في الدعوة الموجهة من اعلى المستويات لمناقشة الوضع اللبناني من اوجهه كافة، لا بد بادئ ذي بدء من محاولة ايجاد إطار عام لمفهوم المصلحة العامة او الخير المشترك بغية تأصيل هذا المفهوم الذي قلما يخلو خطاب سياسي او فكري او ثقافي من ذكره، بل انه يبدو ان المصلحة العامة هي المحور الذي تدور حوله البرامج والخطط والمناهج على تنوعها، مما يحدونا لبذل الجهد للتعريف بالصالح العام. ومع ان هذا المصطلح ليس جديدا في تاريخ الفكر البشري الا ان كثيرا من اللبس يحيط به، مما يدعو الباحث الى استعراض وجيز له في ضوء الفكر الفلسفي والعلم السياسي وفي دائرة العلاقة الجدلية ما بين الانسان والمجتمع والسلطة والدولة. لقد حاولت الفلسفة اليونانية، ممثلة خاصة بأفلاطون وأرسطو، توضيح العلاقة بين الفرد والمدينة ووضع تراتبية لدرجات الخير الخاص والعام وتقسيم العمل، وتوصلت الى ما خلاصته ان كل مجتمع يبقى مصلحة اساسها الخير العام المبني على الفضيلة والعدل مع التأكيد على عنصر الحفاظ على الوضع الراهن الاجتماعي حفاظا منظما وسلميا، وان الحكم السليم لا يقوم على مجرد طلب الخير ما لم يكن هذا الخير عاما ومشتركا بين جميع المواطنين اذ لا يكفي ان يكون خيرا بحد ذاته ما لم يشترك الجميع في طلبه. وتابع الفكر المسيحي في القرون الوسطى على يد القديس توما الاكويني نظرية ارسطو القائلة بان الانسان حيوان سياسي مدني بحكم طبيعته، قائلا: ان القانون هو اولا وقبل كل شيء امر بالخير العام الذي يختص بالمجموع كله او بشخص يمثل هذا المجموع، وان النفع العائد من الطاعة اكبر من الضرر الناتج عن العصيان، وفي ذلك تغليب، في رأيه، للصالح العام على الصالح الخاص، الامر الذي يتفق مع اصول القانون الطبيعي عامة الذي كان الاكويني يقول به والذي تبنته الكنيسة الكاثوليكية والتي اعتبرت ان الطاعة للقوانين الوضعية غير واجبة ان خالفت هذه القوانين امر القانون الالهي. اما الفكر الاسلامي فانه يركز خاصة على مفهوم الجماعة التي استخلفها الله في الارض للتعمير والتدبير وتكمن الضمانة في عصمة الجماعة التي يجب ان تتولى امورها عن طريق الاجماع الذي يمظهر إرادتها، ولو ان هذا الاجماع قد بدا واقعيا غاية في الصعوبة، مما أفسح المجال للسلطة القائمة ان تقول على الدوام انها تعكسه، في حين ان الفقهاء فرقوا بين حقوق الله التي يتعلق بها النفع العام لجميع الناس فلا يختص به واحد، وبين حقوق العبد التي تتعلق بها المصلحة الخاصة؟ وقد رأى الشاطبي ان مقاصد الاحكام في الشرع هي تحقيق مصالح العباد ولو اختصت لم تكن موضوعة للمصالح على الاطلاق، اما ابن القيم الجوزية فقد اكد ان: اي طريق استخرج به الحق وعرف به العدل وجب الحكم به وبمقتضاه، والطرق اسباب ووسائل لا تراد لذواتها وانما المراد غاياتها التي هي المقاصد. واوضح الفيلسوف ابن رشد ان: معنى الاستحسان في اكثر الاحوال الالتفات الى المصلحة والعدل، اما العز بن عبد السلام فانه يقرر في حوالى السنة 577 للهجرة: ان هذه المصلحة لا يجوز اهمالها وان هذه المفسدة لا يجوز قربانها وان لم يكن فيها اجماع ولا نص ولا قياس خاص فان فهم نفس الشرع يوجب ذلك، اما نجم الدين الطوفي (673 هجرية) فانه اعتبر المصلحة مفعلة من الصلاح وهو كون الشيء على هيئة كاملة بحسب ما يرد ذلك الشيء له، وهذه الهيئة هي بحسب العرف السبب المؤدي الى الصلاح والنفع، وبحسب الشرع السبب المؤدي الى مقصود الشرع لنفع الخلق وانتظام احوالهم، مقدما المصلحة على النص والاجماع بالاستناد الى ما سبق وأورده. حاز مفهوم الخير العام على ابحاث مستفيضة في الفكر السياسي للنهضة الاوروبية وسط تنوع ثري في الآراء، وانتهى الامر مع »مكيافيلي« في كتابه »الامير« الى اصطناع الدولة، الوحش المسخ، للحد من شرور الانسان، اما »هوبز« فقد ركز السلطة في ايدي سلطان سيد لا يمكن ان تكون قوانينه غير عادلة لانها تحدد الخير والشر ولا مجال لان يحدد البشر، في رأيه، المصلحة العامة لانه بفضل قانون السلطان السيد تتم عقلنة الصراع ضمن الحسابات الدقيقة لمعادلات المصالح بين مراكز القوى الخفية والظاهرة، في حين ان »لوك« اصر على وجوب التزام الحاكم والمواطن معا بالصالح العام، ورأى »روسو« ان الحكومة تخضع للمواطنين بصفتهم هيئة عامة وهم يخضعون كأفراد لها، ولو ان فعالية السلطة التنفيذية تزداد بشكل تضعف معها سلطة الهيئة العامة التي انبثقت عنها. واعتبر الفيلسوف »كانت« ان القانون هو نظام من القواعد العامة التي تطبق على تصرفات الانسان وتستطيع بموجبها الارادة الحرة لكل فرد ان تتعايش مع الارادات الحرة للجميع، في حين استحوذت فكرة الدولة على فلسفة »هيغل« موضحا ان المصالح الجزئية تتحول الى المصلحة العامة من خلال إدراك الافراد قولا وعملا. ان المصلحة العامة هي جوهرهم الروحي. على انه لا بد من إفراد فقرة خاصة »لكارل ماركس« صاحب الرأي المخالف الذي يرى ان علاقات التوزيع هي الوجه الآخر لعلاقات الانتاج في كل مجتمع وان كل الانظمة السياسية الراهنة يساء فهمها اذا حاولنا تحليلها على اساس وجود مصلحة عامة مشتركة ممكنة او قائمة، فالشعار النفعي من مثل »السعادة القصوى للعدد الاكبر« يخفي النزاع والصراع بين الطبقات الاجتماعية لانه يعني حقيقة مصالح طبقة مسيطرة على حساب مصالح الطبقة الاخرى، وان التوجه الى مبادئ الاخلاق، والعدالة هو اسوأ من العقم، لان هذه المبادئ بصيغتها الراهنة هي ملائمة للتعبير عن مصالح الطبقة الحاكمة حاليا. وعلى النقيض لما سبق تجلت ليبرالية القرن التاسع عشر مع اطروحة »جون ستيوارت ميل« في الحرية الذي اعتقد بان حالة المجتمع فاسدة وان البشر يجب ان يكونوا احرارا وان سبب بقائهم في القيود هو خضوعهم لحكم الطغاة وان كل قمع هو شر وكل قسر نقيض للحرية... وان نزاع البشر ليس محصورا بين مثلهم الصالحة والشريرة، وان التوفيق متعذر حتى بين مثلهم الصالحة... وان المجتمع لن يصل الى توافق على المدى الذي علينا فيه ان نضحي بالحرية من اجل الامن، او المساواة من اجل روح المبادرة. هكذا يتبين من هذا العرض السريع، الذي لم يراع بطبيعة الحال الفوارق الظرفية التاريخية لنشأة الآراء المستعرضة، ان مفهوم المصلحة العامة او الخير العام موجود في الافكار منذ ان تكون علم للسياسة، وان الفكرة متوفرة بصورة مجردة في الفكر الانساني كإطار، ولكن محتواها يختلف واقعيا في الزمان والمكان ومن مجتمع الى آخر، اذ ان المصلحة العامة من حيث الشكل المجرد هي فكرة شاملة ومقربها، ولكنها تبقى من حيث المحتوى والمضمون موضوعا متغيرا ونسبيا. وإذا أمعنا النظر في مفهوم المصلحة العامة تبدت لنا فيه عناصر شكلية وعناصر مادية. اما العناصر الشكلية فهي تدور خاصة حول عنصر النظام، وثمرة النظام هو السلم الاهلي اي الاستقرار، ذلك ان النظام هو تفاعل العلاقات بين الافراد والفئات، في مجتمع من المجتمعات، في اطار من الامن والاستقرار الذي يبدو واضحا انه عنصر ثبات وجمود يتيح للحياة ان تصبح ممكنة في المجتمع اذ العيش فيه غير ممكن، الا بقبول قاعدة عامة مشتركة. ويمكن تقريب مفهوم النظام هذا من مفهوم الطاعة المعروف في الاديان، على انه يبدأ البحث في القيمة الاخلاقية للنظام اذا تجرد من كل معنى اذ ان غاية القانون انما هي المحافظة على الامن وعلى السلام، وهكذا تطور مثلا مفهوم النظام من نطاق العدالة الفردية حيث يدافع المرء عن نفسه بنفسه الى العدالة العامة التي يفرز لها المجتمع جهازها الخاص. ان هذا يجرنا الى البحث في عنصر العدل الذي هو، بحسب »جوستنيان«، حمل النفس على ايفاء كل ذي حق حقه والتزام ذلك على وجه الثبات والاستمرار، وهو يتضمن معنى المساواة. وضمن مفهوم العدل العام والمجرد هذا يمكن البحث في عدل خاص وعدل عام. ويبقى ختاما الاشارة الى العناصر المادية في مفهوم الخير العام، ذلك انه اذا كان الخير العام من الناحية الشكلية هو اطار مجرد، فانه من ناحية المضمون المادي غني ومتحرك ومتغير ومتنوع لا يمكن للفكر الاحاطة به بكليته وتحديده بصورة نهائية، فلكل امة في كل مرحلة من مراحل تطورها مصلحتها العامة المخصوصة بها والمتناسبة مع بنيتها وحاجاتها ودرجة نضوجها، ففي المراحل البدائية تبدو الحاجة للامن اكبر، وفي المراحل المتقدمة تبدو الحاجة للعدالة اوسع، وبشكل عام يتجه المضمون نحو تحقيق الصالح الانساني ومحتواه تبلورا لشخص الانساني في المجتمع الذي يعيش فيه، وعندما نقول الشخص الانساني تتبادر الى الذهن فورا كرامته وحريته. هكذا يظهر مفهوم الصالح العام كإطار شامل يمور داخله المجتمع حول محور جاذب يتجلى فيه شرط تطوره، بشكل تبدو فيه المصلحة العامة غاية السياسة على حد تعبير القديس توما الاكويني المتأثر بابن رشد وبأرسطو. فهل من غرابة في جوابنا على النداء الآتي من اعلى المستويات في لبنان للنقاش في الوضع العام ان نبحث اولا في مفهوم المصلحة العامة الذي يظهر ليس كإجابة على مشكلات المجتمع، بقدر ما هو مسألة مطروحة عليها بشكل دائم وبتعابير متغيرة باستمرار. على ان هذه التعابير المتغيرة باستمرار لا بد لها في الحالة اللبنانية ان تركز على عنصرين اساسيين في طموح اللبنانيين لبناء مجتمعهم المتقدم، عنيت: الحرية والعدالة وهما اكثر التعابير ترديدا على ألسنة أبناء شعبنا. * باحث.