون مشيخة العقل قالت بوجود شيخي عقل هما الرئيسان الروحيان للطائفة) وعمل على ازالتها عبر المجلس المذهبي الذي نصت المادة 27 من احكامه الانتقالية على ان يرأسه »احد شيخي العقل المعترف بهما من رئيس الدولة قبل نشر القانون وذلك بالتناوب سنة فسنة ابتداء من الشيخ الاقدم انتخابا وتكون نيابة الرئاسة للشيخ الآخر«. وقد جرى تكريس الشيخ محمد ابو شقرا شيخا اوحد للعقل ورئيسا للمجلس المذهبي في عام 1970 اثر وفاة الشيخ محمد عبد الصمد والشيخ علي عبد اللطيف. واتفقت الزعامة السياسية على الشيخ محمد ابو شقرا على ان تكون المشيخة ورئاسة المجلس المذهبي مناوبة بين الجنبلاطية واليزبكية. الا ان المجلس لم يلتئم منذ 1970. وأدت وفاة الشيخ ابو شقرا (1991) الى اتفاق جنبلاطي ارسلاني على الشيخ بهجت غيث كقائم مقام الى حين انتخاب مجلس مذهبي وشيخ عقل اصيلين الامر الذي لم يحدث ونشأت عن ذلك ازمة معروفة في الطائفة الدرزية وفي البلاد عموما. وفي حين تحدد الطائفة السنية وضع المفتي والمجلس الشرعي كرئاسة دينية تمثل المسلمين بهذا الوصف، فإن الطائفة الدرزية تجعل من المجلس المذهبي رئاسة زمنية مالية وتجعل من شيخ عقل تابعا للزعامة السياسية مع كونه رئاسة روحية دينية. اما المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى فهو مرجعية دينية وزمنية ومالية وسياسية. وهو يتشكل حسب القانون 72/67 (بتاريخ 19/12/1967) عبر الانتخاب القاعدي من قبل فعاليات الطائفة الدينية والمدنية. وتشكل هيئته القيادية نموذجا لهيئات الطوائف التي تجمع بين العلماء والمؤسسة الدينية من جهة وبين السياسيين والمجتمع المدني من جهة اخرى. كما ان الإمام او رئيس المجلس هو حكما عالم دين مرتبط بالمرجعية العامة للطائفة الشيعية ولكنه منتخب من قبل الهيئة الناخبة التي تضم كل فعاليات المجتمع الشيعي. وللمجالس الملية الشيعية والدرزية تحديدا استقلالية في »وضع انظمة داخلية وابلاغها الى مجلس الوزراء« وفي »تعديل احكام القانون وتبديلها حسب الضرورة« وفي كون »قرارات هيئاتها القيادية نافذة بذاتها شرط موافقة الهيئة العامة وعدم التعارض مع النظام العام« (المادة 31 من قانون تنظيم شؤون الطائفة الشيعية والمادة 25 من قانون انشاء المجلس المذهبي للطائفة الدرزية). اما تشكيل المجلس الشرعي الاسلامي فقد تم لتكريس »استقلال المسلمين السنيين استقلالا تاما في شؤونهم الدينية وأوقافهم الخيرية« (المادة الاولى من المرسوم الاشتراعي رقم 18 الصادر في 13/1/1955 والمعدل بالقرار رقم 5 تاريخ 2/3/1967) والموظف الديني الملتزم في كل ما يتعلق بالامور السياسية... ويمتنع عن التعليق على قرارات السلطة العامة الا بإذن من اللجنة الدائمة... ولا ينتمي الى اي حزب من الاحزاب او المنظمات السياسية« (المادة 50). وليس للطوائف المسيحية (باستثناء الروم الملكيين الكاثوليك) هيئات او مجالس ملية ذات تنظيم قانوني معترف به من الدولة. ولكن مرجعيات هذه الطوائف (البطاركة ومجلس المطارنة ومجالس الرعية والابرشية وغيرها) هي التي نعنيها هنا في الحديث عن هيئات الطوائف وعلاقتها بالقوى والاحزاب السياسية. ثانيا: ان الدولة اللبنانية علمانية مؤمنة... هي علمانية لأن شرعية مصدر السلطة فيها غير مستمدة من الدين. ولأن التشريع فيها غير قائم على الدين. فالدستور اللبناني لا ينص على دين او هوية دينية للدولة او للنظام. والسلطة في الدولة اللبنانية لا تعترف لأي مبدأ ديني بأنه مصدر لشرعيتها التي هي بموجب الدستور مستمدة من الشعب اللبناني عبر مجلس النواب الذي هو مؤسسة التشريع. كما ان التشريع اللبناني لا يخضع لاي اعتبار ديني ناشئ من اي مذهب من المذاهب في لبنان فهو لا يستوحي نظام المحرمات او الواجبات ولا الاصول التشريعية لأي دين او مذهب. والدولة اللبنانية العلمانية هذه هي مؤمنة. انها تفسح للايمان الديني مكانا، ليس في هيكل السلطة ولا في هوية النظام ولا في مجال التشريع، وانما من حيث الاعتراف بالايمان الديني واحترام الاديان (راجع كتاب الإمام الشيخ شمس الدين عن: »العلمانية وهل تصلح حلا لمشاكل لبنان« المؤسسة الدولية للنشر). غير ان ما يضفي على الدولة اللبنانية صبغة الطائفية وجود ظاهرتين فيها: الطائفية السياسية والادارية من جهة وأنظمة الاحوال الشخصية من جهة اخرى. وحول (ومن وخلال) هاتين الظاهرتين تشكلت هيئات الطوائف واكتسبت قوتها ونفوذها. وينبغي هنا الاشارة الى التمييز الهام والضروري بين الطائفية الدينية والطائفية السياسية. فهناك حقيقة واقعية لا تقبل النقاش تتمثل في وجود وتعدد الطوائف اللبنانية وفي تنوع الحياة الاجتماعية والثقافية الناشئ عن تعدد الطوائف. وهذا التنوع هو الطائفيةالدينية وهو يقوم على اعتبار الطائفة وحدة ثقافية في المجتمع السياسي وعلى اعتبار وجود لبنان بحد ذاته اكثر من مجرد وطن وأرض (فهو تعبير ايماني عن الذات حسب عبارة الإمام الشيخ شمس الدين). والطائفية الدينية بهذا المعنى »هي مظهر الالتزام الديني لجماعة من الناس بعقيدتها وشريعتها وعاداتها وتقاليدها. انها مظهر ديني ثقافي لكتلة من المجتمع تتمثل فيها جميع فئاته ينوعها هذا المظهر الديني الثقافي في مناخ حضاري خاص في نطاق الاطار الحضاري العام الذي يشمل المجتمع كله ويتعدى حدود الطوائف بأسرها«، والولاء الطائفي بهذا المعنى »ليس ضد الولاء الوطني بل هو مواز له ومحتوى فيه« (الإمام الشيخ شمس الدين في كتاب العلمانية). وقوانين الاحوال الشخصية وجميع الشؤون الدينية الخاصة هي مظهر للطائفية الدينية في المجتمع اللبناني. اما الطائفية السياسية والادارية فهي لم تنشأ من الطائفية الدينية وانما من تشريع وضعي علماني: انها نتاج سياسي علماني. فالمادة 95 من الدستور هي التي دعت الى تمثيل الطوائف بصورة عادلة في الوظائف والوزارات والادارات وفي التمثيل النيابي. اذن المشرع والمقنن نظرا الى الطوائف من حيث كونها ممثلة في الدولة على اساس انها احزاب او كتل سياسية لا على اساس انها بنى ثقافية. وممثلو الطوائف يدخلون الى الدولة في السلطة والتشريع والادارة ليشرعوا ويطبقوا قوانين ومناهج علمانية. وهذا الوضع لم ينشأ بسبب تشريع ديني من هذه الطائفة او تلك. ومن هنا فإن توزيع السلطة والادارة في الدولة بين الطوائف لا يتنافى مع كون الدولة علمانية لأن الطوائف هنا هي كتل واحزاب سياسية وليست وحدات ثقافية دينية. ومن هنا ايضا كان المطلب القديم بالغاء الطائفية السياسية ليس لاجل علمنة الدولة وانما لاجل تطبيق افضل لفكرة العدالة والمساواة وحقوق الوطن والمواطن. (الإمام شمس الدين نفس المصدر). لقد اوجد نظام الملل حدودا بين الطائفية الدينية والطائفية السياسية. اما نظام الطوائف الذي تكرس مع الانتداب ثم الاستقلال فقد اوجد التداخل واضاع الحدود بين هيئات الطوائف وبين الاحزاب والقوى السياسية. ويكفي ان نتذكر كيف كانت الانقسامات السياسية القديمة تتم على اساس الحزبية القيسية او اليمنية ثم اليزبكية والجنبلاطية، ثم الدستورية والكتلوية، دون اي اعتبار للمسألة الدينية او للانتماء الطائفي او المذهبي. ولقد ورثنا النظام العثماني للملل، في اوضاع مختلفة تمام الاختلاف ولم نطرح حتى الآن ضرورة صياغة اطار نظري وعملي لعلاقة الدولة بالطوائف. واذا كان التنظيم القانوني للمجالس الملية يفتقر الى »نظرية عامة للاوضاع الطائفية في لبنان وللحاجة التي ينتظر منها تلبيتها على مستوى كل طائفة وعلى مستوى العلاقات داخل الطوائف وبين الطوائف« (انطوان مسرة مصدر سابق) فإن الاحزاب والقوى والكتل السياسية لم تفعل سوى زيادة الضرر وتعميق الغموض والالتباس الناجمين عن عدم تحديد مفهوم الشؤون الدينية ومجاله، وعدم الفصل بين الطائفية الدينية والطائفية السياسية، واستخدام شعار العلمنة الذي ادى الى مزيد من الفوضى والاضطراب في هذا المجال. الامر الذي ادى بالتالي الى تكيف المجالس الملية القائمة مع نظام الطائفية السياسية والادارية وتحول هذه المجالس الى هيئات تمثيلية منفصلة عن بعضها البعض تهتم بالشؤون العامة وتدعي التعبير عن وجود الطائفة وعن حقوقها ومصالحها.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة