في مطلع شهر أيلول في سنة 1973 وُجد الشاعر والمناضل الجزائري جان سيناك مقتولاً في شقته وسط الجزائر العاصمة، وهو أول اغتيال يطاول مثقفاً جزائرياً بعد الاغتيالات السياسية التي تحولت إلى سُنّة غير حميدة في هذه الأيام. وجاك سيناك الذي قتل في ظروف غامضة ما زال ملفه مغلقاً شأنه شأن المئات الذين رحلوا بصمت وأغلقت ملفاتهم، وعندما قتل جان سيناك لم يكن هناك تنظيم أصولي يمكن تحميله مسؤولية ذبح سيناك، ولذلك تتوجه أصابع الاتهام إلى جهات مرعبة تخشى الفكر والثقافة وما زالت تلاحق في الظلام حملة الهمّ الثقافي ومشعل الإبداع وتنطلق في ذبحها لهذا المبدع وذاك من عناوين مختلفة. ويعتبر الكاتب والشاعر جان سيناك من أبرز شعراء الثورة الجزائرية ومن أبرز المدافعين عن حقوق الإنسان والمعذبين في الأرض، وللوهلة الأولى قد يطرح سؤال عن جان سيناك ذي الاسم الأوروبي وعلاقته بالجزائر. ولد الشاعر جان سيناك في 29 تشرين الثاني 1926 في بني صاف ولاية تلمسان، من عائلة إسبانية الأصل تنتمي إلى طبقة عاملة فقيرة، وقد أثرت هذه البيئة الفقيرة في توجهات جان سيناك في وقت لاحق خصوصù من ناحية شعوره المرهف بالظلم الذي يلحقه الإنسان بالإنسان، وعندما بلغ جان سيناك سن العشرين بدأ نظم الشعر، وقد تنبأ له ألبير كامو ورينه شار بمستقبل كبير في مجال الشعر المنظوم باللغة الفرنسية، غير أن سيناك كان يؤكد أن إبداعه باللغة الفرنسية لا يعني على الإطلاق ذوبانه في النمط الحضاري والإيديولوجي الفرنسي، بل كان يصر على جزائريته وكان يقول: »الأديب الجزائري هو كل أديب اختار نهائياً الانتماء الى الأمة الجزائرية«، وعندما انطلقت الثورة الجزائرية ناصرها جان سيناك وسخّر كل شعره في خدمة هذه الثورة الفتية، وكان يصر على عدم الانفصال والابتعاد بشعره عن قضايا الشعب وأحاسيسه، وقد اختار الهوية الجزائرية النضالية وقرر الانتماء الى الشعب الجزائري انتماءً كاملاً، فهو بعكس كامو لم يعلن فقط أن الحرب التي يشنها الفرنسيون هي حرب غير عادلة بل تجاوز ذلك إلى تبنّي قضية التحرير واعتبار نفسه وشعره في خدمة هذه القضية. وعندما اندلعت الثورة الجزائرية انخرط في صفوفها منذ تشرين الثاني 1954 وقطع كل علاقاته بألبير كامو وأصدر ديواناً في باريس يحمل عنوان: »الشمس تحت السلام« وقد جمع فيه نماذج من شعر المقاومة الجزائرية، كما أصدر ديواناً آخر عن »دار غاليمار« بعنوان »قصائد«. لغة موليير ويمكن القول إن جان سيناك خدم الثورة الجزائرية بلغة موليير وتصدى للاستعمار الفرنسي بلغته، وكان يحمل الرشاش والقلم في الوقت نفسه، وقد شبّهه بعض المثقفين الجزائريين بشاعر الثورة الجزائرية مفدي زكريا، فمفدي زكريا كان حامل لواء الشعر العربي في الدفاع عن الجزائر وشعبها، فيما حمل سيناك لواء الشعر المكتوب باللغة الفرنسية والذي من خلاله تصدى سيناك للاستعمار الفرنسي. وكانت قصائده في بعض الأحيان أشد على الفرنسيين من رصاصات جبال الأوراس، ذلك أن شعره كان ذائع الصيت وسط النخبة المثقفة الفرنسية اليسارية على وجه التحديد. صحيح أن رصاصات الأوراس هي التي غيّرت كل المعادلات، إلا أن الشعر الجزائري المقاوم ساهم في إيصال صدى الثورة الجزائرية إلى كل العالم. وبعد انتصار الثورة الجزائرية في تموز 1962 أصبح جان سيناك مستشاراً لدى وزارة التربية الوطنية ثم أسهم في تأسيس اتحاد الكتّاب الجزائريين، وأهم إنتاجه الأدبي في السنوات الأخيرة من حياته، فكان له عدة دواوين شعرية منها: صباح شعبي (1961)، الجسد الطليعي (1967)، مواطنو الجمال (1968)، الفوضى (1972). وديوانه الأخير »الفوضى« يحمل دلالات سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية، فهل كان ال»الفوضى« سبباً لاغتياله؟ لا أحد يجرؤ على قول الحقيقة برغم أنه انقضى على اغتياله أكثر من عقدين، وقد اكتفت جريدة »لوموند« الفرنسية بالقول عند اغتياله إن جان سيناك أعطى لشعره بعداً كونياً أممياً، كان جان سيناك يشعر بأنه أخ لكل المعذبين والمضطهدين ولكل الشعراء المتمردين والمتولهين بالحرية. في عهد التعددية وفي عهد التعددية السياسية في عهد الشاذلي بن جديد عندما فتحت بعض الملفات القديمة، هناك من تطرق الى قضية جان سيناك والمثقفين الذين كانوا عرضة للاعتقالات والتعذيب في عهد الأحادية السياسية، لكن لا أحد استطاع أن يتهم جهة معينة باغتيال جان سيناك، حيث إن الجاني لم يترك وراءه أي أثر. وهناك من اتهم المخابرات الفرنسية باغتيال جان سيناك باعتبار أن الرجل قد عرّى الاستعمار الفرنسي عن بكرة أبيه، وقد كثرت في ذلك الوقت في الجزائر عمليات عسكرية للأجهزة الأمنية الفرنسية حيث وضعت فرقة كوماندوس فرنسية قنبلة في جريدة »المجاهد« الرسمية بالإضافة إلى بعض العمليات هنا وهناك، وجاء اغتيال جان سيناك في وقت توترت فيه العلاقات الديبلوماسية بين الجزائر وباريس، وعندما سئل هواري بومدين عن أسباب تردّي العلاقات الفرنسية الجزائرية قال: بيننا وبين فرنسا جبال من الجماجم وأنهار من الدماء. والظروف التي اغتيل فيها جان سيناك شبيهة إلى حد كبير بالظروف التي يُغتال فيها المثقفون الجزائريون بمختلف انتماءاتهم اللغوية والإيديولوجية والفكرية، حيث إن الكثير من حالات الاغتيال تحتاج إلى أديبة من طراز أغاتا كريستي لفك رموزها. وأياً كانت هوية الجهة التي كانت وراء اغتيال جان سيناك، فإن المثقف الجزائري أُهدر دمه منذ بداية السبعينيات، وكان ضمن حلبة الموت الخطيرة المتداخلة والمعقدة والخاضعة للجملة الشهيرة العتيدة »سري للغاية«. وبعد جان سيناك توالت الاغتيالات لكن بأشكال مختلفة تماماً، وينفع كل شكل من هذه الأشكال عنواناً لمسرحية درامية، وانتقلت أشكال الاغتيال من الجزائر إلى حيث طاولت الرصاصات بعض المثقفين الجزائريين الذين يعملون في مجال حقوق الإنسان. وعندما اندلعت الفتنة الجزائرية بات اغتيال المثقف الجزائري يوطد العلاقة بين الإنسان وربه على قاعدة جواز قتل الثلثين لإبقاء الثلث الباقي صالحاً حسب فتاوى فقه الذبح طبعاً. ومنذ اغتيال سيناك والسؤال الذي تردده الإنتليجانسيا الجزائرية هو: من يتآمر على الثقافة والمثقفين في الجزائر؟ (*) كاتب جزائري