As Safir Logo
المصدر:

مسرح.كريم دكروب و»مسرح الدمى اللبناني«في مسرحية أطفال:فلكلورية شكلية فوق منصة مختلة الوظائف(صورة)

المؤلف: باشا عبيدو التاريخ: 1996-12-04 رقم العدد:7560

ما يعيب مسرحية الاطفال »شتي يا دنيي صيصان« لكريم دكروب، التمترس وراء صيغة مختبرة الى حد في إطار الفرقة اللبنانية للدمى. وذلك بعيدا عن رؤية الافق الشاسع لمسرح الاطفال وجذوره الضاربة عميقا في تراب الذاكرة المحلية. ذلك ان المخرج الشاب يمارس غوايته الفائقة فيما يتعلق بصناعة الدمية وتحريكها بطرق لافتة مبتكرة، بعيدا عن العناصر الاخرى. حتى لتبدو العناصر هذه حججا لحضور الدمية في مدى بصري لا يهاب الوقوع في مطبات التفاوت بين شكل الدمية ووظيفتها والمدى العلائقي الذي تتحرك فيه. التجربة اللبنانية توصلت الى قيام المفهوم الوظائفي للاشياء، في سبيل بناء عرض مسرحي. المسرحيات الصغيرة والمسرحيات العميقة، كلها فعلت ذلك تقريبا. ثم ان المسرحيات الاخرى، تلك التي استلهمت فكرة حضور الاطفال كمبدعين بالدرجة الاولى وصلت الى ذلك مع مهى نعمة. ثمة تفاوت بين المسرحيات، لا شك في ذلك. وثمة تفاوت بين تجربتين، تجربة شبه محترفة وتجربة هاوية، لا شك في ذلك. الا ان التجربة شبه المحترفة حفزت الهواة على المضي في تجربة مسرح الاطفال المزدهرة في أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات. إشارة تستبطن غاية حضور مسرح الاطفال. فهو مسرح يتوجه الى جماهير محرومة او غير مخصصة بأشكال تعبير. وهو حضور راوح أمام نوع من البراءة الاقتصادية. حيث تشكلت التجارب غالبا، من مفهوم اقتصادي رائق. او مفهوم اقتصادي واضح، يهاب حضور المال خوفا من حضور نوع من الرأسمالية الوحشية، التي يحتمل ان تغلب اتجاها في الاتجاهات او ان تطيحها كلها. تلك واحدة من عناصر التجربة القديمة، اللامعة، المضيئة، فهي ازالت بسرعة الغبار عن السبيل الصحيح الذي أضاء حقيقة العلاقة بين المحلي ومداه. كما اضاء حقيقة التواشج العميق بين ما تحمله الآراء والاتجاهات، من اجزاء ساعدت دوما في تلمس الارتباط الجدلي بين الانتاج وصيغة العرض كحقيقة او كظاهرة. وإذ بان العاملون في التجربة القديمة على حق، فلأن الابتكار افترض غياب الكتلة المالية الضخمة. او افترض بحد ادنى، غياب المال في المرحلة التخيلية الاولى. بما دمج الوظائف، حتى أقيم المصوغ من جهود العاملين جميعهم. اذ لطالما، اضاءت التجارب المسرحية الطفلية حضوراتها بتقديم الصيغ الجمعية. قوى مفقودة إن جملة العناصر التي قادت تجربة مسرح الاطفال الى حيازة قواها التعبيرية، مفقودة في تجارب الجدد. لست اطلب في هذا المجال تقديم مسرحيات فقيرة. فلطالما بدت المسرحية القديمة ثرية في تخيلات اصحابها وأمام العلاقة غير التعليمية بجمهور الصغار. تجربة كريم دكروب، غارت في المعنى الاقتصادي. اذ حفلت بمقتضيات حضور المال ورعاية واحدة من المؤسسات الاجنبية العرض. فإذا ما قدمت »شتي يا دنيي صيصان« على خشبة »مسرح المدينة« »بمناسبة مرور خمسين سنة على تأسيس منظمة اليونيسيف«، فان ذلك اقتضى ان يرتدي الفلاحون الرواة ثيابا فلكلورية ناصعة النظافة. وهي فلكلورية لم تنحصر في حيز بل احتلت السياق كله. وخصوصا ان »المسرحية الغنائية«، جاءت »من وحي اتفاقية حقوق الطفل«. وبذا اكتمل النقبل بالزعرور، على ما يقول المثل الشعبي. ذلك ان الذين يكرم العمل ذكرى مرور خمسين عاما على تأسيس منظمتهم، يريدون تعميم صورة مشفوعة بالهناء والرضى والجماليات البرانية، اينما حلوا شكلا وصوتا وطلبا واقتراحا وفكرا. هكذا بدأ انفصام العرض عن تصاويره منذ اللحظة الاولى. فصورة المزارع في »شتي يا دنيي صيصان« هي صورة المزارع في عيون الغربيين. او صورة استشراقية للمزارع الحكواتي الذي يرتدي خنبازا او جلبابا ويعتمر قبعة مبرقعة بالنقوش العربية او الاشارات الاسلامية. ثم ان قياس العمل على مازورة اتفاقية حقوق الطفل وبنودها، زرب المخيلة الادبية اولا (رلى بروش وكريم دكروب) والمخيلة البصرية من ثم في أسر فكرة التعليم. وهي فكرة خطيرة، لا تفعل سوى ان تحيل العلاقة بالاطفال الى علاقة تصورية تصويرية، تحمل المسرح على لعب دور تلقيني، متعال. وهو تعال فرط صيغة العرض، بحيث حوله الى مجموعة من اللقطات او الاسكتشات الحافلة بالاشارة الى تعاليم المنظمة الدولية المصدرة اتفاقية حقوق الطفل. لكأنني اريد التأكيد على غياب الامتاع. وهذا صحيح. ففي ظل الجاهز وفكرة اعادة انتاجه في مصوغات ابداعية، يموت الابداع في الطريق الى المصوغ الابداعي. اذ ليس ثمة ما يحفزه على حضور مختلف. او يحضنه في حضوره المختلف. والعلة الكبرى، هي غياب المبررات والحلول الاخراجية المقنعة في مثل هذه الحالات. بحيث تبدو الاختلاقات الواهية بطلا أوحد مبجلا في صحراء جدباء من التخيل بعيدا من قدرة رفعه الى مرتبة الكمش والتثبيت فوق خشبة تضمن قواها التعبيرية ما يعبر عن هذه القوى. الحكاية واهية. صوص يخاف الماء. لان نقطة ماء وقعت في بيضته قبيل خروجه منها. ثم لا يلبث ان يضيع، فيصادف غيمة وذئبا وقوس قزح في خط سير درامي مفتعل تقطعه تدخلات الحكواتية المبالغة. بيد انه ينفذ بريشه. وخصوصا من الجرذ الذي أراد ان يصبغه ويستبدله بقطع صابون. رحلة بحث مقلوبة عن أم وأب، تحفل بمغريات شكلية. كتقصد العلاقة بالاطفال. وذلك بالسؤال عن حاجة لديهم تسعف بطل الحكاية على حكايته. او بانتقاء احدهم لكي يمارس دورا قسريا، يسر له الاهل ويهنأون. او باستعمال الاغنية بكثافة ملحوظة. وهي جميلة ومعبرة من احمد قعبور وأسامة الخطيب (كلمات احمد علي الزين). ولعلها الأنضج، بل انها الوحيدة المشغولة بعناية ودراية. الا ان ما يعيبها دورها غير المحسوب. اذ انها كشفت بمعظم الاوقات خفة الحوارات او تواضعها او هشاشة المشهد، المتحايل على الكوميديا بأنسنة الحيوانات. كالبقرة. ثم انها خلقت حالا من اللاتوازن النطقي بين المشاهد الحوارية الغنائية، وتلك العادية. حتى ان لقطة النهاية بدت مسخرة، حين التقى الصوص بوالديه. ذلك ان نبرة ميلودرامية تلفزيونية بائخة كسحت المشهد تماما. عزز الكسح استعادة تفاصيل الحكاية بكاملها في اغنية اخيرة، روت قصة الرحيل في الطبيعة والتعرف بالحياة بجمالاتها وبشاعاتها والاحساسات الانسانية كالجوع والمرض والمحبة والشوق والبرد والخوف. نزعة رسولية نزعة رسولية، عبر حيوانات اليفة وعناصر طبيعية مجسدة بطرق تفتقد البساطة. ولا تفتقد تسطيح التعامل معها. الغيمة بدت منحوتة. وصندوق الفرجة من لوازم الارتيزانا المحببة من المنظمات الاجتماعية الاوروبية العاملة في لبنان. وكذلك الاردية والاغطية، الجديدة الملونة، المزركشة، حيث حاول دكروب ان يداريها بإلصاق مزق فوق مساحة واخرى. بيد ان الأداء جاء تنكريا في أوقات لعب الشخصيات الحيوانية وواقعيا حرا ورومانسيا في لحظات الرواية حيث بدا الرواة في ثيابهم الفلكلورية اقرب الى خدم المطاعم من الحكواتية (رشاد زعيتر، اياد الباشا وشادي الزين). لا أريد ان أبدو قاسيا. ولكن كلاما منمقا عن العرض يتجاوز عناصر خلقه الأساسية وهي أدبية أولا (كتابية)، لن يساعد تجربة كريم دكروب الشابة الواعدة وخصوصا فيما يتعلق بصناعة الدمى وطرق تحريكها بموهبة اكيدة سوى في مطارح مفاجئة. نص ضعيف، استحضر اخراجا مذعورا من ضعف النص. هنا تقطعت العرى. ساهم في ذلك مفاعيل الانتاج الباذخة (وصل تعداد فريق العمل بين موسيقيين وممثلين ومعدين وكتاب وعاملين فوق المنصة الى اكثر من ثلاثين شخصا، من أعيرة لا يستهان بها كأحمد قعبور وشربل روحانا وعلي الخطيب وعايدة صبرا واسامة الخطيب وفراس شاتيلا وعباس شاهين..) برعاية المنظمة الانسانية و»دولة الرئيس الشيخ رفيق الحريري«. لعل »شتي يا دنيي صيصان« تحتاج الى ما حازته مسرحيات كريم دكروب السابقة، من »شو صار بكفرمنخار« الى »نملة على السطر« و»لونو بلا لون«. تحتاج الى الحيوية والى تلازم العناصر اللازمة، بعيدا عن التدوين البصري والتلوين التعليمي. كما انها تحتاج الى الصدقية في التعامل مع مصادر الانتاج، أيا كانت. عبيدو باشا

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة